أنقرة | دخلت الحكومة التركية وزعيم حزب «العمال» الكردستاني المسجون عبدالله أوجلان، منذ أشهر، في حوار لإيجاد حلّ للمشكلة الكردية في تركيا، وتوافقا على خريطة طريق، لكنّ الخطة التي تنطوي على أربع مراحل، عرضة للتأجيل، ولم يبدأ تطبيق أولى مراحلها بعد.

فقد اقترح أوجلان، على سبيل المثال، مقابلة بعض النواب المؤيدين لحزب «السلام والديموقراطية» الكردستاني في نهاية شهر كانون الثاني، في مكان اعتقاله منذ 1999 في جزيرة أيمرلي، لكن ذلك لم يتحقق. وثمّة أسباب عديدة لهذا التأخير، وهي تتضمن، أولاً، اغتيال أعضاء مهمين من «الكردستاني» في باريس، حيث ألقت السلطات الفرنسية القبض على مطلق النيران، لكن دوافع الاغتيال لم تتضح بعد. السبب الثاني يتعلق بالتصريحات المستفزة، فقد ذكر أحد النواب الذين زاروا أوجلان أثناء جنازة أعضاء «الكردستاني» في تركيا، أنّه يتطلع الى الخطة الجديدة «لكن الحكومة لا تزال تستهدف الأكراد بالتفجيرات». وهو ما أثار غضب رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، الذي قال في برنامج تلفزيوني «تطالب بالسلام لكنّك تفترض أن رئيس الوزراء يقتل الأكراد. هذا الكلام أغضبني بشدة. بالتأكيد بعد هذا الكلام سأشكك في نيات هؤلاء الناس». إضافة الى ذلك، ثمّة مناقشات داخل حزب «السلام والديموقراطية» بشأن الاشخاص الذين ينبغي عليهم زيارة أوجلان. بسبب كل هذه الأسباب مجتمعة، لم ينعقد الاجتماع الثاني الذي يمثل الخطوة الأولى من خريطة الطريق الى الحلّ.
وتتألف هذه الخريطة من أربع مراحل، وستكون على شكل إجراءات لبناء الثقة، ما يعني أنّ الحكومة و«الكردستاني» سيتصرفان بشكل منفصل عند كل خطوة؛ فعندما تتخذ الحكومة خطوة، سيتبعها «الكردستاني» بخطوة، أي إنّ الخطوات لن تكون متزامنة أو منوطة بعضها ببعض. ستكون العملية أشبه بصعود السلم معاً. وعندما يكمل الطرفان كل خطوة، ستبدأ المرحلة الثانية لكليهما.
حتى اللحظة، لا تزال خريطة الحلّ في بداية الطريق، ولم يبدأ التنفيذ، رغم اتفاق الطرفين على التحرّك. في المرحلة الأولى، التي يُتوقع أن تبدأ في أي وقت الآن، سيقابل أوجلان مجموعة أخرى من شخصيات حزب «السلام والديموقراطية»، وسيسلمهم أربع رسائل: الأولى إلى قيادة «الكردستاني» العسكرية الواقعة في جبال قنديل، والثانية إلى حزب «السلام والديموقراطية» والثالثة إلى المنظمة الأوروبية لـ«الكردستاني». والرابعة ستُوجه الى الرأي العام التركي.
من المتوقع أن تكون هذه الرسائل نوعاً من «رسائل النوايا»، حيث سيشرح أوجلان تطلعاته لكل متلقّ. ويُتوقع أن يطلب من «الكردستاني» وقف كل العمليات العسكرية، وأن يؤكّد أنّ من المستحيل إيجاد حلّ للأزمة تحت نيران المدافع. لكن إسكات المدافع لا يعني التخلّي عن السلاح. بيد أنّ الحكومة سبق أن اتخذت بضع خطوات لبناء الثقة، فقد خففت من عزلة أوجلان، وقدّمت له جهاز تلفزيون، ما يسمح له الآن بمشاهدة القنوات الإخبارية. كذلك أقرّت الحكومة قانوناً جديداً منذ أسبوعين يسمح للمتهمين باستخدام أي لغة يختارونها للدفاع عن أنفسهم. وقبل هذا القانون، كان يصرّ السياسيون الأكراد على الدفاع عن أنفسهم باللغة الكردية، وكان ممنوعاً استخدام أي لغة أخرى داخل المحاكم ما عدا التركية (كانت تجري الاستثناءات بسبب اتقان المدّعى عليه اللغة الكردية فقط). ولهذا السبب، وصلت الكثير من الدعاوى القضائية ضدّ ناشطين مؤيدين للأكراد إلى حائط مسدود. لكن بعد وضع القانون الجديد حيّز التنفيذ، تسارعت وتيرة المحاكم السياسية، إذ شرع المترجمون الأكراد في العمل داخل المحاكم منذ اليوم الأول لإقراره.
وفي المرحلة الثانية، يتوقع أن تُعيد الحكومة تشكيل قانون مكافحة الإرهاب. وينص القانون الحالي على أن المشتبه فيه، وإن لم يكن عضواً في منظمة إرهابية، يُعاقب كأنه عضو فيها إذا تلاءم نشاطه مع أهداف هذه المنظمة. أما القانون الجديد الذي ستصوغه الحكومة، فيتضمن تعريفاً جديداً للإرهاب يستند إلى كمية العنف الممارس. وبعد إصدار القانون، يتوقع أن يتم الإفراج عن الكثير من المحكومين والمعتقلين. وأثناء قيام الحكومة بهذه التحركات، سيسحب «الكردستاني» مقاتليه المسلّحين في تركيا الى الخارج، أي الى شمال العراق بشكل أساسي. ولهذا السبب، يظهر موقف الزعيم العراقي الكردي مسعود البرزاني مهماً.
وتقدّر أعداد مقاتلي «الكردستاني» المسلحين داخل تركيا بحوالى 4000. ومن أجل ضمان انسحابهم بأمان، سيتم تشكيل لجنة للإشراف على هذه المسألة. ولم تتضح تركيبة هذه اللجنة بعد.
في المرحلة الثالثة ستُتخذ خطوات سياسية. سيتم على سبيل المثال تغيير تعريف المواطنة في الدستور. التعريف الحالي يقول إن أي شخص مُرتبط بالدولة التركية من خلال رابطة المواطنة يعتبر تركياً. ستعاد صياغة التعريف كالآتي: «بغض النظر عن الأصل الإثني، واللغة الأم والجنس والعرق، فإن أي شخص مُرتبط بالدولة التركية من خلال رابطة المواطنة يعتبر مواطناً تركياً».
وفي هذه المرحلة، ستصدر قوانين بشأن التعليم باللغة الكردية. وكان قد بدأ تدريس مقررات كردية في المدارس الحكومية بناءً على قوانين صدرت حديثاً. وهذه المسألة ستتوسع بموجب قوانين لاحقة. لكن ليس واضحاً ما إذا كانت الحكومة ستسمح بالتعليم باللغة الكردية، وهذا في الواقع المطلب الفعلي للسياسيين الأكراد. إضافة الى ذلك، ستصدر قوانين لتعزيز الإدارات المحلية.
في المرحلة الرابعة والأخيرة، ستبدأ المفاوضات بين الحكومة و«الكردستاني» للتخلّي عن السلاح، لكنّها ستكون مفاوضات تقنية، أي إنّها ستبحث في مصير السلاح ومقاتلي «الكردستاني»، والشروط التي ستسمح لهم بالانخراط في السياسة. وعندما يبرم الاتفاق بشأن هذه المسائل، سيتخلى «الكردستاني» عن سلاحه.
منذ البداية، اتفقت الحكومة وأوجلان على عدم طرح الطرف الكردي لأي اقتراحات سياسية كبرى مثل الفدرالية أو الحكم الذاتي أو ما شابه. إلا أن خريطة الطريق هذه تتضمن العديد من التحديات في كل مرحلة. بعض هذه التحديات يتعلق بمواقف الأحزاب السياسية الأخرى. وحتى الآن يعدّ موقف الحزب المعارض الرئيسي، «الشعب الجمهوري»، إيجابياً، لكن عند بداية المفاوضات بشأن المواطنة، قد يعارض هذا الحزب التعديلات المقترحة. في المقابل، قد يكون هناك بعض العناصر داخل «الكردستاني» الذين يعارضون أوجلان، وقد تصدر استفزازات محلية أو دولية.