لم يمرّ عام 2014 بهدوء على تركيا. شهدت الساحة السياسية صراعات داخلية وخارجية أثّرت في أمن البلاد واستقرارها. اتسم هذا العام بصراعات بين المعارضة وحزب «العدالة والتنمية»، الذي فاز في الانتخابات البلدية في آذار الماضي، قبل أن تشهد تركيا للمرّة الأولى انتخاب رئيس للجمهورية بالاقتراع الشعبي المباشر، أوصل رجب طيب أردوغان إلى كرسي الرئاسة، عبر أصوات الأتراك، محافظين وسكّان الأرياف خصوصاً.


ما جعل فوز أردوغان على مرشحين أحدهما رئيس حزب كردي معارض (صلاح الدين ديمرتاش)، يخيّب التوقّعات بتأثير فضيحة الفساد التي طاولته في نهاية عام 2013، على نتائج الاستحقاق الرئاسي. في هذا الوقت، شهد الملفّ الكردي تطورت مهمة، أبرزها قوننة «عملية السلام» بين أنقرة وحزب «العمل الكردستاني»، التي هددت انتكاسات أمنية في ضوء التطورات الإقليمية، بتعليقها.

عام تفرّد أردوغان بالسلطة

تربّع أردوغان، في آب 2014، على «عرش» تركيا. وها هو اليوم يسعى إلى نظامٍ رئاسي يعزّز صلاحيات موقعه، عبر دستورٍ جديد لن يُرسَ إلا بعد الانتخابات البرلمانية المزمع إجراؤها في صيف العام المقبل، لكون تعديل النظام لا يتحقق إلا بحصول «العدالة والتنمية» على ثلثي أصوات البرلمان التركي. في طريقه للاستئثار بالسلطة، أبعد أردوغان الرئيس التركي السابق عبدالله غول من درب منافسته، وعقد شراكة مع أحمد داوود أوغلو، الذي قبِل أن يكون «رئيس ظلّ» في الحكومة والحزب أيضاً. وظّف أعدادا كبيرة من المستشارين في قصر الرئاسة ليتولّوا الإشراف على المؤسسات الحكومية التي تعد من اختصاص الوزراء وكأنهم يمثلون وزراء ظلّ. أثار قرار انتقاله من قصر شنقايا، قصر تاريخ الدولة التركية الحديثة، زوبعة من الانتقادات بين صفوف المعارضة التركية، التي اتهمته بانتهاك القوانين وتبذير أموال الشعب «لبناء سلطة لنفسه»، إلا أن مؤيديه رأوا أن القصر الرئاسي الجديد «مفخرة» للشعب التركي، ورمز يعكس شعار «تركيا الجديدة» الذي رفعه مذ كان رئيساً للوزراء وبعد انتخابه رئيساً للبلاد.
مضى أردوغان في إحكام قبضته على الحكم. سدّد ضربةً لخصمه وحليف الأمس، فتح الله غولن، واتهمه بالانقلاب عليه وبإقامة «كيان موازٍ». وضع يده على مدارس حركة «الخدمة» التابعة لغولن ووسائل إعلامها، أثناء تنفيذه حملات اعتقالات دورية ضد موظفي دولة وإعلاميين متهمين بمناصرة غولن، وبالسعي إلى «قلب الحكم». وأخيراً، لم يأبه أردوغان بردّ فعل الاتحاد الأوروبي المعترض على ممارساته، داعياً إياه إلى «الاهتمام بشؤونه». في موازاة ذلك، أخرج خمسة من المقربين إليه والمتهمين بقضايا الفساد، من السجن، مشيراً إلى أن خصومه «تجنّوا عليهم لحساب مؤامرة خارجية». ركّز جهوده على اتهام جماعة غولن «بالتغلغل في مفاصل القضاء والشرطة لقلب النظام». أقرّ «إصلاحات» في الشرطة، وتدخّل في تعيين أكاديميين لإبعاد «الجماعة» عن جامعات المدن الكبرى. ومرّر مشروع قانون «إصلاح القضاء في تركيا»، ما أثار جدلاً واسعاً داخلياً وخارجياً، وعُدّ تعدياً على الديموقراطية ومسّاً باستقلالية القضاء.
هذا العام، هيمنت قضايا «الإصلاحات القانونية» التي تشمل الأمور المدنية والسياسية والعسكرية على المشهد القضائي المثير للجدل حول قضايا عدة، أبرزها قانون التمثيل النسبي في البرلمان، الذي يُعدّ مشكلة قديمة للساسة في تركيا. انتقد أردوغان «من يمارسون الوصاية على المؤسسات القضائية»، قبل أن يعلن عدم اعترافه بقانون المحكمة الدستورية إذا ألغت قانون الحدّ الأدنى للتمثيل النسبي داخل البرلمان، مشيراً إلى أن السلطة في هذه القضية ليست للمحكمة الدستورية. لذا، اتهمت أوساط «العدالة والتنمية» المعارضة بالسعي إلى عرقلة حصول الحزب الحاكم على الأغلبية في البرلمان عام 2015، لمنعه من وضع دستور جديد، وهو ما يجري من خلال المحكمة الدستورية. 

المسألة الكردية بين السلام والتفجير

شهد العام الذي شارف على الانتهاء تطورات كبيرة على مستوى المسألة الكردية. كادت التظاهرات الاحتجاجية التي نشبت إثر هجوم «الدولة الاسلامية» (داعش)، على عين العرب السورية (كوباني)، إلى إشاعة فوضى عامة في الداخل التركي، في ظلّ وقوف أنقرة في موقع المتفرج إزاء المعارك بين التنظيم والوحدات الكردية. اتهم أكراد تركيا أردوغان بالتواطؤ مع «داعش»، ما أثار مخاوف من انتكاس «عملية السلام» بين أنقرة وحزب «العمال الكردستاني»، والعودة إلى الاقتتال، لولا دعوة زعيم الحزب الكردي، عبدالله أوجلان، الأكراد إلى التهدئة. بحثت الحكومة التركية عن خريطة طريق، لإنقاذ عملية السلام، خوفاً من الفوضى الداخلية في ظلّ التطورات الجارية في سوريا والعراق.
وبعد تدخّل «التحالف الدولي» ضد «داعش»، سادت قناعة لدى الأكراد بأن هناك تداولاً إقليمياً ودولياً لمسألتهم، لذلك بدأ «العمال الكردستاني» بالضغط على أنقرة لاتخاذ خطوات عملية لدفع عملية السلام إلى الأمام... وإلا فالتخلّي عنها، إذ إن الحزب يعلم أن للحكومة التركية حساباتها الخاصة، فهي لا تريد معالجة الموضوع من خلال ضغط خارجي أو داخلي عليها، لما يمكنه إثارة نقمة الموالين والقوميين الأتراك عليها. تريد أنقرة أن يبدو الأمر بيدها، وخصوصاً أن المعارضة التركية لا تبدو متحمّسة لإعطاء مكتسبات للأكراد، وأن جلّ ما يهمها هو إيقاف القتال الذي امتدّ 40 عام، لكنّها في الوقت نفسه، لا تمانع من إيقاع حزب «العدالة والتنمية» في «شرك» مطالب الأكراد، ما قد يتسبب في هزمه في الانتخابات البرلمانية.
يطبع غياب الثقة العلاقة بين الطرفين. وقد هدّدت أنقرة بإلغاء عملية السلام، ما استلزم تصعيد الطرفين إعادة بناء الثقة، واقتراح التزامات متبادلة للوصول إلى الحل. طلب أوجلان من الحكومة التركية إشراك قادة حزبه في جبال قنديل في الحوار، إلا أن هؤلاء القادة طلبوا بدورهم إشراك الولايات المتحدة كراعٍ له. ردّ فعل أنقرة كان الإجابة بعدم حصر المحادثات بحزب أوجلان وحده كممثل للأكراد. كلٌّ طرح محادثات حسب مصلحته، فأوجلان يرى أن ما جرى في كوباني دعم موقفه التفاوضي وأضعف الحكومة التركية. فالدور الكردي في سوريا والعراق ضد «داعش»، ثم مدُّ واشنطن الأكراد بالسلاح، ورفضها اعتبارهم «إرهابيين»، أعطى أوجلان أسباباً لرفع سقف مطالبه، ما أوصل عملية السلام إلى منعطف خطر، حيث يسعى الحزب الكردي ليكون الممثل الشرعي المعترف به للسلطة المحلية في المناطق الكردية. ما يمثل إشكالية للحكومة التركية التي ترفض حتى الآن الاعتراف بالحزب المذكور وتصفه بالإرهابي.
في المحصلة، يشدّد أردوغان وأوجلان اليوم على تمسكّهما بالسلام. فالمحادثات جارية تحت الطاولة بين الزعيم الكردي ورئيس الاستخبارات التركي حقان فيدان، الذي لا ينفك يزور أوجلان في سجنه في جزيرة اميرلي من أجل التوصل إلى أفكار مشتركة للحل. فأوجلان هو صاحب الكلمة الفصل في القضية الكردية في تركيا، وهو يملك القدرة على جعل آلاف المقاتلين في جبال قنديل ينخرطون في الحياة الطبيعية. وتعي تركيا تحوّل الأكراد إلى لاعب إقليمي، كما يعلم أوجلان أن أردوغان وحزب «العدالة والتنمية» انفتحا على القضية الكردية.
يمثل العام المقبل تحدّياً كبيراً لأردوغان ولحزب «العدالة والتنمية»، وفيما يمضي الرجل القوي في تثبيت سطوته وخنق كل ما يهدّد حكمه، إضافة إلى طموحه إلى نظام رئاسي يكرّسه «سلطاناً» بمعنى الصلاحيات شبه المطلقة، هو يسعى إلى حشد أصوات النواب الأكراد، وعليه فإن السلام التركي ـ الكردي لم يعد ضرورة لوقف العنف والدم فقط، بل حاجة ملحة للانتقال إلى «تركيا الجديدة» التي ينشدها الجميع، وعلى رأسهم أردوغان وحزبه.




توقيف 5 ضباط ضمن الحملة على أنصار غولن

في إطار حملة التوقيفات التي تنفذها أنقرة ضد موظفي دولة تتهمهم بالانتماء إلى جماعة الداعية فتح الله غولن (الصورة)، أوقفت السلطات التركية، أمس، 5 ضباط شرطة، بينهم مدير شعبة أمن، ضمن التحقيقات في «عمليات التنصت» التي تجريها النيابة العامة التركية في ولاية أرضروم (شمال شرق). ويواجه الموقوفون تهماً تتعلق بوضع أجهزة تنصت في مكتب رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان أثناء فترة ترؤسه للحكومة، وإجراء عملية تنصت غير قانوني لمدة عام ونصف عام، أدت إلى فضيحة الفساد الشهيرة التي طاولت أردوغان وعدداً من المسؤولين المقربين منه. وقالت مصادر إن عملية التحري عن مدير شعبة الأمن في ولاية أرضروم جاءت استناداً إلى قرار المحكمة الجزائية في أنقرة. وأشارت المصادر إلى أنّ من المتوقع أن يُدلي الموقوفون بإفاداتهم أمام النيابة العامة في أرضروم، بالتزامن مع استدعاء 15 شخصاً بصفة مشتبه فيهم لأخذ إفاداتهم.
(الأناضول)