مهما أعلن باراك أوباما أن «القرن الحادي والعشرين ليس سوى قرن أميركي جديد»، ومهما أقسم إن «الولايات المتحدة لن تكون أبداً في المرتبة الثانية»، ومهما حاول المرشحون الجمهوريون ترداد مقولة «أميركا تقود العالم الحرّ وستقوده لعقود»، وحتى لو أعلن تجّار السيارات الأميركية أن السوق إلى تحسّن (طفيف)، وحتى لو بقيت مضيفات شركة طيران «بان أميركان» يبتسمن في الطائرات وفي أفلام هوليوود... فإن الولايات المتحدة ليست بخير و«إمبراطوريتها» على وشك الانهيار، والحلم الأميركي يتبخّر.


١/٦ من الأميركيين يعيشون على بطاقات الإعاشة، والبطالة تبلغ 8.5٪. الشعب، في معظمه، محبط وغاضب وعاطل من العمل وسوداوي... والسياسيون يكثرون من الكلام على «الزمن المشرق» و«الدور الريادي للولايات المتحدة في العالم»، حتى بات سامعوهم متأكدين أن العكس هو صحيح. والبعض شبّه الزعماء الأميركيين الحاليين بأسطورة «رامبو»، «أبطال مزيّفون يحاولون إقناعنا بأن أميركا قوية ولا تقهر».
وإذا كان مستشارو الإدارة الأميركية قد رأوا في السابق أن نهاية «العهد الأميركي» ستكون بحلول عام ٢٠٥٠، فإن التقارير الاستخبارية والدراسات الاقتصادية وبعض المؤرخين لا يمهلون الإمبراطورية الاميركية أكثر من ١٥ سنة لتنهار كلياً. البعض يرى في وضع الولايات المتحدة اليوم وضعاً مشابهاً للإمبراطورية الرومانية قبيل زوالها، والبعض بدأ يتخيل سيناريو السقوط والمشهد الدولي الجديد الذي سيليه، فيما آخرون يفتشون عن الأسباب التي أدت إلى الانهيار، وقليلون يحاولون بثّ بعض الأمل والإقناع بالعكس... كل ذلك على وقع صراخ المحتجين على السياسات المالية والاقتصادية وأنين من شهد «الحلم الأميركي» وعاش لأجله... ثم فقده.
فمن واكب فورة الستينيات هو اليوم في خيبة، ومن بنى حياته في فقاعة النظام الاقتصادي الحرّ يعيش صدمة، والشباب الذين آمنوا ببلد تحقيق المستحيل مشوشون ومحبطون:
* ٦٩٪ من الأميركيين يرون أن «البلد في حالة انحدار» و٥٧٪ لا يؤمنون بأن أولادهم سيعيشون أفضل منهم و٨٣٪ «قلقون» جدّياً على مستقبل البلد (حسب استطلاع صحيفة «ذي هيل» التابعة للكونغرس الأميركي)، وفي استطلاع أجراه معهد «بيو» للأبحاث، تبيّن أن ٥١٪ من الأميركيين لا يرون أنهم «شعب مميز وأن ثقافتهم أرقى من ثقافة غيرهم» (مقابل ٦٠٪ كانوا يعتقدون ذلك عام ٢٠٠٢).
أما الأرقام الباقية، فتظهر أن الانهيار الأميركي ليس اقتصادياً فحسب؛ إذ تحتل الولايات المتحدة اليوم المرتبة الـ١٢ في التخرّج الجامعي (بعدما كانت في المرتبة الأولى لسنوات)، وتتأخر إلى المرتبة الـ٧٩ في التسجيل المدرسي الابتدائي، وطلابها يحلّون في المرتبة الـ١٧ في مجال العلوم و٢٥ في الرياضيات، وبناها التحتية تأتي في المرتبة الـ٢٤... أميركا حالياً ليست الأولى إلا من حيث نسبة البدانة وعدد المساجين!
«زمن التمايز والاستثناء الأميركي انتهى»، هذا ما يجمع عليه عدد كبير من المحللين الأميركيين. والجوّ الذي ينقله هؤلاء عن الشارع يتحدث عن تشاؤم كبير يسود في النفوس. فالفكرة الطاغية عند الرأي العام الأميركي لم تعد «أن البلد يمرّ بمحنة صعبة» بل «إن هذه هي بداية مرحلة طويلة من الانحدار ستؤدي إلى فقدان أميركا دورها القيادي في العالم». حتى إن البعض حذّر من بداية حالة من التشاؤم الجماعي يصيب الأمة جمعاء.
وحين قرر المحللون عرض الأسباب التي أدت إلى التدهور الاقتصادي ـــــ الاجتماعي الحاصل في الولايات المتحدة، جاءت اللائحة طويلة: منهم من يردّ السبب إلى التوسّع العسكري المبالغ فيه، ومنهم من يشير إلى زيادة حجم الهوّة بين الأغنياء والفقراء وزوال الطبقة الوسطى. البعض يقولون إن المواطنين الأميركيين استدانوا ليعيشوا حياة تفوق قدراتهم، والبعض نبّه إلى غياب اليسار الفاعل، بعضهم يسمّي حرب الخليج الأولى بداية التراجع، والبعض الآخر يلوم جورج والكر بوش على حرب العراق عام ٢٠٠٣ «المكلفة وغير المجدية»، ومنهم من يرجع الأسباب إلى برامج تعليمية «بالية لا تتماشى مع حاجات السوق الحالية»، ومنهم من يلقي المسؤولية على الدول الماضية في زيادة قوتها وتقدمها كالصين والهند. وفي ما يشبه جلد النفس، يرى بعض الأميركيين أن «الولايات المتحدة كانت تعيش في سكرة ازدهارها بعد الحرب العالمية الثانية والانفجار الاقتصادي في الستينيات... حتى إنها لم تفكّر بأي شيء آخر».
لكن هل ستؤدي كل تلك المؤشرات إلى انهيار الإمبراطورية الأميركية فعلاً وانتهاء ما سمّي زمن الإشعاع الأميركي؟ ومتى؟
«شيء ما غريب يحصل في العالم اليوم»، يقول فرانسيس فوكوياما، في مقال في «فورين أفيرز» مع بداية هذا العام. كيف لا، وهو صاحب النظرية التي قدّست كل ما أوقع الغرب اليوم في الهاوية؟ فهو من أرسى الرأسمالية والليبرالية الغربية والاقتصاد الحرّ نماذج، على دول ما بعد الحرب الباردة اعتمادها وتقديسها. كاتب فكرة «نهاية التاريخ» عام ١٩٨٩، يكتب اليوم عن «مستقبل التاريخ». فوكوياما يلاحظ عدداً من الأمور المواكبة للأزمة الحالية ويطرح تساؤلات عن بعض أسس «نظريته» السابقة. الأمر الأول الذي يتوقّف عنده هو غياب اليسار الفاعل في ظل الأزمة الحالية. بنظر الكاتب، «حزب الشاي» اليميني الأميركي هو أكثر شعبوية بكثير من حركة «احتلوا وول ستريت». والحالة نفسها تتكرر في أوروبا؛ إذ إن اليسار يبدو ضعيفاً ومشلولاً، بينما الأحزاب اليمينية تزداد حضوراً وفاعلية، بحسب الكاتب. النقطة الثانية في ملاحظات فوكوياما تتحدّث عن زوال الطبقة الوسطى، وهو سبب أساسي في التدهور الحاصل للديموقراطيات الغربية الليبرالية. الكاتب، الذي سوّق في أوائل التسعينيات للعولمة وهلّل للتقدم التكنولوجي على أنه الطريقة الفضلى لنشر مبادئ الديموقراطية حول العالم، يرى فيها اليوم وسيلة تهدد بتدمير الطبقة الوسطى. فوكوياما يسأل في نظريته الجديدة: ماذا لو كان الاقتصاد المعولم هو عدو الديموقراطية الليبرالية وليس خادمها؟
ومن المنظّر السياسي تنتقل الصورة السوداوية إلى تقرير استخباري يرسم ملامح المستقبل القريب للعالم والولايات المتحدة، ويُنتظر أن ينشر بعد انتهاء الانتخابات الأميركية. الدراسة الصادرة عن «مجلس الاستخبارات القومية»، المرتبط بمدير الاستخبارات القومية وبالرئيس الأميركي مباشرة، هي بعنوان «المسارات العالمية ٢٠٣٠». وهي حسب الكاتب ديفيد إغناتيوس، الذي شارك في ندوة مناقشة حول مضمونها، متشائمة إلى أقصى الحدود. فهي خامس دراسة من نوعها منذ عام ١٩٩٦، لكنها الأولى التي تشكك جذرياً بقوة الولايات المتحدة ومكانتها في العالم. «هناك تغيّر في دور الولايات المتحدة وفي أدوار القوى الصاعدة تجاه الأحداث المقبلة»، يقول ماثيو بوروز الكاتب الأساسي للدراسة الاستخبارية. وفي الشق الاقتصادي، تقدم الدراسة، سيناريو قاتماً للنمو الاقتصادي الأميركي بنسبة ٢,٧٪ سنوياً بين عامي ٢٠١٠ و ٢٠٣٠، هذا في أحسن الأحوال. لكن النظرية نفسها لا تخفي مشكلة أكبر، هي أن تصاب منطقة اليورو بانتكاسة تولّد أزمة مالية كبيرة تصل ارتداداتها إلى الولايات المتحدة التي سيتدنى مستوى نموها الاقتصادي إلى ١,٥٪ في عام ٢٠٣٠.
سياسياً، طرح مناقشو الدراسة مشكلتين: الأولى تراجع دور الولايات المتحدة في السياسة العالمية، ما يمثّل «أكبر تهديد لأمنها القومي»، والثانية النظام السياسي والمجموعة الحاكمة في الولايات المتحدة، التي «فشلت حتى الآن بإيجاد الحلول التي يمتلكها أغلب منافسيها».
كيف ستسقط إذاً أكبر الديموقراطيات وأضخم اقتصاد حرّ في العالم؟
وضع أستاذ التاريخ، الكاتب الأميركي، ألفرد ماكوي، على موقع «صالون»، ٤ سيناريوات لكيفية انتهاء الإمبراطورية الأميركية بين عامي ٢٠٢٠ و ٢٠٢٥، هي:
١ـــــ انحدار اقتصادي: وهو بدأ حالياً مع التراجع الأميركي الكبير في الصادرات وفي مجالات الإنتاج والتطور التكنولوجي. الكاتب يكشف عن تفوّق الصين مثلاً في الاختراعات التكنولوجية في كافة المجالات، وأخيراً في التكنولوجيا العسكرية. أضف إلى ذلك تراجع مستوى النظام التعليمي الأميركي الذي لم يعد يخرّج مبدعين في المجالات العلمية. والعامل الثالث سيكون اهتزاز قيمة الدولار بين العملات الباقية وانعدام الثقة العالمية بالاحتياط المالي للدولار الأميركي. وابتداءً من سنة ٢٠٢٠ لن تعود الولايات المتحدة قادرة على دفع فواتيرها وديونها، فيما عملتها تتدهور، ما سيدفعها إلى تقليص حجم ميزانيتها العسكرية الضخمة وسحب قواتها من مختلف بقاع الارض، الأمر الذي سيؤدي إلى جدل وانقسام سياسي كبير داخل الولايات المتحدة. ومع ازدياد حدّة البطالة والأزمة الاقتصادية، ستنشب خلافات عنيفة بين مختلف المجتمعات على الأراضي الأميركية. وفي هذه الاثناء، سيكون العالم مشغولاً بصعود الصين والهند وروسيا وإيران كقوى عالمية جديدة، ولن ينتبه لسقوط الإمبراطورية الأميركية التي تتخبط بمشاكلها الداخلية.
٢ ـــــ أزمة نفطية: ينطلق هذا السيناريو من واقع اعتماد الولايات المتحدة كثيراً على النفط لغاية اليوم، ويشير كذلك إلى أن روسيا وإيران ستكونان قريباً أكبر منتجين للغاز في العالم. الكاتب ينطلق أيضاً من فرضية تراجع الدولار الأميركي في ظل الأزمة المالية المستفحلة وتحوّل المملكة العربية السعودية ودول الخليج المصدرة للنفط إلى توقيع عقود طويلة الأمد مع الصين، لا مع الولايات المتحدة. كذلك ستعاني الخزينة الأميركية ازدياد سعر استيراد النفط بالدولار. يضاف إلى ذلك زوال نظرية ضرورة الحماية الأميركية لحقول النفط الخليجية، ما سيضطر أميركا إلى سحب أساطيلها من الخليج. بدورها، ستطلب بريطانيا من الولايات المتحدة سحب أسطولها أيضاً من المحيط الهندي. ومع حرمانها النفط والغاز واهتزاز عملتها وسحب أساطيلها من البحار وتعثر تجارتها البحرية، ستكون الولايات المتحدة قادرة على الاستمرار بطاقاتها البديلة فحسب، التي ستوفر لها ١٢٪ فقط من الطاقة التي تحتاج إليها.
٣ ـــــ مغامرة عسكرية غير محسوبة: هذا السيناريو يطرح حروباً عسكرية تفتعلها الولايات المتحدة في ردّ فعل على أزمتها الداخلية وتتكبّد فيها خسائر كبرى، إن في أفغانستان أو في الشرق الأوسط.
٤ ـــــ حرب عالمية ثالثة: الكاتب يعرض في هذا السيناريو تصاعد حدة التوتر العسكري بين الولايات المتحدة والصين. والحرب العالمية الثالثة التي ستنشب في عام ٢٠٢٥، ستكون حرباً تكنولوجية. وفي أحد الأيام ستتعطل فجأة كل الشاشات في مركز القوات الجوية الأميركية، كما في قاعدة التحكم الإلكتروني... والسبب؟ فيروسات إلكترونية صينية ستهاجم الأقمار الصناعية والأنظمة الأميركية فتشلّ مفاصل القوة الدفاعية والهجومية الأميركية. وعندما يحاول الجيش الأميركي استخدام قواته الحربية التقليدية ستستبق الصين ذلك بتعطيل عملياته عبر محطاتها الفضائية وراداراتها وأجهزة الروبوتات التي طورتها لصدّ هجوم مماثل. وهكذا ستفوز الصين في الحرب من دون سقوط أي ضحية بشرية.
ماذا عن القوى البديلة والنظام العالمي الجديد؟
لم يطرح أحد بعد تصوراً واضحاً ونهائياً لشكل العالم بعد سقوط الإمبراطورية الأميركية، لكن دولاً كالصين والهند وروسيا وإيران تطرح كأجزاء أساسية في التركيبة الدولية الجديدة. مستشار الأمن القومي السابق، المحلل السياسي، زبيغنيو بريجينسكي، يجزم بأنه لن تكون هناك قوة عظمى بديلة تحلّ محلّ الولايات المتحدة في قيادة العالم، بعد سقوط الأخيرة. وبنظره، كل أسماء الدول المطروحة لن تكون جاهزة لأداء دور ريادي في السياسة والاقتصاد الدوليين، مثلما فعلت الولايات المتحدة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. بريجينسكي يرى للعالم مستقبلاً مظلماً؛ إذ «يتبخّر الحلم بعالم ديموقراطي لحساب مزيج من السلطوية والقومية والدين».
السياسي الأميركي ـــــ البولندي يعدد ثماني دول متضررة من انحسار النفوذ الأميركي في العالم، ومنها يذكر إسرائيل والشرق الأوسط الكبير. وهنا يحذّر من أن انحدار دور الولايات المتحدة في هذه المنطقة سيؤدي إلى تصاعد الضغوط الشعبوية الداخلية في الدول، وحدوث اضطرابات اجتماعية وبروز التطرف الإسلامي. الكاتب يرى مواجهة عسكرية كبيرة بين إيران وإسرائيل، ويحذّر من دور حزب الله وحركة «حماس» فيها. وبالتالي يتوقّع أيضاً حصول أزمة نفطية، فيما تضعف الدول الحليفة للولايات المتحدة في الخليج.




«نحن الـ ٩٩٪»

«نحن الـ ٩٩٪ من الشعب الأميركي. نحن من نُطرد من منازلنا. نحن من نجبر على الاختيار بين شراء الخضار أو دفع الإيجار. نحن من لا يستطيع الحصول على خدمات طبية جيدة. نحن من نعاني من بيئة ملوّثة. نحن من يعمل لساعات طويلة لقاء أجر زهيد ومن دون أي حقوق، هذا إذا وجدنا عملاً. نحن من لا يحصل على شيء، فيما الـ١٪ الآخرون يحصلون على كل شيء». هذه هي صرخة آلاف المواطنين الأميركيين التي دوّت في أرجاء الولايات المتحدة خلال العام الماضي في تحركات شعبية كانت عناوينها «احتلّوا وول ستريت» و«نحن الـ ٩٩٪». وفي هذا الإطار، تشرح مجلة «كومن ويلث» الاقتصادية ـــــ السياسية الوقائع الاقتصادية التي دفعت بهؤلاء للنزول إلى الشوارع والاحتجاج، وتقول إن ٢٠٪ من المداخيل الأميركية تذهب لـ١٪ فقط من المجتمع، أي إن مجموعة صغيرة فقط من المواطنين تستفيد من أموال الدولة وثرواتها. المجلة تستند إلى عدد من الدراسات وتشرح كيف سيؤدي التوزيع غير العادل للثروات في المجتمع الأميركي إلى تأخر النموّ الاقتصادي.
شراء منزل، وإجراء الفحوص الطبية، واستكمال التحصيل العلمي، وإيجاد فرصة عمل... كل ذلك يبدو من الصعب تحقيقه اليوم، ويبدو في بعض الأحيان أمراً مستحيلاً.