قبل يومين من حلول الاستحقاق لانتخاب رئيس جديد للجمهورية الإسلامية الإيرانية، تبدو الصورة ضبابية بعض الشيء في ما يتعلق بمرشحي جبهة المبدئيين، بعد حسم الإصلاحيين و«كوادر البناء» الأمر لصالح مرشّحهم المدعوم من الرئيسين السابقين:


أكبر هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي، الأمين الأسبق للمجلس الأعلى للأمن القومي حسن روحاني. واقع يستشعر المبدئيون، على ما يبدو، بحساسيته، ما دفع بهم إلى تكثيف المحاولات من أجل توحيد صفوفهم خلف مرشح واحد، عبر العمل على إقناع كل من مستشار المرشد الأعلى للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي سعيد جليلي، بالانسحاب لصالح عمدة طهران محمد باقر قاليباف، حسبما ذكرت مصادر عليمة لـ«الأخبار».
ومعروف أن الثلاثي قاليباف وولايتي وغلام علي حداد عادل كانوا قد اتفقوا مع اقتراب تقديم ترشيحاتهم للانتخابات، على أن يتحدوا خلف من منهم يحتل الصدارة في استطلاعات الرأي. لكنهم عادوا الأسبوع الماضي وتفاهموا على ترك القرار للناخب الإيراني في الدورة الأولى. ومع ذلك، أعلن حداد عادل انسحابه لتسهيل الأمر على المبدئيين الذين يزاحمهم سعيد جليلي، الذي ينتمي إلى معسكرهم نفسه. غير أنه من توحد المعسكر المقابل خلف روحاني، بات المبدئيّون أكثر اقتناعاً بضرورة عدم تشتيت أصواتهم، وبالتالي ترك مرشح واحد لمعسكرهم في الميدان، من دون أن تتضح ما إذا كانت جهودهم ستثمر اليوم.
توقعات وسائل الإعلام المحلية تفيد بأن قاليباف وجليلي هما «الأوفر حظاً» بالفوز. إلا أن أحد استطلاعات الرأي النادرة التي أجرتها وكالة «مهر» على عيّنة من عشرة آلاف شخص، بيّن أن قاليباف يتصدر السباق مع 17,8 في المئة، متقدماً على حسن روحاني (14,6 في المئة) وبعدهما جليلي (9,8 في المئة). وقبل يومين من الانتخابات، لا تزال هناك نسبة 30 في المئة من المترددين.
قلق جبهة المبدئيين من تعدد المرشحين، في مقابل مرشّح واحد للمعسكر المقابل، تجلى في دعوة مدير صحيفة كيهان المحافظة حسين شريعة مداري، المرشحين المبدئيين، إلى «أن يجلسوا معاً من دون إضاعة الوقت وأن يختاروا أحدهم مرشحاً» لجبهتهم. وكذلك كان رأي الأمين العام لجبهة مناصري نهج الإمام حبيب الله أصغر أولادي، بأن «المبدئيّين، من أجل الفوز، يجب أن يتّحدوا للضرورة»، متحدثاً عن مشاورات تُجرى بهذا الخصوص.
في هذا الوقت، كرّر المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي تأكيده أنه لا يدعم أياً من المرشحين، مجدداً التشديد على أهمية «المشاركة الجماهيرية الواسعة» في الانتخابات. هو يعتبر أن هذا الاستحقاق يشكّل مرحلة من مراحل المواجهة مع «أعداء الإسلام والثورة وإيران الذين جنّدوا جميع إمكاناتهم المالية والإعلامية والسياسية لفصل الشعب عن النظام»، مشدداً على ضرورة «اتباع القانون» لأن عدم التزامه كان «أساس الأحداث» عام 2009.
وفيما أبدى أن لديه «ملاحظات» على المناظرات بين المرشحين للرئاسة «سيدلي بها» بعد الانتخابات، وخصوصاً أن هذه المناظرات حملت انتقادات لاذعة للسياسة الحالية الاقتصادية والخارجية وللأداء التفاوضي في الملف النووي، برز أمس موقف لافت للمرشح محسن رضائي، أبدى فيه «إمكان التحاور» مع الولايات المتحدة «حول النقاط المشتركة، في ظل توجيهات القائد (خامنئي)»، في خطوة فسرها البعض بأنه يستهدف من خلالها نيل بعض الأصوات من الفريق الآخر.
ويرى البعض أن الإشكالية الأبرز التي يحاول الكثير من الأطراف استغلالها في هذه الانتخابات، كانت استبعاد مجلس صيانة الدستور رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام، رفسنجاني، بذريعة «كبر سنّه»، بينما اختفت مجموعة الرئيس محمود أحمدي نجاد عن خريطة القوى المشاركة في السباق، بعد إبعاد نسيبه ومدير مكتبه السابق أسفنديار رحيم مشائي. ولعل المستجد في هذا السياق ما نُقل عن الرئيس الأسبق البراغماتي المحنك الذي جمع سابقاً بين منصبين في آن (رئيس مجلس التشخيص ورئيس مجلس الخبراء)، أن رفض ترشّحه للرئاسة جاء بضغط من «مسؤول أمني». تصريح أثار مجلس صيانة الدستور المكلف بالإشراف على الانتخابات، فانبرى المتحدث باسمه عباس علي كدخدائي لرفضه، قائلاً «طبقاً للقانون، بإمكان المجلس أن يطلب رأي الهيئات الأخرى وهو إجراء عادي».
وأوضح أن كل واحد من المرشحين الثمانية حصل على سبعة أصوات على الأقل من أعضاء مجلس الصيانة الـ 12.
المتحدث باسم مجلس صیانة الدستور تطرق الى موضوع آخر ذي أهمية أيضاً، بإعلانه أن بعض الدول تضع عراقیل أمام إدلاء الإیرانیین المقیمین علی أراضیها بأصواتهم فی الانتخابات الرئاسیة غداً، مؤكداً أن الانتخابات الرئاسیة هي الانتخابات الوحیدة التي تشارك فیها الجالیة الإیرانیة في الخارج، حسب وكالة «إرنا» الرسمية.
وفي أعقاب نفي كل من المرشد ورئيس الجمهورية دعمهما لأي مرشّح، أصدرت وزارة الأمن بياناً أمس نفت فيه الأنباء المتداولة عن دعم وزير الأمن حيدر مصلحي للمرشح جليلي، وذلك في سياق تأكيد النظام موقفه بأنه «على مسافة واحدة من جميع المرشحين».
في أي حال، حتى ولو شهد الاستحقاق اليوم انسحابات جديدة لمصلحة مرشّح معين، فالمنافسة ستكون حامية على من يخلف الرئيس محمود أحمدي نجاد، إذ إن المرحلة المقبلة تشهد ضغوطاً لم تمر بها الجمهورية الإسلامية منذ نهاية الحرب مع العراق عام 1988.
ثمة تحديات اقتصادية صعبة أمام الرئيس الجديد، في ظل توسيع الغرب مروحة عقوباته على البلاد بسبب برنامجها النووي، إضافة الى مآزق عديدة تتعلق بالأداء التفاوضي حول هذا البرنامج وإعادة صياغة سياسة إقليمية ودولية جديدة على ضوء المتغيرات في المنطقة.