أقرّ الكونغرس الأميركي، مساء أول من أمس، القانون الذي جنّب الولايات المتحدة تدابير تقشف صارمة عُرفت باسم «الهاوية المالية»، فحقق الرئيس باراك أوباما بذلك انتصاراً بفرض ضريبة أعلى على الميسورين، لكنه أجّل لبضعة أسابيع ملفات أخرى شائكة.

وصوّت مجلس النواب، الذي يسيطر عليه الجمهوريون، على القانون بغالبية 257 صوتاً مقابل 167 صوتاً معارضاً، بعد 24 ساعة على إقرار التسوية في مجلس الشيوخ، حيث يمثّل الديموقراطيون غالبية.
وكان مجلس الشيوخ، الذي اجتمع ليلة رأس السنة لأول مرة منذ أكثر من أربعين عاماً، قد صوّت لصالح القانون بغالبية ساحقة من 89 صوتاً مقابل 8 أصوات معارضة. وتوصل الى التسوية نائب الرئيس جو بايدن مع زعيم الأقلية الجمهورية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل. وأيّد قسم من الجمهوريين القانون على الرغم من رفضهم المبدئي لأي زيادة ضريبية، لأن البديل كان سيؤدي الى «الهاوية المالية»، أو بمعنى آخر زيادة الضرائب على مجمل المكلفين الأميركيين تقريباً، واقتطاعات كبيرة في نفقات الحكومة الفدرالية، وخصوصاً من ميزانية الدفاع.
ويقضي الاتفاق بزيادة الضرائب على الأميركيين الميسورين، بحيث يجري رفع الضريبة من 35 في المئة الى 39,6 في المئة للعائلات التي يفوق دخلها السنوي 450 ألف دولار. لكنّه ترك عدداً من المسائل معلقة بشأن الاقتطاع في النفقات العامة، ولا سيما في القطاع العسكري، والتي أُجّل استحقاقها لشهرين، وهي تنذر بمعركة جديدة بين البيت الأبيض والمحافظين حول تخفيضات مزمعة لبرامج محلية وعسكرية بقيمة 109 مليارات دولار.
ورحّب أوباما بإقرار القانون، مؤكّداً أنه حقق بذلك أحد وعوده الانتخابية بجعل النظام الضريبي أكثر عدالة. وقال إن «إحدى ركائز حملتي الانتخابية كانت تغيير مادة في قانون الضرائب تميل كثيراً لصالح الأثرياء على حساب الطبقة المتوسطة». وأضاف «لقد فعلنا ذلك هذا المساء بفضل أصوات الديموقراطيين والجمهوريين في الكونغرس» بعد عشرين دقيقة على إقرار مشروع القانون في مجلس النواب بعد مجلس الشيوخ.
وفي تحذير لخصومه الجمهوريين الذين قد يسعون الى تعويض خسائرهم بعدما اضطروا الى القبول بزيادة الضرائب على الطبقات الميسورة، أكد أنه سيرفض التفاوض معهم على شروط زيادة السقف القانوني للمديونية، وهو ما يجب القيام به في الربع الأول من عام 2013، مقابل زيادة سقف الديون الحكومية. وقال أوباما إنه «في حين أنني سأتفاوض حول أمور عدّة، فإنني لن أخوض نقاشاً آخر مع هذا الكونغرس بشأن ما إذا كان ينبغي أو لا ينبغي عليهم دفع الفواتير التي راكموها من خلال القوانين التي مرروها»، مذكّراً بما حصل في صيف 2011 عندما كان هذا النقاش وراء قرار وكالة التصنيف الائتماني «ستاندرد أند بورز» خفض درجة تصنيف الولايات المتحدة.
وأضاف «دعوني أكرر ما قلته. لا يمكننا أن نمتنع عن دفع الفواتير التي حمّلناها لأنفسنا». وتابع «إذا رفض الكونغرس أن يعطي حكومة الولايات المتحدة القدرة على استيفاء هذه الفواتير في الوقت المحدد، فستكون النتيجة كارثية على الاقتصاد ككل، وأسوأ بكثير من تأثير الهاوية المالية».
وقطع أوباما إجازته في أرخبيل هاواي في المحيط الهادئ غداة عيد الميلاد لإدارة هذه الأزمة التاسعة مع الجمهوريين في الكونغرس. وقبل مغادرته، قال إن «ما آمله خلال السنة الجديدة هو أن نركز على أن نرى مدى قدرتنا على التوصل معاً الى رزمة مماثلة لهذه، ولكن من دون كل هذه المبالغة ومن دون الوصول الى الهاوية، وأن نخيف الناس بهذا القدر».
ويأتي الاتفاق قبيل منتصف ليل الثلاثاء، أي في الوقت المناسب لإنعاش الأسواق المالية، وخصوصاً «وول ستريت»، التي تفتح أبوابها صباح الأربعاء بعد إجازة الميلاد ورأس السنة.
وأدى الاتفاق الى تنشيط البورصات الآسيوية حيث فتح مؤشر «هونغ كونغ» بارتفاع بأكثر من 1 في المئة، ليحقق زيادة من 2,89 في المئة عند الإغلاق. كذلك ارتفع مؤشر بورصة سيول بـ1,71 في المئة وسيدني 1,23 في المئة، فيما ارتفع مؤشر بورصة باريس 1,73 في المئة في أول يوم عمل في سنة 2013 ولندن 1,42 في المئة وفرانكفورت 1,01 في المئة.
وعلّق فرانسوا شوليه، وهو مدير أصول في شركة «مونسيجور فينانس» في باريس، على حركة الأسواق بالقول «ترد الأسواق بشكل إيجابي للغاية على الاتفاق المالي في الولايات المتحدة والذي كان يمثّل تهديداً اعتدناه كل عام تقريباً». وأضاف أنها «مسألة فنية بعض الشيء، لكنها مهمة للغاية، لأننا نتحدث عن 110 مليارات يورو ينبغي تدبيرها في الأجل القريب، ومن ثم كانت الدولة محاصرة في ما يخصّ الإنفاق»، مشيراً الى أن الاتفاق ما هو إلا حل قصير الأجل يمنح الاقتصاد متنفّساً فحسب.