واترلو | أميركا بلا موازنة وبلا حكومة فاعلة حتّى إشعار آخر. مع بداية تشرين الأوّل تعطلت معظم ماكينات السلطة بسبب الصراع بين بيتٍ أبيض ومجلس شيوخ ديموقراطيين، ومجلس نواب جمهوري. هنا، لا ترتيبات اثني عشرية وتسيير أعمال كما هو الوضع في لبنان. فعلياً، توقّف أكثر من 800 ألف موظف رسمي عن العمل، ودخلوا في إجازات غير مدفوعة؛ بقي البعض في وظائفهم لتنفيذ مهمّات حيوية.


السبب المباشر وراء هذه البطالة المقنّعة التي دخلت فيها الحكومة هو رفض الحزب الجمهوري ـــ وتحديداً الأجنحة اليمينية فيه ـــ إقرار مشروع الرعاية الصحية للجميع الذي صاغه ووقعه الرئيس باراك أوباما قبل ثلاثة أعوام وضمنه مجلس الشيوخ ذو الغالبية الديموقراطية في موازنة العام المالي 2014.
رفض الجمهوريين وتمسّك الديموقراطيين بمشروع رئيسهم ـــ الذي يُعد أبرز إنجازاته، لكونه يؤمّن الرعاية الصحية الرخيصة للجميع بعدما كان أكثر من 50 مليون أميركي مغربين عن خدمة كهذه ـــ أدى إلى ولوج العام الجديد من دون موازنة، وبالتالي من دون رواتب.
يُمكن القول إن معظم الوزارات والإدارات الأميركية أضحت شبه خالية منذ صباح يوم أمس، بعدما كانت تضجّ بأكثر من مليوني موظف مدني، إضافة إلى 1.4 مليون عسكري في الخدمة الفعلية. مثلاً في وكالة الفضاء والملاحة الجوية، «ناسا»، دخل 97% من الموظفين الذين يفوق عددهم 18 ألف شخص، في الإجازات غير المدفوعة، فيما بقي العملاء المختصون بوكالة الفضاء الدولية؛ 87% من موظفي وزارة التجارة سيلازمون منازلهم؛ في وزارة الخزانة (المالية) التي يعمل فيها 112 ألف موظف رسمي، تبلغ نسبة التوقف عن العمل 80%، ويعمل فقط المختصون بطبع الأموال.
وكلما كانت الإدارات الرسمية أكثر استراتيجية، انخفضت نسبة الموظفين المسرحين منها. مثلاً في وزارة الدفاع وفي الشؤون الصحية والاجتماعية طاولت الإجراءات نصف الموظفين فقط. في قطاع النقل تنخفض النسبة إلى 33%، وفي مجال الشؤون القضائية تنخفض إلى 15%.
مشكلة إقرار مشروع الموازنة مستمرة منذ 20 أيلول الماضي في ظل توقعات، وإن مستبعدة، بأن يعمد الجمهوريون إلى تعطيل الدولة. حينها صوت مجلس النواب لتطيير مشروع الرعاية الصحية من أساسه. خطوة ردّ عليها الشيوخ برفض تام. ثم عمد النواب إلى تطوير مشروع جديد يؤخّر تطبيق الرعاية الصحية، رفضه الشيوخ أيضاً. اليوم الأمور عالقة بدون أي إشارات إلى حوار قد يُفتح بين الجهتين هذا الأسبوع.
صحيح أن عناوين هذه الأزمة جذابة كثيراً منها: الولايات المتّحدة دون حكومة أو من دون موزانة (!) لكن لعل خلاصتها الأبرز هي أنّ المتطرفين ليسوا فقط «الأعداء» الخارجيين الذين تصنفهم أميركا.
«هناك مجموعة من المتطرفين في مجلس النواب تستعدّ لتعطيل الحكومة» غرّد باراك أوباما قبيل التصويت. «لقد نفّذوا (أقوالهم) فعلاً؛ مجموعة من الجمهورين في مجلس النواب فرضت للتو تعطيلاً للحكومة على خلفية مشروع الرعاية الصحية، عوضاً عن إقرار الموازنة» غرّد الرئيس بعد التصويت.
في قلب تلك المجموعة تجد دينامو اليمين الجمهوري، تيّار حفلات الشاي. سعى هذا التيار إلى قلب الطاولة على باراك أوباما خلال ولايته الأولى، ومع استعداده للولاية الثانية. سلاحه التهويل بأن هذا الرئيس اشتراكي، بل حتّى يساري بامتياز، يريد سلطة أكبر للدولة على المفاصل المختلفة من الاقتصاد والمجتمع.
وفي الحقيقة، ليس مشروع الرعاية الصحي (Affordable Care Act) المشروع الوحيد الذي يُظهر الشرخ الأميركي الكبير. فطروحات اجتماعية وإنسانية مثل حقوق المثليين، حقوق المرأة، الاستثمار في المجالات العلمية، مثّلت أيضاً مجالاً للجمهوريين لتوجيه انتقاداتهم المحافظة صوب الإدارة الديموقراطية. وهو صراع يصنفه المراقبون بأنه بين أفكار تقدمية ازدهرت في أميركا مع انتخاب أوباما عام 2008، وبين تيارات محافظة تعاند حتى الآن مثلاً محاصرة انتشار الأسلحة الشخصية في المجتمع الأميركي، التي تُنتج مجازر بين فترة وأخرى.
برأي بول كروغمان، الاقتصادي الفائز بنوبل عام 2009، فإنّ مشكلة أميركا اليوم هي في النظام السياسي غير الفعال، الذي يسمح للجمهوريين بالتهديد بفرض تعطيل حكومي على خلفية مطالب مجنونة.
لكن في مقابل كلّ التهويل والتعطيل، تذهب بعض التحليلات إلى أنّ ما حصل أوّل من أمس قد يكون إيجابياً بالمعنى الواسع، لأنّه يخفض فرص افتعال الجمهوريين مشكلة جديدة في ما يتعلّق باستحقاق رفع سقف الدين؛ إذ لا يُمكن أن يضعوا أنفسهم في موقع يعطلّ البلاد في كافة الاتجاهات. ففي الحقيقة، لا ينحصر التأزم السياسي في واشنطن بعدم إقرار الموازنة، فخلال أسبوعين، وتحديداً في 17 تشرين الأوّل، ستجد أميركا نفسها مجدداً أمام استحقاق رفع سقف الدين للاستمرار في تمويل احتياجاتها وتأمين المتوجبات عليها.
اليوم يبلغ السقف 16.7 تريليون دولار، أي ما يوازي 400 ضعف الاقتصاد اللبناني برمته، وأكثر من 108% من الناتج المحلي الإجمالي.
مع تعطّل الدولة، ظهرت نظريات عديدة تفسّر كيفية نجاح اليمين الجمهوري في إقناع قائد الجمهوريين في مجلس النواب، جون باينر، بها المسلك. واحدة تفيد بأن قادة الجمهوريّين في المجلس يخشون أن عدم مجاراة مطالب يمين حزبهم قد تكلّفهم مقاعدهم في المستقبل.
اما التفسير الملعوب الذي تداوله بعض المراقبين، فيفيد بأن كل هذه المعمعة والتعطيل هو نتيجة مخطط يديره الديموقراطيون وقادة الجمهوريين المعتدلين لترويض المحافظين المتعصّبين.
على أي حال، هناك انتقادات متزايدة ضد اليمين الجمهوري وطريقته في اللعبة السياسية. بحسب الاقتصادي روبرت رايخ فإنّ «متطرفي اليمين في الحزب الجمهوري لا يأبهون فعلاً بأنّ ابتزازهم اوصلنا إلى هذه الحالة... فقط لأن الحكومة لا تُعحبهم».
«عمدوا مع مموليهم إلى تمويل الحملات الإعلانية ضد قانون الرعاية الصحية للجميع، وأعربوا صراحة عن رغبتهم في إغراق الحكومة في حوض الاستحمام»، تابع الناشط السياسي في تعليقه أمس، مذكراً بأنّه كان في وزارة العمل عام 1996 حين حصل آخر تعطيل، واضطر إلى إبلاغ 15 ألف موظف العودة إلى منازلهم من دون أي إشارة أو معلومة حول متى تعود الحكومة إلى تحرير شيكاتهم.
انعكاسات التعطيل الكبير في عمل الحكومة ليست هائلة على الاقتصاد، الذي بدأ منذ فترة يلتقط أنفاسه خارجاً من الأزمة المالية ومن الركود الكبير، لكن إذا طال التأزم ولم تُحلّ المشاكل بين الديموقراطيين والجمهوريين، فإنّ المجتمع سيشعر بتأثير تعطل الحكومة على خلق الوظائف والتشغيل.
بحسب محللي وكالة التصنيف الائتماني، «موديز»، إذا استمرّ التعطيل فترة تراوح بين 20 يوماً وشهر كامل، فإنّ النتيجة ستكون خسارة الاقتصاد 1.4 نقطة مئوية من النمو في هذا الفصل.
ويتوقع صندوق النقد الدولي أن ينمو الاقتصاد الأميركي بنسبة 1.85% هذا العام، ليصبح حجمه 16.23 تريليون دولار.
وللمفارقة، تؤدي الحكومة في الولايات المتّحدة، حيث معقل اقتصاد السوق، دوراً متزايداً في هذا الاقتصاد. فنفقاتها الإجمالية المتوقعة للعام الجاري تبلغ 6.4 تريليونات دولار، أي ما يمثّل 40% من حجم الناتج المحلي.
إلى ذلك فإن ما ينتظره أكثر من 300 مليون أميركي اليوم هو انفراج بين الحزبين، قد ينتج عن مواقف أكثر صلابة يتخذها الجمهوريون المعتدلون ضد يمين حزبهم. أمّا العيون كلها، فشاخصة نحو انعكاسات هذه الخطوة على انتخابات الكونغرس في عام 2014، حيث يرى كثيرون أن الجمهوريين هم الخاسرون من التأزم القائم حالياً. تماماً كما خسروا عام 1996 حين عطلوا حكومة الرئيس بيل كلينتون.
بحسب استطلاع للرأي نفذته شركة «رويترز» بالتعاون مع «إيبسوس»، يُلقي ربع الأميركيين باللائمة على الحزب الجمهوري في هذه الأزمة، 14% يرون أن المسؤولية تقع على عاتق باراك أوباما، 5% يلومون الديموقراطيين، أما النسبة الأكبر، وتبلغ 44%، فيُلقون اللوم على هؤلاء جميعاً. (يُشار إلى أنّ 12% من المستطلعة آراؤهم قالوا إنهم «غير متأكدين» من الإجابة).
لكن حتّى في المجال الإحصائي هناك تفاوت واضح في أميركا، إذ يُفيد استطلاع أجرته شركة YouGov بالتعاون مع صحيفة نيويورك تايمز، عشية التأزم، بأنّ 44% من الأميركيين سيلومون الجمهوريين، فيما ألقى 35% باللائمة على الديموقراطيين وأوباما.




«جمهوريون» خائفون

يُعرب «الجمهوريون» المعتدلون عن خشيتهم من أنّ تعنتهم في ما خصّ الموازنة قد يؤذي حظوظهم في انتخابات الكونغرس عام 2014، وحتى في الانتخابات الرئاسية عام 2016. فقد أثبتت هذه الأزمة أن الشرخ الموجود في البلاد ليس فقط بين الجمهوريين والديموقراطيين، بل حتى في أوساط «الجمهوريين» أنفسهم، إذ إنه خلال مناقشة مشروع الموازنة في مجلس الشيوخ في 24 أيلول الماضي، سيطر السيناتور الجمهوري تيد كروز، الذي يبدو انه مرشح للانتخابات الرئاسية، على منصة الكلام فترة 21 ساعة و19 دقيقة (وفترات كلام كهذه مسموح بها وتُسمى قرصنة المنصة: Filibuster) ما أثار حفيظة زملائه الجمهوريين رافضي التعطيل الحكومي.

ماذا سيحدث في 17 ت1؟

يتعيّن على أركان النظام السياسي الأميركي معالجة مشكلة أخرى غير الموازنة قبل حلول 17 تشرين الأوّل الجاري: رفع السقف المتاح للاستدانة فوق 16.7 تريليون دولار. إذا فشلت واشنطن في ذلك، فإن مشاكلها ستكون أضعاف ما هي عليه اليوم، إذ إنه «في حال عدم زيادة سقف الدين، قد تعجز الولايات المتحدة عن الايفاء بجميع واجباتها»، وفقاً لمحللي وكالة «ستاندارد إند بورز» (S & P). برأيهم فإنّ هذا الوضع «يؤدّي تلقائياً إلى عقوبة تصنيف البلاد بدرجة التخلف الانتقائي عن السداد (Selective Default)، فيما تصنيفها اليوم هو AA+». وقد فقدت الولايات المتّحدة تصنيفها الممتاز «AAA» نتيجة التجاذب السياسي نفسه الذي تشهده البلاد منذ أكثر من عامين. يُشار هنا إلى أنّ تعطل الحكومة الأميركية حالياً، يعني في المقابل أخباراً طيبة للاقتصادات الناشئة، ففيما كان الاحتياطي الفدرالي يستعدّ لتحفيف برنامج التسيير الكمي (القاضي بشراء سندات حكومية بقيمة 85 مليار دولار شهرياً حتى ينخفض معدل البطالة دون 6.5%) كانت البلدان الناشئة تحسب تأثير تلك الخطوة على اقتصاداتها وعملاتها. وفي ظل التعطيل يستمر برنامج الاحتياطي الفدرالي، وتستمر البسمة من الصين إلى البرازيل.