نيويورك | منذ الحرب العالمية الثانية، والميزانية الدفاعية الأميركية لا تتأثر بالأزمات الاقتصادية. الولايات المتحدة، التي بعد إقرار خطة لتقليص الإنفاق بواقع 500 مليار دولار خلال السنوات العشر المقبلة، علاوة على 487 ملياراً أخرى كانت قد أقرتها من قبل للفترة نفسها، تبقى الأكثر إنفاقاً في مجال التسلح في العالم. فهي تنفق وحدها 600 مليار دولار في السنة، أي ما يعادل 40 في المئة من إجمالي الإنفاق العسكري العالمي. لكن الدوائر الحربية الأميركية تشعر بأن عليها توخّي الحذر من «الأعمال الاستفزازية» من جانب كل من الصين وكوريا الشمالية، وترى أن التصدي لها «بات أكثر إلحاحاً».

الورقة الدفاعية الأميركية البيضاء لهذه السنة تحدثت عن ضرورة «ردع سلوك كهذا» من الدولتين الآسيويتين الواقعتين في منطقة النفوذ الحيوي الأول للولايات المتحدة. وشرحت الورقة الأعمال التي قامت بها الصين من أجل الدفاع عن مصالحها البرية والبحرية والتي تشعر الولايات المتحدة بأنها تشكل استفزازاً لها. الورقة معنونة «دفاع اليابان 2013» وتقول إن الصين حاولت تغيير الوضع القائم بالقوة بناءً على «مزاعمها التي لا تتوافق مع القانون الدولي الراهن». وانتقدت تلك المحاولات بوصفها «ترسيخية»، أي أنها ترسّخ مزاعمها القومية.
اللغة التي استخدمت في الورقة الأميركية فسّرها اليابانيون بأنها ترمي إلى ثني الصينيين عن مواصلة التوغل المتكرر داخل المياه الإقليمية اليابانية قرب منطقة جزر سينكاكو في محيط منطقة أوكيناوا. وفي الوقت نفسه، عُدّت اللغة توبيخاً للصين على خلافها مع الدول المتاخمة صاحبة المصالح في بحر الصين الجنوبي.
وتناولت الورقة النزاع الذي نشأ عندما تم اكتشاف أن سفناً صينية وجهت رادارات توجيه الرماية نحو مدمرة دفاعية بحرية وهليكوبتر في كانون الثاني الماضي. ووصفتها بالأفعال الخطرة التي قد تتسبب بنشوء حالة طوارئ. كما انتقدت الورقة إنكار الصين لاستخدامها رادار توجيه الرماية وتقديمها ما وصفته «تبريرات باطلة» بشأن الحادث.
وعبّرت الوثيقة عن القلق حيال عملية التسلح الصينية بوتيرة متسارعة حسب رصد الأميركيين لها في الأعوام الماضية. وهو ما تجلى بتدشين حاملة الطائرات التي تدعى «لياونينغ» وإنتاج المقاتلة «جيه ـ 15» الملائمة لحاملة الطائرات. وكذلك إنتاج الجيل الثاني من المقاتلة «جيه ـ 20» التي لا يستطيع الرادار رصدها. وأثارت الورقة توجساً من التعتيم الذي تمارسه الصين وقلة الشفافية في ما يتعلق بقدراتها العسكرية. من ذلك أن الورقة الصينية الدفاعية البيضاء الأخيرة لم تورد أي أرقام عن الميزانية الدفاعية. وشددت اليابان على ضرورة إفصاح الصين عن ميزانيتها الدفاعية، فضلاً عن قيام تعاون بين القوات المسلحة الصينية واليابانية عن طريق تبادل البعثات العسكرية بهدف تعزيز الثقة بين الدولتين.
وفي ما يختص بالتهديد الكوري الشمالي، قالت الورقة الأميركية البيضاء إن بيونغ يانغ حققت تقدماً كبيراً في برنامجها النووي من خلال التجربة التي أجرتها في شباط الماضي. أمر «لا يجوز التغاضي عنه» كما جاء في النص.
وتطرقت الورقة إلى التجربة الصاروخية البالستية التي أجريت في كانون الأول الماضي. وقالت إن كوريا الشمالية حسّنت تقنياتها إلى حد بعيد، بحيث وسعت من مدى وصول الصاروخ ودقة توجيهه وباتت صواريخها البعيدة المدى قادرة على بلوغ مناطق لا بأس بمساحتها داخل عمق الولايات المتحدة القاري.
ورأت الورقة البيضاء أن الرد على هذه التحديات العسكرية من الصين واليابان لا يتم بالطرق الدبلوماسية وحدها، بل بتمكين دولة كاليابان من تطوير قدراتها بحيث تردع الدولتين من خلال تحقيق التكافؤ وحتى التفوق العسكري. وفي هذا الصدد، أجرت الولايات المتحدة واليابان مناورات مشتركة بشكل متزايد في السنوات القليلة الماضية. كما كثفت من نشاطات الإنذار والتجسس ضمن ما يسمى «التعاون الدفاعي الديناميكي» الرامي إلى تحسين قدرات الاستجابة السريعة. وكذلك لضمان تحسين القدرات الدفاعية لمحيط أوكيناوا، ولا سيما بعد نشر طائرات النقل العمودية الصينية من طراز «أم. في. ـ 22».
وشكت الورقة البيضاء من صعوبة الردّ على الإجراءات الصينية التي عززت من القدرات الدفاعية في منطقة بحر الصين الجنوبي بأسلحة متوسطة وبعيدة المدى، في وقت تقلص فيه الولايات المتحدة ميزانيتها الدفاعية بواقع يقارب مئة مليار دولار سنوياً للسنوات العشر المقبلة ضمن مناخ التقشف الذي تمر به. أما اليابان، فقد رفعت ميزانيتها الدفاعية في عهد رئيس الوزراء شينزو أبيه لأول مرة منذ 11 عاماً. لكن نسبة الزيادة بلغت 8 أعشار الواحد في المئة. وفي المقابل، شهدت ميزانية الصين الدفاعية صعوداً حاداً قُدّر بنحو أربعة أضعاف خلال العقد الماضي وحده. وبلغت أكثر من 33 ضعفاً عما كانت عليه قبل ربع قرن. وخلصت الورقة إلى أن الهوة في ميزانية الدفاع تتسع مع الصين. وما لم يحدث أي تغيير فيها، فإن الوضع سيصبح بالغ الخطورة. وأكدت أن على اليابان أن تزيد إنفاقها العسكري من الآن.
خبراء الدفاع يرون في تقويم الأميركيين مبالغة دأبوا عليها منذ الحرب العالمية الثانية. ذلك أنه عندما أجرى الاتحاد السوفياتي في 1950 أول تجربة نووية، بعد خمس سنوات من أول تجربة أميركية، شكا البنتاغون من خطورة فقدان التوازن، علماً بأن الولايات المتحدة كانت تمتلك 250 قنبلة ذرية في ذلك الوقت. ورفعت ميزانية الدفاع بسرعة من أجل إنتاج القنبلة الهيدروجينية بحجة تحقيق التوازن الاستراتيجي مع الاتحاد السوفياتي. ويعتقد هؤلاء أن المحرك الحقيقي لهذه التقويمات، رغم ضخامة الإنفاق الدفاعي الأميركي بعد التقليص، هو المحافظة على موارد ثابتة للصناعة الحربية الأميركية صاحبة التأثير الشديد على صانعي القرار في واشنطن.