بعد يومين على فضيحة مقاطعة اسرائيل جلسة مناقشة سجلها في مجال حقوق الانسان، وجّهت اللجنة الدولية لتقصي الحقائق بشأن المستوطنات الاسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، صفعة قاسية الى دولة الاحتلال، بعدما خلصت في تقرير لها الى أن عملية نقل وتهجير السكان الفلسطينيين من أرضهم لبناء مستوطنات تمثل انتهاكاً لاتفاقية روما، التي أُنشئت بموجبها المحكمة الجنائية الدولية، وهو ما يمكن أن يرقى الى جرائم حرب.


وكان مجلس حقوق الإنسان قد عين ثلاث خبيرات هن: الفرنسية كريستي شانيه، والباكستانية أسما جهانجير، والبوتسوانية يونيتي داو، للقيام بمهمة تقصي الحقائق حول المستوطنات الاسرائيلية. وقالت المحققات، في تقريرهن الذي نشر في جنيف أمس، إن «الحكومة الاسرائيلية لم تمتثل لخمسة طلبات تقدّمن بها للدخول الى الأراضي الفلسطينية واسرائيل، ما دفعهن الى اجراء مقابلات في العاصمة الأردنية عمان مع عدد كبير من الضحايا والمنظمات الحقوقية والأهلية، ومع ممثلين عن السلطة الفلسطينية ووكالات الامم المتحدة المعنية». ودعون إسرائيل إلى وقف التوسع الاستيطاني وسحب كل المستوطنين اليهود من الضفة الغربية المحتلة، معتبرات أن ممارساتها تنتهك القانون الدولي.
وأضاف التقرير الذي سيناقش في جلسة تُعقد في ١٨ آذار المقبل «على إسرائيل وقف كل الأنشطة الاستيطانية دون شروط امتثالاً للمادة ٤٩ من اتفاقية جنيف الرابعة. يتعين عليها البدء فوراً بسحب كل المستوطنين من الأراضي الفلسطينية المحتلة».
وفي كانون الأول الماضي، اتهم فلسطينيون اسرائيل في رسالة الى الأمم المتحدة بالتخطيط لارتكاب مزيد من جرائم الحرب من خلال التوسع في المستوطنات اليهودية، بعدما حصل الفلسطينيون على اعتراف من الأمم المتحدة بوضع دولة غير عضو، وطالبوا بضرورة محاسبة اسرائيل.
ولم تتعاون اسرائيل مع التحقيق، وتقول إن المجلس يتسم بتحيز متأصل ضدّها، وتدافع عن سياسة الاستيطان بالاشارة الى حقوق توراتية في الضفة الغربية. وورد في التقرير أن محققي الأمم المتحدة المستقلين قابلوا أكثر من ٥٠ شخصاً جاؤوا الى الأردن في تشرين الثاني للادلاء بشهاداتهم بشأن الأراضي التي صودرت والضرر الذي لحق بموارد معيشتهم، بما في ذلك أشجار الزيتون والعنف من جانب المستوطنين اليهود.
وجاء فيه «تعتقد البعثة أن الدافع وراء هذا العنف والترهيب ضدّ الفلسطينيين وممتلكاتهم هو إبعاد السكان المحليين عن أراضيهم والسماح بتوسيع المستوطنات». وأشار الى أن «نظام الفصل التام بين المستوطنين الإسرائيليين والسكان المقيمين في الأراضي الفلسطينية يحظى بتسهيلات ودعم عسكري، إضافة إلى إجراءات أمنية صارمة على حساب الشعب الفلسطيني».
وتحدث التقرير عن اقامة نحو ٢٥٠ مستوطنة في الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية المحتلة، منذ عام ١٩٦٧، وقال إن هذه المستوطنات تؤوي نحو ٥٢٠ ألف مستوطن. وقال إن المستوطنات «تقود الى عمليات ضم زاحفة تمنع قيام دولة فلسطينية متماسكة وقابلة للحياة، وتقوض حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير».
وذكر تحقيق الأمم المتحدة أن المحكمة الجنائية الدولية لها الاختصاص في نظر قيام قوة الاحتلال بترحيل أو نقل شعبها الى الأراضي المحتلة. وأضاف إن «موافقة فلسطين على نظام روما الأساسي قد يقود الى المحاسبة على ارتكاب انتهاكات فادحة لقانون حقوق الانسان، وانتهاكات خطيرة للقانون الانساني الدولي وتحقيق العدل للضحايا».
ورحبت الرئاسة الفلسطينية بتقرير مجلس حقوق الإنسان. ورأت الرئاسة أن «التقرير الاممي عبارة عن وثيقة قانونية توثق كافة الانتهاكات نتيجة الاستيطان». وأشارت في بيان لها إلى أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس «يعلن باستمرار أن الاستيطان ووجوده على أرض دولة فلسطين يعيقان إمكانية التوصل الى حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام ١٩٦٧ وعاصمتها القدس، وفق قرار الجمعية العامة، القاضي برفع مكانة دولة فلسطين في الامم المتحدة الى دولة مراقبة». من جهتها، انتقدت وزارة الخارجية الإسرائيلية، تقرير المجلس، ووصفته بأنه منحاز ويعرقل جهود السلام. وقال المتحدث باسم الخارجية الإسرائيلية يغال بالمور، في بيان له، «للأسف، فإن مجلس حقوق الإنسان ميّز نفسه بمنهجية أحادية الجانب ومنحازة ضد إسرائيل. التقرير الأخير هو تذكير مؤسف آخر عن ذلك».
من جهة ثانية، كشف مصدر دبلوماسي عربي لـ«الاخبار» أنّ «المجموعة العربية بصدد التقدّم بمشروع قرار للتصويت في الدورة الـ٢٢ لمجلس حقوق الإنسان، التي تبدأ أعمالها في ٢١ شباط الجاري». ويطالب مشروع القرار بأن تستكمل لجنة تحقيق دولية مستقلة عملها في دراسة آثار الاستيطان في الأراضي الفلسطينية، على أن تُرفع توصيات الى مجلس الأمن مع طلب إحالة ملف الاستيطان على المحكمة الجنائية الدولية.
وليس معلوماً بعد مدى التجاوب الذي يمكن أن يلقاه هذا المشروع من الدول الـ47 الاعضاء في مجلس حقوق الإنسان، وبينها الولايات المتحدة، التي تستمر ولايتها في المجلس لغاية عام ٢٠١٦، لكن نظام التصويت في المجلس يعتمد صيغة الأكثرية من دون أن يكون لأي دولة حق النقض، وسبق للمجلس الذي كان يعمل بصيغة «لجنة» قبل عام ٢٠٠٦ أن أصدر مئات القرارات، التي تدين اسرائيل على انتهاكاتها المرتبطة بفعل الاحتلال، لكن هذه القرارات لا ترتب أي عقوبات، ما يجعلها دون فعالية تنفيذية.