إسطنبول | من زار منطقة تقسيم وشاهد متنزه «غازي»، يُدرك أنه المُتنفّس الوحيد في المنطقة التي تحولت إلى أبنية ومحال تجارية. ففي المتنزه الواقع كواحة وسط غابات الإسمنت يجد الزائر الملاذ المناسب لاستنشاق الهواء النظيف، بالإضافة الى البُعد التراثي للمكان كمعلم ينشّط الذاكرة التاريخية إزاء قلعة عثمانية قديمة تحتل المكان.


لذلك يرى البعض أن التظاهرات التي شهدتها إسطنبول وانتقلت إلى مدن تركية عديدة، ليست مجرد احتجاج على خطة حكومية تنفع الشركات الاستثمارية، بل هي محاولة للتذكير بأهمية المكان من خلال رفع صور لمتظاهرين يجلسون ويقرأون الكتب في المتنزه، وأخرى يبدون فيها وهم يتعرضون للعنف من عناصر الشرطة.
وسائل التواصل الاجتماعي مثل «الفايسبوك» و«تويتر» كانت حاضرة بقوة كوسيلة للتواصل بين مختلف بلدان العالم، لا في تركيا فقط، من أجل دعم مطالب المتظاهرين في ظل غياب التغطية الإعلامية.
لقد وصل عدد المعجبين بصفحة «إسطنبول تُحتلّ» على «الفايسبوك» إلى ٢٧,٩٥٨ في ظرف ثلاثة أيام، بينما وُضع الكثير من الصور واللافتات من جميع أنحاء العالم، كُتبت عليها عبارات تدعم المتظاهرين وتندد بالعنف الذي تعرضوا له، ولا سيما بعد استخدام الكثير من القنابل الغازية والمسيلة للدموع والرش بالماء. ورغم كل الوسائل التي اتُّبِعت، لم يرتدع المتظاهرون عن المضي قدماً في تظاهراتهم، بل كان العنف الحافز للكثيرين من أجل مساندة المتظاهرين.
اللافت أن المساندة كانت من ممثلين مشهورين وصحافيين ومذيعين؛ مثل الممثل خالد ايركنش بطل مسلسل حريم السلطان وزوجته الممثلة بركوزار كورال. المسلسل أُوقف تصويره مؤقتاً لمساندة المتظاهرين في ساحة تقسيم، حيث كان من اللافت أيضاً انتشار دعوات على «الفايسبوك» لتنظيف الشوارع.
وبالفعل، قام المتظاهرون بأنفسهم بتنظيف الشوارع والأماكن التي تظاهروا فيها بعدما امتلأت بالأوساخ، وفي ذلك رسالة تفيد بأن التظاهرات سلمية. ولم يتوقف الأمر على تنظيف الشوارع، بل تعدّاه إلى تنظيف الآثار التي خلفتها القنابل الغازية والمسيلة للدموع.
ولعل من العبارات التي يقرأها المارون في شوارع تقسيم هذه الأيام: لقد «امتنعنا عن شراء الكحول فأصبحنا رزناء» بالإشارة إلى القانون الذي أصدره رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بمنع بيع الكحول في الأماكن العامة، وبعد الساعة العاشرة ليلاً. الكثيرون يرون أن التدخين والكحول هي أمور شخصية ولا يجب على الحكومة أن تفرض رأيها على المواطن في ما يخص هذه الأمور.
عبارات وشعارات عديدة توزعت على الجدران والسيارات وواجهات المحال التجارية، حاول المحتجون من خلالها التعبير عن آرائهم؛ «لأن الإعلام لتركي خذلهم ولم يقم بالتغطية الكافية للأحداث».
فأمام تجاهل الإعلام لصوتهم، تجمّع آلاف من المتظاهرين أمام مبنى قناة NTV التركية التي تُعدّ من أهم القنوات الإخبارية التركية، فيما تساءل الكثيرون عبر «الفايسبوك» عن سبب تغطية الإعلام التركي للتظاهرات في الدول العربية مثل مصر وسوريا وتونس وليبيا يومياً ومباشرة، بينما سكت لدى تعرض تركيا للموقف نفسه.
يدرك المعارضون لقانون إزالة حديقة «غازي» أن الأمر ليس قطع أشجار، بل هو بداية لمشروع واسع يطاول البيئة والتراث، لهذا كانت لافتة عبارة عن ذلك في أحد الشوارع تقول: «كل شيء ابتدأ بالأشجار». لعل الأشجار كانت العذر الذي فتح الباب أمام هبّة شعبية واسعة انتهت لتقول لرئيس الوزراء قبل جولته على دول المغرب العربي: «اذهب أردوغان فنحن هنا».