تُنشر رواية في السوق الأميركية مستوحاة من غزو العراق وتلفزيون الواقع معاً، أبطالها في سنّ المراهقة يتقاتلون في ما بينهم في سبيل البقاء. تحقق الرواية نجاحاً مبهراً ومبيعات ضخمة، فيقرر أصحاب استوديوهات في هوليوود تحويلها الى فيلم سينمائي. يختار منتجو الفيلم شباباً جميلي المظهر ويركّزون على مشاهد العنف لتحقيق انتصار مجيد في نهاية «سعيدة». شركة «ماتيل» تصنع فوراً دمية «باربي» على شكل بطلة الفيلم وتلبسها أكسسواراً خاصاً: سهاماً وحربات. وبعد عام على عرضه، تُنظم إحدى المدارس مخيماً صيفياُ يحمل عنوان الفيلم (والرواية) ويطبّق ما جاء فيه على الأرض.


هذا ما حصل أخيراً في الولايات المتحدة الأميركية التي تتقن تاريخياً تسويق العنف بمختلف الوسائل وأخبثها، فتنشئ أجيالاً من الوحوش يتحوّلون الى آلات قتل تشارك في حروبها مع الآخرين. في عام 2008 صدرت رواية The Hunger Games للكاتبة سوزان كولينز (عن دار سكولاستيك برس). رواية خيالية استوحتها كولينز كما تقول «من خلال لقطات من برامج تلفزيون الواقع ومن غزو العراق» مع شخصيات ومشاهد مستوحاة من الأساطير الإغريقية وحلبات القتال الرومانية. ألّفت الكاتبة جزئين آخرين لتبلغ مبيعات الثلاثية أكثر من 36 مليون نسخة في الولايات المتحدة.
في ربيع عام 2012 أطلق الفيلم المقتبس عن الرواية والذي حمل العنوان نفسه (من إخراج غاري روس). حقق الفيلم أكثر من 691 مليون دولار في شبابيك التذاكر وأغلب مشاهديه كانوا من المراهقين. بعد أسابيع على إطلاق الفيلم ظهرت «باربي» «محاربة» على شكل بطلته تحمل سهاماً وتتخذ وضعية القتال.
وفي صيف العام الحالي، ومنذ نحو أسبوع، نظّمت مدرسة في لارغو في ولاية فلوريدا مخيماً صيفياً لأطفال تتراوح أعمارهم بين10 و16 سنة يحمل اسم Hunger Games Summer Camp 2013 ويقوم على مبدأ الرواية ــ الفيلم ذاته.
أطفال ومراهقون يتحالفون في مجموعات لقتال مجموعات «عدوة» اخرى بهدف البقاء ثم «يصفّون» بعضهم بعضاً ليبقى متبارٍ واحد في النهاية يكرّس بطلاً. الأطفال لا يزوّدون بسلاح حقيقي بل بأدوات بلاستيكية لكن موضوع المخيم المرتبط بشكل علني بالفيلم الذي يعرفه المشاركون جيداً وبعضهم حفظ مقاطع من الرواية عن ظهر قلب، لم يبعد شبهة العنف عن المخيم «الترفيهي».
فمنذ الاعلان عن تنظيم المخيم المستوحى من Hunger Games انتقد بعض الصحافيين والمحللين النفسيين الأميركيين الأمر. «فكرة المخيم هذه غير واردة على الاطلاق» تقول إحدى المحللات النفسيات في تحقيق صحافي وتضيف «عندما يقرأ الأطفال كتباً أو يشاهدون أفلاماً فهم مجرّد متفرّجين بعيدين عن القتل كفعل، لكن عندما يبدؤون بالتفكير والتخطيط ولعب الأدوار يصبح القتل قريباً جداً منهم». «عندها يصبح فعل القتل غير فاضح» بالنسبة لمرتكبه، توضح المحللة.
هكذا، حاول منتقدو فكرة المخيم التحذير من تبسيط فكرة قتل الآخر من خلال إدخالها في ألعاب للأطفال ونشاطات ذات عنوان ترفيهي.
صحيفة «تامبا باي تايمز» زارت المخيم ونشرت تحقيقاً يفضح نسبة العنف التي بدت عند المشاركين فيه. التحقيق الصحافي ينقل عن مشاركات أعمارهنّ بين 10 و14 سنة سؤالهن منذ اليوم الأول لمشاركتهن في المخيم «هل نبدأ بالقتل؟» لتتابع إحداهنّ «أفضّل أن أقتل بسهم» وتضيف اخرى «كلا، أفضّل أن أموت بطلقة نارية وليس بالسيف» لتردف زمليتها «سأقتلك طعناً ربما». المشرفون على المخيم قالوا إنهم لاحظوا عند المشاركين رغبة جامحة لأعمال العنف ولغة علنية تستخدم تعابير مباشرة عن القتل. لذا، قال المسؤولون إنهم أجبروا المتبارين على استبدال كلمة «قتل» بـ«تجميع حيوات» (!). هكذا اذاً، يقوم المشاركون في المخيم بـ«تجميع حيوات» رفاقهم من خلال سحب أعلام يضعها المتبارون حول خصورهم. والرابح هو الذي «يجمع أكبر عدد من حيوات رفاقه».
مراسلة الصحيفة الاميركية تصف حماسة المشاركين الـ 26 من الفتيان والفتيات وتمركز كل منهم في وضعية قتال معينة من مهاجم الى قنّاص. فتيات في الـ 12 من العمر علّقن لافتة كتبن عليها: «الخسارة تعني الموت المحتّم».
الصحافية تتوقف أيضاً عند بعض سلوكيات المتبارين فتصف كيف ضمّت مجموعة من «المتحالفين» أعمارهنّ بين 12 و 13 سنة متبار ياً جديداً اليها كحليف، ثم ما إن وطأ الحليف الجديد خارج «المنطقة الآمنة» هاجمه أحد أعضاء المجموعة الحليفة و «قتله» من خلال سحب علمه. التحالفات لا تهمّ في اللعبة والصداقات كاذبة. يتوسّل الأطفال والمراهقون أساليب خبيثة بغية بلوغ هدف «البقاء» والتغلّب على الباقين. يصرخ أحد المتبارين (11 عاماً) وهو ملقى على الأرض جاهشاً بالبكاء «لقد داسوا عليّ مراراً وهم يركضون». كلّ شيء مبرر في سبيل الربح. كأنها شريعة الغاب يمارسها أطفال صغار ويستمتعون بها في إطار «قانوني» و«مدرسي». هو «كابوس فعلي» يقول أحد المعلّقين على فكرة المخيم.
«ماذا عن المطالعة والرياضة والرسم والرقص التي كانت معتمدة في معظم المخيمات الصيفية؟» سأل بعض الأهالي الذين رفضوا بشكل قاطع إرسال أولادهم الى مخيم مشابه.
لكن منظمي المخيم يقولون إن هدف النشاط الصيفي هو تدريب على «مشاركة الآخر والعمل ضمن فريق» وليس على العنف أو القتل. مجلة «فانيتي فير» وصفت المخيم بـ«المخيف» و«المزعج»، وقالت إنه «يثير القلق أكثر من فكرة الرواية بحدّ ذاتها».

يمكنكم متابعة صباح أيوب عبر تويتر | [email protected]





أطفال أميركا: 60% معرّضون للعنف سنوياً

في محاولة منهم لمواجهة الانتقادات ضد فكرة مخيمهم الصيفي والعنف الذي يسود جوّه العام، حاول المنظمون الدفاع عن فكرتهم بالقول إن لا شيء في المخيم مرتبطاً بالعنف على العكس قد يساعد في التقليل من نسبته. كيف؟ يشرح أحد المسؤولين في المخيم إن الأطفال «يتقاتلون في ما بينهم على نزع الأحزمة البلاستيكية من بعضهم البعض، لذا هم ليسوا معرّضين لأي أذية فعلية».
أحد المستشارين النفسيين يضيف: «عندما يتحدث الأطفال فيما بينهم عن القتل فهم لا يعنون فعلياً ما يقولون، إذ إن فكرة الموت عندهم لا تعني إنهاء الحياة بل مجرد مرحلة للبدء من جديد».
في دراسة أخيرة أعدّتها وزارة العدل الأميركية أظهرت نتائج الاستطلاع على عيّنة من الأطفال في مختلف الولايات الأميركية أن 60% منهم تعرّضوا للعنف بطريقة مباشرة أو غير مباشرة خلال عام 2009.