برلين | اختارت صحيفة «لوموند» الفرنسية هذا الأسبوع عنوان «هولاند – السنة المرعبة» لتصف الوضع المزري للبلاد بعد عام على انتخاب الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند. ويبدو هذا العنوان أفضل وصف لحالة عدم الرضى التي تعمّ المجتمع الفرنسي تجاه سياسة الرئيس الحالي بعد عام على وصوله إلى السلطة.

فاستطلاعات الرأي تشير إلى أن أكثر من ثلاثة أرباع الفرنسيين غير راضين عن أداء هولاند، وهي أسوأ نتيجة ينالها رئيس فرنسي في استطلاعات الرأي الشهرية التي تُجرى بانتظام منذ قيام الجمهورية الفرنسية الخامسة عام 1958.
الأنكى من تراجع شعبية الرئيس هو إظهار استطلاعات الرأي أن غالبية كبيرة من الناخبين ستصوت للرئيس السابق نيكولا ساركوزي، لو أجريت الانتخابات الآن.
ويعود تراجع شعبية هولاند إلى عدة أسباب، أهمها فشله في تحقيق وعوده الانتخابية الكثيرة. فبعد أن ركز في حملته الانتخابية في حينه على تحسين الوضع الاقتصادي ومحاربة البطالة ومنع تسريح المزيد من العمال وإصلاح النظام الضرائبي بنحو أكثر عدلاً ورفض التقشف، جاءت ساعة الحقيقة لتظهر عجزه عن الإيفاء بأيٍّ من هذه الوعود.
لقد وصلت البطالة إلى 11 في المئة، وهو أعلى مستوى لها على الإطلاق، وفي صفوف الشباب تصل هذه النسبة إلى 25في المئة. كذلك فإن معدلات النمو التي توقع الرئيس أن تصل إلى 0.1 في المئة هذا العام، اضطر وزير ماليته بيار موسكوفيسي، إلى تعديلها نحو الأسفل لتصبح 0.1 في المئة سلباً، وحتى هذه النسبة يراها خبراء الاقتصاد متفائلة جداً.
هذا وأسهمت فضيحة وزير المالية في حكومته جيروم كاهوزاك، في إثارة النقمة على هولاند وحزبه الاشتراكي، وتراجع ثقة المواطنين فيه.
أما قرار رفع الضرائب على الأثرياء إلى 75 في المئة، الذي أقره هولاند، فقد اصطدم بمعارضة المجلس الدستوري.
في هذا الوقت، يصف الخبير الاقتصادي فيليب آغيون، (أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفرد ومدرسة الاقتصاد في باريس)، قرار رفع الضرائب، «بإحداث صدمة ضريبية، مبررة لخفض العجز على المدى القريب، ولكنها تسبب أضراراً لا يمكن تحملها على المدى البعيد»؛ فهذا الإجراء سيؤدي إلى فقدان ثقة المستثمرين في الأسواق الفرنسية، وسيساهم في فرار رؤوس الأموال وتراجع قدرة فرنسا التنافسية.
ويدرك هولاند جيداً الحاجة الماسة لإجراء إصلاحات، وخاصة بعد مطالبة منظمة الدول الصناعية في تقريرها الحالي باريس، بخفض النفقات المرتفعة جداً مقارنة بالعائدات الاقتصادية.
ورغم معارضة خصومه لسياسة التقشف وتسريح موظفين، اتخذ سيد الإليزيه قراراً بالاستغناء عن أكثر من ثلاثين ألف موظف في قطاع الدفاع خلال السنوات الأربع المقبلة، ويُعَدّ هذا القرار محاولة غير كافية بتاتاً، بل تظهر عجز هولاند عن تنفيذ إصلاحات جذرية يمكن أن تساعد على تحقيق نهوض اقتصادي. فقدرة فرنسا التنافسية بدأت تتراجع، ما يؤثر سلباً على توقعات النمو وسوق العمل وبالتالي مداخيل الدولة، وهذا يعني أن فرنسا تعاني مشكلة مترابطة ومتشابكة، تهدد بوضع ثاني اقتصاد أوروبي في مصاف الدول المأزومة كإسبانيا واليونان والبرتغال.
على الصعيد الدولي، سار هولاند على نهج سلفه نيكولا ساركوزي في التعاطي مع الأزمات؛ فالموقف من الأزمة السورية لم يتغير، والحرب في مالي هي نسخة مصغرة عن حرب سلفه ضد ليبيا، والعلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأميركية وحلف شماليّ الأطلسي، لم تشهد أي تغيير.
أما على الصعيد الأوروبي، فتشهد العلاقة مع الشريك الألماني بعض الفتور في الآونة الأخيرة، بعد أن كانت الدولتان المحرك الذي يقود أوروبا؛ إذ إن شهر العسل الطويل الذي جمع بين المستشارة الألمانية انغيلا ميركل، والرئيس الفرنسي السابق، لدرجة إطلاق اسم «مركوزي» تعبيراً عن الانسجام بين الثنائي الألماني الفرنسي، لم يمتد إلى حقبة هولاند، حيث يوجد فارق كبير في السياسة الاقتصادية والنهج المتبع للتعاطي مع الأزمة في منطقة اليورو.