قبل انتخابه رئيساً للجمهورية، في آب الماضي، لمّح رجب طيب أردوغان في أكثر من مناسبة، إلى أنه سيكون «رئيساً فاعلاً»، على عكس الرئيس التركي السابق، عبد الله غول، الذي سرق أردوغان منه كل الأضواء. لم يعد سرّاً أن أردوغان يتطلع اليوم إلى تغيير نظام الحكم في تركيا إلى رئاسي، لتعزيز صلاحيات موقع الرئاسة. غير أن المتابع للمشهد التركي منذ تسلّم أردوغان منصبه، يلاحظ أنه لم يحتج إلى تعديلٍ دستوري للبدء بالتصرّف كرئيس للسلطة التنفيذية. فهو بات، عملياً، يتعاطى مع منصبه وكأنه في «نظام رئاسي».


وفي حين يحتّم الدستور التركي على الرئيس أن يؤدي مهماته بحياد سياسي بحيث يكون حكماً، لا طرفاً، يتصرّف أردوغان بشكلٍ مناقض تماماً. ورغم أن الدستور يتضمن مواد تتيح للرئيس ترؤّس مجلس الوزراء في بعض الحالات، إلا أن ما يطمح إليه أردوغان يتخطى ما ذكر في الدستور، حيث يميل الرجل إلى الشخصنة في ممارسة الحكم، ما يجعل تجربته في الحكم تبدو شبيهة بتجارب الحكم في الدول العربية، ما يطعن في النموذج الديموقراطي التي حاولت تركيا الظهور به، كما يجعل أداء أردوغان في الرئاسة يتخطّى الرؤساء العرب الذين ينتقدهم ويعمل على إطاحتهم.
لكن جموح أردوغان نحو التفرّد يواجه عقبات عدة، تبدأ بالمعارضة الداخلية التي ارتفع صوتها مجدداً مع حلول الذكرى السنوية الأولى لفضيحة الفساد التي طاولت أردوغان والمقربين منه، وصولاً إلى المواجهة التي احتدمت الأسبوع الفائت بين أنقرة والاتحاد الأوروبي.
داخلياً وفي إطار محاولة أردوغان الاستئثار بكل الأدوار في الدولة، تتهم المعارضة التركية رئيس الوزراء، أحمد داود أوغلو، بالعمل كظلّ للرئيس، إذ يبدو داود أوغلو مساعداً لأردوغان لا رئيساً للوزراء. هذا الأمر ينعكس على أداء الوزراء الذين تبدو قراراتهم بيد الرئيس، ما يظهر بوضوح في تعاطيهم مع الدبلوماسيين ورجال الأعمال الأجانب. يتصرّف داود أوغلو كأنه مجرّد «صدى» لأردوغان حتى في إدارته لحزب «العدالة والتنمية» الذي يحكم تركيا منذ عام 2002، ويُعدّ مسؤولاً عن السياسات الداخلية والخارجية. من هذا المنطلق، تتهم المعارضة الحكومة بالفساد في إدارة «العطاءات الحكومية»، وبتسهيل مهمات رجال الأعمال المقرّبين من الحزب الحاكم للحصول على المناقصات. كذلك تشير اتهامات المعارضة إلى تجاوزات الحكومة في مسائل حياتية، بدءاً من إهمال المقرّبين من الحزب لشروط السلامة في المناجم، واستخدام توزيع الفحم في القرى الباردة والبعيدة مجاناً لأسباب انتخابية، وصولاً إلى تغطية المتهمين بالفساد وتبرئتهم.
منذ فضيحة الفساد قبل عام، يرى أردوغان أن اتهامات المعارضة تهدف فقط إلى إطاحته والتأثير على جمهوره من أجل إسقاطه في الانتخابات الرئاسية وإسقاط حزبه في الانتخابات البلدية. ورغم أنها كانت اتهامات جدية تطرح مسألة كفاءة إدارة القطاع الحكومي، هي بقيت محصورة في السجال السياسي بين حكومة أردوغان ومعارضيها... حتى اصطدم ادّعاء أردوغان «نظافة الكفّ» بتقرير «مؤسسة الشفافية الدولية»، حيث جرى تصنيف تركيا حسب «مؤشرات الشفافية» بـ 45 نقطة من إجمالي مئة نقطة في عام 2014، في حين كان تقديرها 50 نقطة من إجمالي مئة عام 2013، ما يعني تراجعاً واضحاً في صورة تركيا وأداء قطاعها الحكومي، وفقاً للتقرير.
إذاً، تؤكد المؤشرات اتهامات المعارضة لأردوغان وللحكومة. هذا التقرير يُعدّ ثاني انتكاسة بعد تقرير الاتحاد الأوروبي، وخصوصاً أن فقدان «العدالة والتنمية» لصورة «النزاهة»، وفقاً لأرقام مؤشرات الفساد الدولية، ينال أيضاً من صورة تركيا في المنطقة. هذه المؤشرات تأتي بعد تقرير الاتحاد الأوروبي المرحلي لعام 2014، الذي انتقد أنقرة، بشأن كيفية معالجتها لادعاءات الفساد، مبدياً مخاوف بشأن استقلال القضاء والفصل بين السلطات وتقييد حرية التعبير.
ويمكن القول إن التقرير الأوروبي المرحلي كان فاتحةً لانتكاسات علاقة أنقرة ببروكسل، والتي كان آخرها دعوة أردوغان الاتحاد الأوروبي إلى «الاهتمام بشؤونه» بدلاً من انتقاد أداء حكومته في ما يتعلق بحملة الاعتقالات بحق مناصري جماعة الداعية الإسلامي فتح الله غولن، وفي مقدمهم، رئيس تحرير صحيفة «زمان»، أكرم دومانلي (أُفرج عنه لاحقاً)، ورئيس شبكة «سامانيولو» التلفزيونية، هداية كراجة.
وفي الذكرى السنوية لقضية الفساد، حاولت أحزاب المعارضة نشر إعلانات ولافتات بهذا الخصوص، لتذكير الأتراك بما جرى العام الماضي. لكن البلديات التابعة لحزب «العدالة والتنمية»، رفضت نشر هذه الإعلانات. ويعتقد مراقبون أتراك أن حملة الاعتقالات الأخيرة أتت لصرف الانتباه عن إقامة تظاهرات في الذكرى السنوية لـ 17 كانون الأول.
الصراع الداخلي الذي لاقى صدى عميقاً في الاتحاد الأوروبي يجري بالتزامن مع إيحاء البعض، وخصوصاً بعد زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأخيرة لأنقرة، بأن أردوغان بدأ بالتركيز على العلاقات مع روسيا والصين عوضاً عن الاتحاد الأوروبي ذي العلاقات المتوترة وغير المستقرة مع أنقرة.