أنقرة | يحاول حزب «العدالة والتنمية» الحاكم في تركيا مرة جديدة أن يحل المشكلة الكردية، بعد عدّة محاولات فاشلة في السابق، لكن يبدو أنه هذه المرّة قد ينجح مع وجود مؤشرات قوية في هذا الاتجاه، وهو ما تبيّن من خلال إعلان اتفاق مبدئي على وقف إطلاق النار أمس (انظر الكادر)، وسط ارتباط مشروع الحل الجديد بسياق مشروع أوسع شامل في المنطقة يستهدف خلط الأوراق والتحالفات.

تختلف هذه المحاولة عن المحاولات السابقة بأنها أكثر شفافية، فلا يوجد أي دعم مشروط من قبل المعارضة، وكل من الحكومة التركية والسياسيين الموالين للأكراد يتعاملون مع القضية بعناية مركزة، رغم وجود مخاوف من احتمال حصول استفزازات قد تعقّد عملية التفاوض وتلحق الأذى بها.
وعُلم بالمحاولة الجديدة لحل الأزمة في بداية كانون الثاني الجاري، عندما أعلنت الحكومة التركية أن رئيس وكالة الاستخبارات الوطنية، هاكان فيدان، أمضى يومين كاملين في جزيرة إمرلي، حيث عقد مفاوضات مع زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان، نيابة عن الحكومة التركية، بشأن نزع سلاح الجماعة المتمردة.
وفي الثالث من الشهر نفسه، قام كل من النائب عن حزب «السلام والديموقراطية» الموالي للأكراد، أيلا أكات أتا، وزميله النائب الكردي البارز أحمد تورك، بزيارة لأوجلان في إمرلي، حيث يعتقل منذ 1999، من أجل إجراء مفاوضات بهدف إنهاء المسألة الكردية التي أدت الى مقتل عشرات الآلاف خلال ثلاثة عقود. وكانت المرة الأولى التي يزور فيها أحد أوجلان غير المسؤولين الأتراك، ومحاميه وأقاربه.
وعَلِم الرأي العام التركي باجتماعات أوجلان مع النواب والاستخبارات، إلا أن مضمون هذه اللقاءات بقي سرياً، وهو مؤشر عن مدى العناية التي توليها الأطراف للمفاوضات، وهذا لم يكن موجوداً في الاجتماعات السابقة. وهذا التوجه يعطي انطباعاً بأنه يجري استخلاص الدروس من التجارب السابقة الفاشلة. وقد أكد هذا الأمر يالسين أكدو أوغلان، كبير مستشاري رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان، حين قال للصحافة إنه جرى التعلم من التجارب السابقة، مضيفاً «بالطبع، أخذت الحكومة الدروس من التجارب السابقة. ومن أجل الحيلولة دون حصول أي تطورات سلبية، على الجميع أن يكون حريصاً وحساساً في هذه المسألة». ومنذ أن تسلّم حزب «العدالة والتنمية» السلطة في تركيا عام 2002، كان تعامله مع المسألة الكردية يتراوح بين الصعود والنزول، ويتأرجح بين «الخيار الأمني» و«الحوار»، وفي بعض الأحيان تبيّن كأنّ أساس المشكلة اقتصادي، وأنه يمكن حلها من خلال تبنّي بعض الإصلاحات الديموقراطية الثانوية. وقبيل انتخابات 2007، كانت المقولة الشهيرة لأردوغان إنه «لا وجود للمشكلة الكردية، بل هناك مواطنون أكراد لديهم بعض المشاكل»، في الوقت الذي كان فيه السياسيون الموالون للأكراد يصرّون على أن سبب المشكلة الكردية ليس اقتصادياً أو تنموياً ولكنه مرتبط بالهوية الكردية، وأنه يجب أن يكون أوجلان محاوراً فيها، وهو ما رفضته الحكومة التركية في حينه.
لكن الحكومة عادت وغيّرت رأيها، وأجرت محادثات سرية مع عناصر من الكردستاني في أوسلو في 2010، وانتهت هذه العملية بعد تسريب محادثات أوسلو الى الصحافة من قبل مصدر مجهول، وبعد الهجمات التي شنّها الكردستاني على الجيش التركي. وتلقّت المعارضة محادثات أوسلو السرية بغضب، واتهمت الحكومة بعقد مباحثات مع إرهابيين.
لكن موقف المعارضة مختلف هذه المرة، أقلّه بالنسبة إلى حزب المعارضة الأساسي، «الشعب الجمهوري»، إذ أعلن زعيمه كمال كليشدار أوغلو أنهم يعطون الحكومة رصيداً جديداً، رغم كل الأخطاء التي ارتكبت في الماضي. وأضاف «نحن لا نريد أن يقتل الناس في هذه البلاد. ولا نريد أن يتأذى أي من مواطنينا. يمكننا أن نعالج هذه المشكلة بذكاء ومنطق وحكمة ومن خلال مصالحة تاريخية».
لكن حزب المعارضة الآخر «الحركة الوطنية»، انتقد الحكومة لأنها «أجرت محادثات مع إرهابيين»، على حدّ تعبير نائب رئيسه أوكتاي فورال. لكن هذه التصريحات جاءت بعد أيام من الكشف عن اللقاءات مع أوجلان. ومقارنة مع ردود الفعل السابقة للحركة، فإن موقف فورال يعدّ حذراً بعض الشيء.
وأكد أوجلان للنائبين اللذين أجريا الزيارة الأخيرة له أنه يعتقد بأن الحكومة التركية صادقة في نياتها، وأنه يتعيّن على الكردستاني ألا يتورط في نشاطات عسكرية بعد الآن، وعليه أن يعطي مبادرة السلام فرصة كي تنجح. ويتوقع أن يكون النائبان قد نقلا هذه الرسالة إلى قيادات الكردستاني في جبال القنديل شمال العراق.
كل هذه المؤشرات تقود الى إحساس عام بالتفاؤل الحذر، مع أن كل الجهات المعنية تقرّ بأن المسألة ليست سهلة، وأن الطريق لا يزال طويلاً، وإن لم يُتعامل معها بعناية فائقة فسوف تفشل مثل المحاولات السابقة. لكن هناك بعض المحللين يرون أن هذه المحاولة قد تكون الفرصة الأخيرة لتركيا كي تحل المسألة الكردية، إذا ما أخذت بعين الاعتبار الأوضاع في كل من سوريا والعراق؛ فكلا البلدين على شفير تقسيم محتمل، وهو ما قد يؤدي الى إنشاء فدرالية كردية، وبالتالي سينعكس ذلك حتماً على أكراد تركيا.
وقال المفكر الكردي أوميت فيرات لـ«الأخبار» إن من الصائب التعامل مع أوجلان بدلاً من كل الأفرقاء في الكردستاني. وأضاف «من الأفضل الإبقاء على المفاوضات مع أوجلان كمفاوض وحيد، والسماح له بإقناع عناصر الكردستاني»، مذكّراً بأنه خلال عملية أوسلو، كان كل من ممثّلي الكردستاني في أوروبا، وقياداته في القنديل إضافة الى أوجلان، منخرطين في المفاوضات، وذلك خلق مشاكل.
على كلٍّ، فقد أعلنت الحكومة أنها تهدف من وراء هذه المفاوضات إلى نزع سلاح الكردستاني، لكنها لم توضح ماذا ستعرض في المقابل ومتى، رغم أنه ظهر من خلال ما كُشف أمس عن اتفاق وقف إطلاق النار أنها ستقدم إصلاحات واعتراف بالهوية الكردية. ويطالب السياسيون الموالون للأكراد بـ«حكم ذاتي ديموقراطي»، واعتبار اللغة الكردية لغة رسمية ثانية، وتعزيز نفوذ الإدارات المحلية. ويوجد بعض العناصر من الكردستاني الذين يمكن أن يعرّضوا العملية للأذى من خلال مهاجمة الجيش التركي، لكن لا يزال الأمل قائماً.

امتدادات إقليمية

التفاوض بين حكومة أنقرة والعمال الكردستاني لا يمكن فصله عن رؤية أنقرة لموقعها الاستراتيجي في المنطقة، ولا سيما مع الحديث عن مشروع لأردوغان لمعالجة المشكلة الكردية تركياً وإقليمياً من خلال التنسيق والتعاون مع رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني.
ويحظى المشروع أساساً بدعم مطلق من واشنطن والعواصم الغربية التي تسعى لإقامة الدولة الكردية في المنطقة. وأشارت مصادر في أنقرة إلى أن التقارب التركي _ الكردي العراقي أخيراً يستهدف كسب أكراد سوريا إلى جانب مساعيها من أجل إسقاط النظام في دمشق، حتى لو كلفها ذلك الاتفاق مع حزب العمال الكردستاني وزعيمه عبد الله أوجلان. وأشارت المصادر إلى أن أربيل استضافت أواخر تشرين الثاني الماضي، وبدعوة من مسعود البرزاني، مؤتمراً للأحزاب الكردية السورية التي وعدها البرزاني بتقديم كافة أنواع الدعم لها في حال توحيد صفوفها واتفاقها على مشروع كردي مشترك لتحقيق أهدافها في سوريا الحالية أو المستقبلية.
إلا أن حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي السوري، وهو امتداد لحزب العمال الكردستاني التركي والأقوى في الشارع الكردي السوري، يرفض التعاون مع أنقرة في موضوع سوريا، على الرغم من مساعي البرزاني والرئيس العراقي جلال الطالباني لضرورة التحرك المشترك مع الأحزاب الكردية في سوريا.
ويشهد الشارع الإعلامي التركي، في الآونة الأخيرة، نقاشاً واسعاً في هذا الموضوع مع المعلومات التي تتحدث عن اتفاق سري بين أردوغان والبرزاني، يتبنّى من خلاله رئيس الوزراء التركي مشروع الدولة الكردية المستقلة في العراق، ولاحقاً إقليمياً، في مقابل دعم كردي له في مشاريعه الإقليمية ضد النظام في سوريا وضد حكومة نوري المالكي ولاحقاً ضد إيران، الحليف الاستراتيجي لكل من بغداد ودمشق. وهذا ما يفسر اتهامات أردوغان والمسؤولين الأتراك أخيراً لإيران والمالكي بانتهاج سياسات مذهبية في العراق والمنطقة، حيث تحوّلت كل من سوريا والعراق وإيران إلى دول معادية بالنسبة إلى حكومة رجب طيب أردوغان بعد التغيير المفاجئ في سياسات أنقرة ودخولها في تحالفات تكتيكية واستراتيجية مع العواصم الغربية والإقليمية، وخصوصاً مع قطر والسعودية، من أجل التخلص من نظام الرئيس بشار الأسد في دمشق.




اتفاق وقف إطلاق النار

ذكرت وسائل الإعلام التركية، أمس، أن السلطات التركية وزعيم حزب «العمال الكردستاني» المسجون عبد الله أوجلان (الصورة)، اتفقا في مفاوضاتهما الأخيرة على مبدأ وقف القتال المستمر منذ 1984 بين الجانبين. وقالت محطة التلفزيون «أن تي في» وصحيفة «راديكال بدون»، إن الاتفاق الذي يتضمن عدة مراحل يقضي بتعليق هجمات الكردستاني المحظور اعتباراً من آذار المقبل، مقابل إصلاح في الدولة التركية يهدف إلى زيادة حقوق الأقلية الكردية. ويقضي الاتفاق بأن يغادر متمرّدو حزب الكردستاني الأراضي التركية الى العراق بعد تعليق عملياتهم العسكرية، قبل وقف القتال رسمياً، إذا حققت المفاوضات تقدماً كافياً. وفي الوقت نفسه تفرج الحكومة التركية تدريجاً عن مئات الناشطين الأكراد المتهمين بالتواطؤ مع الكردستاني، وتبدأ سلسلة إصلاحات تعترف خصوصاً بالهوية الكردية.
وأوضحت الصحيفة والمحطة التلفزيونية أن أوجلان يمكن أن يتحدث عن نيّاته ورؤيته لحل النزاع الكردي في رسائل علنية يوجهها الى الرأي العام التركي والى مؤيديه.
(أ ف ب)