برلين | لم تنجُ برلين من خطر الغزو السلفي الذي بات يهدّد كيانها، رغم كل محاولاتها السابقة لدمج المسلمين، الذين يشكّلون نحو 5 في المئة من عدد سكانها، في المجتمع وإبعادهم عن التطرف. فقد كشف مدير الشرطة الألمانية في ولاية هيسن، راينر باننبيكر، في مؤتمر صحافي، أن قوات الشرطة دهمت مراكز الجمعيات السلفية في ولايتي هيسن وشمالي الراين، وألقت القبض على بعض الناشطين السلفيين. وأوضح أنها عثرت بين المصادرات والتحقيقات السريعة التي أجرتها مع المعتقلين على معلومات خطيرة، أقلّها لائحة تخطيط لاغتيال عشرة سياسيين وشخصيات ألمانية. وبين هذه المخططات اغتيال المستشارة أنجيلا ميركل، ومحاولة تدمير البرلمان الألماني (البوندستاغ) بطريقة مشابهة لتدمير مركز التجارة العالمي في نيويورك.

وأضاف باننبيكر أن بعض المتهمين بالتخطيط لعمليات اغتيال المسؤولين الألمان لا يزالون أحراراً، وأن الشرطة عثرت أثناء عمليات دهم منازل بعض القياديين السلفيين في مدينتي بون وإيسن على أسلحة وعلى 600 غرام من المواد المتفجرة، بينما تجري التحقيقات مع المشتبه فيهم بسرعة وسرية لمعرفة المخططات وتعطيلها قبل التنفيذ.
وقال مدير الشرطة، إن بين المعتقلين السلفيين المتهمين بالتخطيط لاغتيالات في ألمانيا، مواطنين تركيين اثنين في أواسط العشرين من العمر ومواطناً ألبانياً (43 عاماً) ومواطناً ألمانياً.
ورفض باننبيكر الردّ على سؤال عمّا إذا كانت حقيبة المتفجرات التي كانت مزروعة في المحطة العامة للقطارات في مدينة بون في 10 كانون الأول الماضي هي من صناعة الموقوفين المتهمين، واكتفى بالقول إن التحقيقات تسير بسرعة وسرية. وتجدر الإشارة إلى أن حقيبة المتفجرة التي زُرعت في محطة قطارات بون لم تنفجر في حينه بسبب عطل تقني في تركيبها، وهي لو انفجرت لأوقعت المئات من الضحايا.
حملة الدهم هذه طاولت ثلاثة مراكز لجمعيات سلفية ممنوعة عن النشاط رسمياً في هيسن وشمال الراين، ومصادرة محتوياتها من منشورات وكتب ووسائل بثّ إلكتروني وهواتف نقالة وكومبيوترات وأموال. وتواصلت حملة الاعتقال لقياديي جمعية «الدعوة» وجمعية «أوديوس الإسلامية» وجمعية «النصرة» المحظورة رسمياً بقرار من وزير داخلية ولاية هيسن، هانس ــ ديتريش فريدريش.
بعد هذه المعطيات، ارتفعت نسبة السياسيين الألمان المطالبين بترحيل السلفيين وإبعادهم، وركّزت قنوات البرامج التلفزيونية أخبارها على هذا الخطر السلفي، وخصوصاً على الديموقراطية، وعلى قراءة نصوص تشير إلى شرائع دينية أصولية تتناقض ومفاهيم الديموقراطية في أوروبا.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن وضع السلفيين تحت مجهر السلطات الأمنية كان قد بدأ فعلياً في شهر أيار من العام الماضي، حيث باشرت السلطات في حينه حملة دهم لمراكز السلفيين في سبع ولايات ألمانية. وتقدر الاستخبارات الألمانية عدد السلفيين على الأراضي الألمانية بنحو خمسة آلاف عنصر، بينهم في هيسن وحدها 900 عنصر، وبدأ يرتفع هذا العدد تدريجاً، من خلال المنشورات التي تهدد المسؤولين الألمان وتطالب الحكومة بدعم الإسلام ومدّ المعارضة السورية بالسلاح.
وما لفت سلطات الأمن الألماني في عملية طبع وتوزيع المناشير والكتب الدينية باللغة الألمانية، التي بدأت في نيسان الماضي، هو قدرة هذه المراكز السلفية على الحصول على تمويل مالي فجائي سمح لها بطباعة 25 مليون نسخة من القرآن الكريم وتوزيعها مجاناً على المارة في كل أنحاء البلاد.
وكانت بعض الدعوات من قياديي هذه الجمعيات السلفية تشدد على قتل اليهود والمسيحيين، وبلغت ذروة نشاطها في نيسان العام الماضي. السلطات الألمانية تساهلت في البداية حيال بادرة توزيع الكتب والمناشير على المارة، ولم ترَ فيها تعكيراً لأمنها، على اعتبار أن انتشار الدين الإسلامي كديانة تسامح ومحبة عامل إيجابي ومطلوب، وخصوصاً أن عدد المسلمين الإجمالي في البلاد يتجاوز خمسة ملايين نسمة، أي ما يعادل 5 في المئة من مجموع سكان ألمانيا، وأن عدد السلفيين بينهم لا يتجاوز في أقصاه خمسة آلاف سلفي من مختلف الجنسيات.
ويفيد مسؤول دائرة الاستخبارات الألمانية، هانس ــ غيورغ ماسن، أن هذا النشاط القوي للجمعيات السلفية على الأراضي الألمانية برز منذ أواسط العام الماضي وبعد مغادرة نحو 60 شخصية الأراضي الألمانية إلى مصر، حيث اتخذت مقراً لنشاطها وشاركت في معسكرات تدريب عسكري انطلقت باتجاه سوريا والصومال وليبيا ومالي واليمن.
وأضاف ماسن: «لقد أقيمت في مصر قاعدة بقيادة مواطن نمساوي باسم محمد محمود ويلقب بأبي أسامة الغريب. هذا الأمر أقلقنا كثيراً في ألمانيا». وهو يدعو إلى الجهاد ضدّ الكافرين. وقامت السلطات الأمنية الألمانية بترحيله إلى خارج البلاد.
ومن بين القيادات السلفية المعروفة، المدعو إبراهيم أبو ناجي. وهو، بحسب مجلة «فوكوس» الألمانية، المسؤول الأول عن تكليف بعض المطابع الألمانية طباعة الكتب الدينية والمنشورات وتوزيعها مجاناً على المارة ونقل البعض منها إلى النمسا وسويسرا. وبالإمكان كذلك طلبها بواسطة مواقع الكومبيوتر.
وتشير مجلة «درشبيغل» إلى أن محمد محمود، مع مساعد له ملقب بـ«أبو عزام الألماني»، شكّلا مجموعة سلفية مقاتلة حملت تسمية «ملّة إبراهيم» تقيم في مصر. وباشرت بتوجيه رسائل التهديد، عبر أشرطة فيديو ومواقع إلكترونية، بقتل المستشارة أنجيلا ميركل، وتدمير مبنى البرلمان «البوندستاغ» على طريقة تدمير مركز التجارة العالمي في نيويورك، في حال «التقاعس عن دعم الثورة الإسلامية» في سوريا والعالم.




... وفي بريطانيا أيضاً

كشفت صحيفة «إندبندنت» البريطانية أن «الصراع الدموي في سوريا أنشأ موجة جديدة من المسلحين البريطانيين الذين أصبحت سوريا مقصدهم الأول من أجل عملياتهم المسلحة». ونقلت الصحيفة عن وكالات أمنية قولها، إن «سوريا حلت محل باكستان والصومال وأصبحت الوجهة المفضلة للمتطرفين الذين يسعون إلى القتال فوراً، وهو أمر متاح في سوريا حالياً مع الاحتفاظ بميزة غياب الأمن والمراقبة من قبل السلطات».
وقدرت الصحيفة عدد المسلحين البريطانيين الذين غادروا البلاد بالفعل متجهين إلى سوريا بنحو 100 شخص، مشيرة إلى أن هذا العدد قابل للزيادة. وترى «الإندبندت» أن هذه القضية خلقت مشكلة فريدة من نوعها أمام أجهزة الأمن والاستخبارات في دول الغرب المطالبة بتعقب ومراقبة المتشددين الذين يمدون يد المساعدة للمعارضة المسلحة التي بدورها تتلقى دعماً من بريطانيا وحلفائها.
وتقول الصحيفة إن السلطات البريطانية اعتقلت متشددين لا يتجاوز عددهم أصابع اليد عقب عودتهم من سوريا بعد توجيه تهم محددة. أما الغالبية العظمى منهم فلم يجرِ التعرض لهم بزعم أنهم لم يقوموا بنشاط مخالف للقانون.
(الأخبار)