الخرطوم | تبدو حكومة الخرطوم عاجزة عن القيام بأي خطوة عملية على الأرض لحماية مصالحها المشتركة مع دولة جنوب السودان، ولا سيما النفط، بعد استمرار التوترات العسكرية في الدولة الوليدة حديثاً، التي دخلت أسبوعها الثاني. وأكثر ما تخشى الحكومة السودانية منه هو أن تدخل آبار النفط، التي تتركز بصورة كبيرة في ولاية الوحدة وأعالي النيل، دائرة الصراع الذي اتخذ صفة قبلية بين أكبر قبيلتين؛ «الدينكا» التي ينحدر منها الرئيس سلفاكير ميارديت، و«النوير» التي ينتمي اليها نائب الرئيس المُقال رياك مشار.


وإضافةً إلى النفط، فإن فقدان الأمن في الجنوب سيصيب حركة التجارة الحدودية بين البلدين بشلل تام، كما ستشهد المناطق الحدودية الشمالية حالات نزوح للفارين من أماكن القتال.
ويبدو أن الحكومة في السودان عاجزة عن حماية مصالحها في جنوب السودان، كما فعلت الولايات المتحدة، حسبما يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة «بحري»، حمد عمر الحاوي.
ففي نظر الحاوي، أي تحرك عسكري للحكومة السودانية سيزيد الأوضاع سوءاً في الجنوب، قائلاً «ليس في مقدور السودان إرسال قوات عسكرية لحماية مصالحه النفطيه في الجنوب نسبة للإرث التاريخي في الحروب بين الشمال والجنوب». وأوضح الحاوي لـ «الأخبار» أن الجيش السوداني لن يكون مُرحبّاً به في الجنوب؛ ليس على مستوى القيادة السياسية والعسكرية فحسب، بل حتى على المستوى الاجتماعي أيضاً.
وفيما يرى خبراء أن المتمردين في جنوب السودان يهددون الحقول النفطية الأساسية لاقتصاد البلاد ما قد يؤدي الى تدخل عسكري من السودان المجاور الذي يعتمد كثيراً على عائدات الذهب الأسود، عبّر الرئيس السوداني عمر البشير أمس عن قلقه من الوضع في جارته ودول اخرى مثل افريقيا الوسطى ومصر وليبيا.
وقال، في احتفال نظمته الرئاسة السودانية، إن «دور السودان تجاه تلك الدول سيكون ايجابياً عبر الدعم حتى يتحقق فيها السلام والاستقرار وتعزيز التعاون وتبادل المصالح المشتركة». لكن حتى الآن، وبحسب تأكيدات سفير جنوب السودان لدى الخرطوم، ماين دوت وول، أمس لوكالة «فرانس برس»، فإن امدادات نفط جنوب السودان عبر خطوط الأنابيب في السودان لم تتأثر بالمعارك الدائرة في بلده، مشيراً الى «ان النفط يُنقَل بهدوء».
ويسود اعتقاد واسع بأن مصلحة الحكومة السودانية هي في بقاء سلفاكير في سدة الحكم، ولا سيما بعد إقصائه للمجموعات غير الراغبة في إقامة علاقات حسن جوار مع الشمال؛ كان أبرزهم تيار الامين العام السابق للحركة الشعبية، باقان أموم، ومشار.
الى ذلك، أكد قيادي في الحزب الحاكم السوداني (المؤتمر الوطني)، أن مصلحة السودان تكمن في وجود حكومة قوية مستقرة غير متناقضة في الجنوب، قائلاً لـ «الأخبار» إن «التيارات التي تقود الصراع الآن ضد سلفاكير هي ذاتها التي عرقلت تنفيذ اتفاقية التعاون المشتركة بين البلدين».
ورأى القيادي ان الجيش السوداني لا يمكنه التدخل الآن في ما يحدث في الجنوب إلاّ إذا طُلب منه ذلك، ناصحاً «الحكومة السودانية بأن تنظر في الموضوع إذا طلب منها الرئيس سلفاكير التدخل العسكري».
لكن حتى الان بدا أن الحكومة السودانية تتدثر خلف ستار الاتحاد الافريقي، حيث اكتفت بايفاد وزير خارجيتها علي كرتي، الى جوبا ضمن وفد وزراء دولة منظمة الايقاد في محاولة لتهدئة الاوضاع.
ويرى محللون أن أكثر ما تستطيع الخرطوم تقديمه في الوقت الراهن هو حشد التحرك الدبلوماسي، سواء كان على المستوى الاقليمي او المستوى الدولي للمساعدة على انهاء التوترات التي تشهدها دولة الجنوب ولم شمل الأفرقاء على طاولة التفاوض.
في هذه الأثناء، تستمر المعارك بين الفصائل المتحاربة، ولا سيما بعد امتدادها لتصل الى إحدى أكبر الولايات المُنتِجة للنفط (الوحدة وعاصمتها بانتيو)، حيث دارت معارك ضارية على بعد كيلومترين من بانتيو بين قوات سلفاكير ومحاربي قبيلة «النوير». وتطغى قبيلة النوير على التركيبة الديموغرافية لهذه الولاية، ما ينبئ بأن الاقتتال سيتنقل الى مرحلة جديدة بين القبائل، يكون فيها النفط لاعباً رئيسياً وورقة ضغط في يد الفصيل الذي يسيطر على مناطق انتاجه، وخصوصاً بعدما هدد مشار، بإيقاف تصدير النفط من ولاية الوحدة بعد إعلان سيطرته عليها أول من أمس.