السؤال الذي ستتدفق سيل الاجابات عنه في الأيام المقبلة: ما هي معادلات الربح والخسارة في تطبيع العلاقات بين كوبا والولايات المتحدة؟

بالنسبة إلى كوبا، فإن الانتصار السياسي الذي حققته بعودة سجنائها له اهمية كبرى على المستوى الداخلي، بعدما تحولوا الى ايقونات ورفعت صورههم في كل حي ومدرسة. وسوف يسجل هذا الانجاز كواحد من ابرز انجازات الثورة في العلاقة الندية مع الولايات المتحدة بعد استعادة الطفل إليان غونزاليس التي شكلت الضربة الاقسى للجالية الكوبية المعادية للنظام والتي تقيم في ولاية ميامي.

لكن حسابات كوبا المتوسطة والطويلة المدى في ضخ الدفء في العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة ترتبط بالاقتصاد الكوبي أولاً. في المقابل، تراهن اميركا على ان تخفيف الحظر الاقتصادي على كوبا سيسمح في نشوء قطاع خاص قوي ومجتمع مدني، الامر الذي سيشكل الارضية الصلبة لمحاولة قلب نظام الحكم.
ومع وصول وفد اميركي رفيع المستوى الى هافانا في منتصف كانون الثاني المقبل، ستتضح بصورة أكبر طبيعة العلاقة الجديد التي سترسو بين الطرفين ومدى تأثيرها الاقتصادي على كوبا، حيث يحفل جدول الأعمال بين الطرفين بالعديد من القضايا ضمن ما يعرف بمباحثات الهجرة الاميركية الكوبية في هافانا.

سترفع السياسة الجديدة قيمة المبالغ المسموح بتحويلها إلى كوبا أربع مرات

وبحسب «صحيفة حقائق» نشرها البيت الابيض امس، ستشجع الولايات المتحدة على تكثيف الزيارات لكوبا ضمن لائحة مؤلفة من 12 تصنيفاً، ابرزها تعزيز العلاقات مع القطاع الخاص الكوبي وتطوير قدرات الشركات الصغيرة والمتوسطة في كوبا التي أُنشئت عقب سلسلة الاصلاحات الاقتصادية التي اعلنتها كوبا قبل عامين. ويعتمد عدد كبير من الكوبيين على المال الذي يرسله اقاربهم المقيمون في الولايات المتحدة، ولكن في الماضي، كانت هذه التحويلات تُحَدّد بـ500 دولار فقط كل ثلاثة اشهر. سترفع السياسة الجديدة قيمة المبالغ المسموح بتحويلها اربع مرات الى الفي دولار كل ثلاثة اشهر. وستتمكن الشركات الاميركية الآن من بيع كوبا بضائع تشمل معدات لبناء المساكن الخاصة، ومستلزمات المزارع، وبضائع يحتاجها المقاولون. وسيسمح للمواطنين الاميركيين المسافرين الى كوبا بأن يجلبوا معهم بضائع تصل قيمتها الى 400 دولار بما في ذلك 100 دولار من منتجات التبغ والكحول بما فيها السيجار الكوبي. وستسمح الولايات المتحدة لشركات الاتصالات باقامة متاجر وبناء بنى تحتية في كوبا، وبتصدير اجهزة وبرمجيات وخدمات الاتصالات بهدف تحسين الاتصال عبر الانترنت في الجزيرة التي تسجل ادنى مستوى لاستخدام الانترنت في العالم.
وكان يسمح فقط لبعض الاميركيين مثل الصحافيين والجامعيين والمسؤولين الحكوميين ومن لديهم اقارب مباشرين في كوبا بالسفر اليها. وفي بعض الاحيان، كان يتطلب الامر تقديم طلب خاص قبل فترة، كما في حال الصحافيين المستقلين، والمشاركين في انشطة عامة او من يسافرون لأسباب تتعلق بالتصدير.
ومع الإجراءات الجديدة، لم يعد مطلوباً تقديم طلب مسبق، في عدد كبير من الحالات. ولكن القيود التي فرضها الكونغرس ستبقى كما هي، بما فيها حظر السفر بغرض السياحة فقط الى كوبا، علماً ان ما يزيد على 120 الف اميركي يزورون كوبا بهدف السياحة سنوياً بعد ان قبلت كوبا ان تمنحهم تاشيرات دخول غير مدموغة على جوازات السفر بهدف عدم ملاحقتهم من قبل سلطات بلادهم.
وسيسمح للمؤسسات المالية بفتح حسابات في مصارف كوبا وسيسمح للمسافرين الاميركيين باستخدام بطاقات الائتمان والصرف في كوبا. كذلك، وفيما كان يفترض تسديد مسبق لثمن المنتجات الزراعية المصدرة الى كوبا والمسموح بها بطريقة محدودة لاكثر من عشر سنوات، بدءاً من الآن، لن يُسدَّد الثمن إلا قبل «نقل الملكية»، ما يتيح المزيد من الليونة في مجال التجارة المسموح بها مع كوبا.
تاتي هذه التغيرات التي من المؤكد انها ستحدث تاثيراً واسعاً على المستوى الاقتصادي في كوبا، خصوصاً تدفق العملة الصعبة من تحويلات المغتربين والتبادل التجاري، في ظل توقعات بانحسار المساعدات الفنزولية لهافانا بعد الهبوط الحاد لاسعار النفط. ورغم ان الحليف الروسي قد وافق على الغاء غالبية الديون الكوبية منذ الحقبة السوفياتية وجدول ما بقي منها، فإن الحكومة الكوبية تتبع منذ عام 1994 سياسة تقشف قاسية للحفاظ على مستوى إنفاقها الاجتماعي والصحي. كذلك تعاني الجزيرة سنوياً من عدة اعاصير مدمرة، وخللاً على مستوى بنيتها الزراعية التقليدية، واجتياح الجزيرة العديد من «النباتات الدخيلة» التي تهدد حقولها الزراعية والتنوع البيولوجي فيها.
اذاً، تراهن الولايات المتحدة الاميركية على ان الدخول الى «البيت الكوبي» سيكون فرصة لتقويض النظام من الداخل بعدما فشل الحصار طوال خمسين عاماً وسياسة القطيعة والدعم المالي والتقني للمعارضين في الداخل والخارج من زعزعة النظام. في المقابل، تستعد كوبا لهذا الاستحقاق متحصنة بحلف استراتيجي مع دول «البا» وبعلاقة مميزة مع روسيا والصين وايران، وبتغيرات تشمل وصول قيادات شبابية الى حلقة القرار في الحزب الشيوعي الكوبي، لكن الأهم أنها لن تستطيع بعد الآن ان تراهن على الإرث التاريخي للولايات المتحدة في معاداة الشعب الكوبي بعدما اختارت أميركا «دس السم في العسل».
ب. ق.