«على كل من دفع مبلغاً زائداً أن يعود إلى المؤسسات وأن يطلب استرجاع أمواله المسروقة»، بهذه الكلمات توجه الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو إلى الشعب الفنزويلي عبر شاشات التلفزة يوم السبت الفائت، مضيفاً أنه يجب التجاوب مع هذه الدعوة بمسؤولية وحذر. بعد ساعات من دعوة الرئيس، دخل المئات من المواطنين إلى أحد فروع المحالّ التي ذكرها مادورو بالاسم، وأفرغوا المحل المختص ببيع الأدوات المنزلية من بضاعته. التسجيلات المتداولة على موقع «يوتيوب» تظهر عملية الإفراغ التي جرت عندما فتح محل «داكا» في مدينة فالنسيا أبوابه صباح الأحد.


دعوة مادورو الروبن هودية أتت بعد أن اتهم أصحاب بعض المحال التجارية الكبرى بالفساد واستغلال الامتيازات التي توفرها لها الحكومة من خلال المضاربة بالعملة وخلق أزمة صرف تعانيها البلاد منذ سنة بعد استغلال ارتفاع سعر الصرف في السوق السوداء هذا الأسبوع الذي وصل إلى 66 بوليفار مقابل الدولار، أي ما يزيد على عشرة أضعاف السعر الرسمي.
وكما هو معروف، فإن بعض المؤسسات التجارية تستفيد من امتيازات صرف العملة حسب السعر الرسمي المثبّت على 6.30 بوليفار فنزويلي مقابل الدولار الأميركي، وتشترط الدولة الفنزولية على هذه المؤسسات التي تستفيد من الامتيازات أن تُبقي أسعار بضاعتها المستوردة وفق سعر صرف الدولار الرسمي، وهو ما لا تلتزمه المؤسسات مع ارتفاع سعر الصرف، محققة أرباحاً هائلة من هامش الفارق الكبير بين سعر الصرف الرسمي والأسود. وهذا ما عدّه مادورو سرقة لأموال الشعب ويجب استردادها؛ إذ إنه يرى أن هذه المضاربات خلقت أزمة تضخم مصطنعة.
ومنذ نحو سنة، تعاني فنزويلا أزمة تضخم في سعر صرف العملة، تفاقمت مع الأزمة السياسية التي حصلت مع مرض الرئيس الراحل هوغو تشافيز ثم وفاته وتولي مادورو منصب الرئاسة.
معيشياً، يمكن ملاحظة هذه الأزمة في تضخم الأسعار السريع من أسبوع إلى آخر، بالإضافة إلى النقص في الكثير من المواد الغذائية والحاجيات اليومية التي تترجم في مشاهد يومية من صفوف طويلة في المحال للحصول على مواد أساسية كالحليب والطحين وورق الحمام.
مدير مركز «الأبحاث الاقتصادية والسياسية» في واشنطن، مارك وايسبروت، يوافق رأي مادورو بأن الأزمة مضخمة. ويشير وايسبروت في تحليل نشرته صحيفة «الغارديان» الأسبوع الماضي، إلى أن احتياط ثلاثة أشهر من قيمة الاستيراد يعدّ كافياً، لكن فنزويلا تملك من احتياط العملات الصعبة ما يكفيها لسداد فاتورة الاستيراد لثمانية أشهر على الأقل.
ولفت وايسبروت أيضاً إلى أن نسبة التضخم الأعلى كانت في شهر أيار الماضي وأنها هبطت بعد أن زادت الحكومة ضخ الدولار في السوق وأعلنت زيادة في استيراد المأكولات وحاجات أخرى.
المعارضة سارعت إلى وصف حادثة الـ«داكا» بالمسرحية الانتخابية التي تسبق الانتخابات البلدية المفصلية المقرر إجراؤها في 8 كانون الأول القادم. في هذا الإطار، تداول المعارضون صوراً لأصحاب محالّ «داكا» الفلسطينيي الأصل منصور وفوزي محمد، برفقة مسؤولين كبار من الحزب الحاكم، بمن فيهم الرئيس الراحل هوغو تشافيز.
الخوف من أن تواجه محالّ أخرى مصير «داكا» دفعها إلى إغلاق أبوابها يوم الأحد، وانتشرت في نفس اليوم قوى الحرس الشعبي لحماية المحالّ من هجوم شبيه بهجوم «داكا» وللاشراف على عملية إعادة التسعير وإجبار هذه المحالّ على التقيد بسعر الصرف الرسمي للبوليفار، ما يفترض أن يُترجَم في السوق هبوطاً في الأسعار.
اختار مادورو تقييد الكتلة المالية التي تتحكم بالسوق السوداء؛ إذ إن هذه الخطوة في الهجوم المباشر على مصالح المضاربين تأتي ضمن رزمة إجراءات وضوابط اتخذتها الدولة البوليفارية يفترض أن تلجم تهريب الأموال والبضائع. لكن البلد الاشتراكي الغني ببتروله ينخره الفساد، ما يدفع الكثيرين إلى التشكيك بقدرات خليفة تشافيز «الضعيف» على السيطرة على الوضع وأن يضعوا خطواته في خانة الشعبوية قبيل انتخابات قد يخسرها الاشتراكيون.