يسافر وفد من المشرّعين الأوروبيين إلى واشنطن يوم الاثنين المقبل للحصول على ردود من المسؤولين الأميركيين على الادعاءات بشأن عمليات التجسس الواسعة النطاق التي قامت بها الولايات المتحدة على حكومات ومواطنين أوروبيين، من بينهم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل. وستستمر الزيارة لثلاثة أيام، ويقوم بها أعضاء «لجنة الحريات المدنية» في البرلمان الأوروبي.

وأدان الزعماء الأوروبيون المجتمعون في بروكسل المعلومات التي نشرت خلال الأسبوع عن تجسس «وكالة الأمن القومي» الأميركية على اتصالات مواطنين ومسؤولين أوروبيين، وطالبت المستشارة الألمانية الولايات المتحدة بتوقيع اتفاقية «عدم تجسس» مع ألمانيا وفرنسا بحلول نهاية العام، كالاتفاقات الموقعة مع بريطانيا وآخرين. ويضم الوفد الأوروبي الذي سيقصد واشنطن تسعة أعضاء وسيلتقي مع كبار المسؤولين في الحكومة الأميركية وفي أجهزة الاستخبارات.
وأوضح رئيس مجلس أوروبا هيرمان فان رومبوي أن المطلوب إنشاء مجموعة يمكن الدول الأعضاء الأخرى الانضمام إليها لإيجاد قواعد مشتركة مع الولايات المتحدة بشأن أنشطة التجسس، محذراً من أن «فقدان الثقة يمكن أن يضرّ بالتعاون على صعيد التجسس». وفيما أكّد رومبوي أن «الجميع متّفقون على النص»، أفادت معلومات عن تمنّع من جانب البريطانيين الذين اتُّهموا هم أيضاً بالتجسس على دول أوروبية أخرى، ولا سيما إيطاليا.
وقال رئيس الوزراء الإيطالي إنريكو ليتا، إن نظيره البريطاني ديفيد كاميرون أبدى «موقفاً إيجابياً». وقد امتنع كاميرون عن الإدلاء بأي تصريحات، سواء عند وصوله إلى القمة أو عند خروجه منها، وهو أمر نادر.
ولا تزال فضيحة التجسس الأميركي على الأوروبيين تتسع مع توارد معلومات جديدة، وآخرها نقلتها صحيفة «ذي غارديان» البريطانية التي أكدت أن «وكالة الأمن القومي» الأميركية الضالعة في عمليات التنصت على الاتصالات في فرنسا والبرازيل والمكسيك تنصتت على اتصالات 35 من قادة العالم.
من جهتها، أعلنت ميركل لدى وصولها إلى بروكسل «أن التجسس بين الأصدقاء أمر غير مقبول». لكنها امتنعت عن التطرق إلى أي وقف محتمل لمفاوضات التبادل الحرّ التجارية بين الطرفين، وهو ما طالب به رئيس الحزب الاشتراكي الديموقراطي الألماني سيغمار غابريال. ولم تطرح هذه المسألة بين القادة الأوروبيين خشية من مخاطر وقف المفاوضات التجارية مع واشنطن.
وعلى غرار الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند في مطلع الأسبوع، طلبت ميركل قبل انعقاد القمة توضيحات من الرئيس باراك أوباما، وحذّرت من أنه إذا تأكد أمر التنصت على هاتفها، فسوف يسدّد ذلك «ضربة شديدة للثقة» بين الدولتين الحليفتين. أما هولاند، فقد رأى أن معلومات سنودن قد تكون «مفيدة» في نهاية المطاف؛ إذ إنها قد تقود إلى «مزيد من الفاعلية» في عمل أجهزة الاستخبارات ومزيد من الحماية لحياة المواطنين الخاصة.
وانضمت إسبانيا أمس إلى نادي المحتجين على التجسس الأميركي، فأعلن رئيس الوزراء الإسباني ماريانو راخوي، أنه سيستدعي السفير الأميركي في مدريد ليطلب منه توضيحات لعمليات التنصت المفترضة على السلطات الإسبانية التي كشفت عنها الصحافة أمس. وقال راخوي في مؤتمر صحافي في بروكسل على هامش القمة الأوروبية: «لا نملك أي دليل على أن إسبانيا تعرضت للتجسس، لكننا سنستدعي السفير الأميركي لنطلب منه معلومات عن هذه القضية».
وبحسب تسريبات صحيفة «ال باييس» الإسبانية، فإن «وكالة الأمن القومي» الأميركية (إن إس إي) تجسست على ما يبدو على أعضاء الحكومة الإسبانية، وبينهم رئيس الوزراء الاشتراكي خوسيه لويز رودريغيز ثاباتيرو.
لكن راخوي أوضح أنه «لا يعتزم في الوقت الراهن» الانضمام إلى المبادرة الفرنسية ـ الألمانية لطلب «توضيحات» من واشنطن بشأن عمل أجهزتها الاستخبارية ووضع قواعد للمسألة. وذكّر بدوره بأن مدريد تبقى «شريكة وحليفة» للولايات المتحدة.
وأضاف راخوي: «لن أتخذ قرارات من دون أن أكون واثقاً من أسباب اتخاذها»، مشيراً إلى أن مسائل الاستخبارات تتعلق بالسلطات الوطنية المختصة.
ومنذ بداية نشر فضائح الوكالة الأميركية التجسسية، لم يتوحد الأوروبيون على موقف صارم من الأمر، كذلك إن الخلافات في وجهات النظر بين الأوروبيين عطّلت منذ أشهر إقرار مشروع قانون حول «حماية المعطيات» الذي قدمته المفوضية الأوروبية. وفيما كانت المفوضة الأوروبية للقضاء فيفيان ريدينغ، تدعو إلى إقرار الإصلاح «بحلول ربيع 2014»، قررت الدول الـ 28 أن «تمنح نفسها هامش مناورة» حتى 2015.
فرنسياً، ذكرت صحيفة «لو موند» أمس، أن فرنسا اشتبهت في أن أجهزة الاستخبارات الأميركية «تقف وراء هجوم معلوماتي استهدف الرئاسة الفرنسية في أيار 2012». ويشتبه في أن «وكالة الأمن القومي» متورطة في قرصنة حواسيب تعود لأبرز مساعدي الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي خلال عهده في أيار 2012 بين دورتي الانتخابات الرئاسية في فرنسا.
وفي تشرين الثاني 2012، نشرت مجلة «لكسبرس» مقالاً أشار إلى أن الأميركيين يقفون وراء الهجوم. وفي كانون الثاني 2013، اضطر رئيس الوكالة الأميركية الجنرال كيث ألكسندر، أثناء مروره في باريس، للإجابة عن أسئلة أجهزة الاستخبارات الفرنسية بشأن مسؤولية وكالته في هذه القضية، بحسب «لو موند».
وفي المذكرة التي نشرت الصحيفة مقتطفات منها، تؤكد «إن إس إي» أنه بعد التحقيق تبيّن أن أياً من الأجهزة القادرة على شنّ هذا النوع من العمليات داخل 16 وكالة استخبارات أميركية أو الأجهزة الحليفة المقربة منها (الأجهزة البريطانية والكندية والأوسترالية) غير مسؤول عن هذا الفعل».
لكن المذكرة تضيف أن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، وهي قادرة أيضاً على القيام بمثل هذا النوع من الهجمات، لم تخضع «عمداً» للمساءلة في هذه القضية.
وهنا، علّقت صحيفة «لو موند» بأن «وكالة الأمن القومي الأميركية لا تقول إن الموساد شنّ الهجوم، لكن يبدو أنها تعتبر مع ذلك أن الحاجة للإشارة إلى وجود شك معقول ضد الدولة اليهودية أمر ضروري».
وفي ألمانيا، ما زالت قضية التجسس على هاتف المستشارة ميركل تتفاعل؛ إذ نشرت صحيفة «سودويتشه تسايتونغ» أمس مقالة تشير إلى أن مصادر أمنية محلية تعتقد أن السفارة الأميركية في برلين «أدت دوراً في مراقبة هاتف ميركل»، الأمر الذي يقال إنه حدث «طوال عدّة سنوات». واستندت الصحيفة في تقريرها إلى «وثائق» من التي سرّبها الموظف السابق في «إن إس إي» إدوارد سنودن، وتظهر أن وكالات المخابرات الأميركية «أدارت مراكز تنصّت في مقار بعثاتها الخارجية» في ما يسمى «خدمات التجميع الخاصة». وكتبت الصحيفة أن هذه الخدمات «يحتمل أن تكون سرية، لدرجة أنه حتى الموظفون لا يعرفون من يعمل فيها».
وفي إطار التفتيش عن حلول تبعد خطر التجسس، اقترحت شركة الاتصالات الألمانية «دويتشه تيليكوم» المدعومة من الحكومة، التعاون مع شركات اتصالات ألمانية أخرى «لحماية الإنترنت المحلي من اختراق أجهزة المخابرات الأجنبية». وخلصت نتائج لقاءات مع ستة من خبراء الإنترنت إلى أن الشبكة الدولية لن تعمل عندما يتصفّح الألمان مواقع إلكترونية محمّلة على خوادم بالخارج مثل شبكة التواصل الاجتماعي فايسبوك أو محرّك البحث «غوغل»، مطمئنة الرأي العام الذي قد يرفض طرح الشركة برمّته. وقد تواجه دويتشه تيليكوم صعوبة أيضاً في الاندماج مع مجموعات منافسة تقدّم خدمة الإنترنت السريع؛ لأنها ستخشى من تبادل معلومات الإنترنت. وقال دان كامنسكي، وهو باحث أمني أميركي إنه إذا حصّنت المزيد من الدول نفسها، فقد يؤدي ذلك إلى «بلقنة» الإنترنت بنحو مزعج، ما يشلّ الانفتاح والكفاءة اللذين جعلا من الشبكة مصدراً للنمو الاقتصادي.
وفي آب الماضي طرحت الشركة الألمانية خدمة أطلق عليها اسم «بريد إلكتروني صنع في ألمانيا» يرسل البريد فقط من طريق الخوادم الألمانية. ويعدّ التجسس الحكومي مسألة حساسة جداً في ألمانيا التي تطبق واحداً من أشد القوانين محافظة على الخصوصية في العالم.
ودخلت إسرائيل أمس على خطّ أزمة التجسس؛ إذ كشف رئيس جهاز الـ«موساد» الأسبق، داني ياتوم، أن الاستخبارات الأميركية تتنصت على قيادات إسرائيلية. ونقل راديو «صوت إسرائيل» أمس، عن ياتوم قوله إن «واشنطن تتنصت على مسؤولين إسرائيليين».
(الأخبار، أ ف ب)




واشنطن: هناك قيود


حافظت واشنطن على اللهجة نفسها في تهدئة الحلفاء من دون أن تنفي بنحو قاطع حصول التجسس. وأقرت مستشارة للبيت الأبيض بأن برنامج المراقبة الأميركي أثار «توترات شديدة» مع بعض أقرب حلفاء الولايات المتحدة، غير أن هذه النشاطات «تبقى مشروعة» على حدّ قولها.
وقالت ليسا موناكو مستشارة الرئيس أوباما للأمن الداخلي ومكافحة الإرهاب في مقالة نشرتها صحيفة «يو إس ايه توداي» إن المعلومات التي كشفت في الأشهر الأخيرة «أثارت توترات شديدة مع بعض أقرب شركائنا الأجانب». وتابعت: «مع أننا نجمع النوع نفسه من المعلومات التي تجمعها جميع البلدان الأخرى، إلا أن أجهزة استخباراتنا تخضع لمزيد من القيود والمراقبة مقارنة بأي بلد آخر في التاريخ». وكتبت المستشارة أن «الرئيس أوباما أمرنا بمراجعة طاقاتنا الاستخبارية، بما في ذلك تجاه شركائنا الأجانب» مذكرة بأن الوسائل الاستخبارية الأميركية «لا تضاهى»، إلا أنها ليست «خالية من القيود».