ليست المرة الأولى، ويُرجَّح ألا تكون المرة الأخيرة، التي تضرب فيها جماعة «بوكو حرام» الإسلامية بقوة من خلال الهجمات والتفجيرات التي تستهدف عدداً من النقاط الحيوية في نيجيريا. هذه المرة استهدفت الجماعة المتشددة مدينة كانو، ثانية أكبر المدن النيجيرية، بسلسلة هجمات منظمة دامية استهدفت عدداً من المراكز في المدينة ذات الغالبية المسلمة، ضمّت مراكز للشرطة ومقار إدارية تابعة لدوائر الجنسية والهجرة. وقد أدت الهجمات إلى أكثر من 200 قتيل، وذلك رداً على رفض السلطات النيجيرية إطلاق سراح معتقلي «بوكو حرام».

وتيرة الهجمات والعمليات التي روّعت نيجيريا ارتفعت ارتفاعاً ملحوظاً خلال الأشهر القليلة الماضية، إذ أدّت حصيلة عمليات أعياد الميلاد ضدّ عدد من الكنائس المسيحية، إلى سقوط مئات القتلى. وقبلها سُجِّل هجوم على فرع الأمم المتحدة، في أول هدف دولي تستهدفه كرسالة إلى حلفاء النظام الغربيين، ما يجعل نيجيريا، الدولة الأكبر من ناحية الكثافة السكانية في القارة السمراء، وأكبر منتج للنفط، تحبس أنفاسها وتتوقع الأسوأ من التنظيم الأشرس والأكثر عنفاً في القارة بأكملها، ما دفع بالرئيس، جودلاك جوناثان، إلى إعلان حالة الطوارئ في عدد من المناطق.
بدأ نشاط الجماعة في الظهور عام 2002، منذ أسّسها الإمام محمد يوسف، في مدينة «مايدوغوري»، وذلك في شمال البلاد ذات الغالبية المسلمة، بمنهاج أقرب ما يكون إلى ما تتبناه حركة «طالبان» في أفغانستان، أو بتعبير آخر إلى الفكر السلفي الجهادي. ومن تسمية التنظيم، يمكن فهم فكر الجماعة، فـ «بوكو حرام» بلغة الهوسا المحلية، تعني «تحريم التعليم الأجنبي»، أو بتعبير آخر تحريم كل ما لا يمت إلى الإسلام، والعمل على محاربته بالقوة بغية التطبيق الحرفي للشريعة الإسلامية، وإقامة الإمارة الإسلامية في نيجيريا، بما فيها الجنوب المسيحي، الذي هُمِّش الشمال المسلم على حسابه.
اتخذ شكل البدايات والتأسيس طابعاً يمكن وصفه بالنخبوي، إذ تكوّنت الجماعة فقط من أصحاب المستوى التعليمي المتميز، من متخرجين من الجامعات والمحصلين للشهادات العليا، المنتمين إلى الطبقات الوسطى والميسورة، بعدما استقطبهم الإمام محمد يوسف، الذي كان يشرف على مدرسة لتعليم القرآن أنشأها. مدرسة عمد الإمام إلى تسييسها بعدما كان الهدف منها في البداية تعليم أبناء الطبقات الفقيرة تعليماً إسلامياً. هكذا، تجمّع ما يقارب 200 شخص في مخيم على الحدود مع النيجر في قرية «كاناما»، ومن هناك أطلقوا الشرارات الأولى للعمل الجهادي المسلح، فنفّذوا عمليات نوعية ضد مراكز الشرطة، كاختطاف وقتل رجال أمن محليين تحت اسم «جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد»، لتتحول إلى الاسم الشائع الذي أطلقه عليها السكان المحليون «بوكو حرام».
لكن رغم كل ذلك، لم تتخذ هجمات التنظيم طابعاً راديكالياً إلا في السنوات الأخيرة، بعد مقتل الإمام محمد يوسف. ويعود الأمر إلى عام 2009، بعدما شنّت «بوكو حرام» سلسلة هجمات دامية في 26 تموز على عدد من مدن الشمال النيجيري، لتكتشف السلطات القوة الحقيقية للجماعة، وليقرر الجيش بدء عملية عسكرية ضدها بهدف الإنهاء الكلي لوجودها. بناءً عليه، خاض الجيش قتالاً شرساً في منطقة مايدوغوري، استمر خمسة أيام، نجحت خلالها قوات السلطة في إلحاق خسائر كبيرة بمقاتلي الجماعة، ودحرهم خارج المنطقة المذكورة، وذلك في مواجهات أدت إلى سقوط ما يزيد على 700 قتيل، معظمهم من المقاتلين الإسلاميين. مواجهات اعتُقل على أثرها الإمام محمد يوسف، الذي أعدمته قوات الجيش في سجنه، وبث التلفزيون النيجيري صوره ميتاً، وأعلنت الدولة أنها أنهت على نحو نهائي أي وجود للجماعة، لكن هذا كان بعيداً عن الواقع، إذ أعلن بعدها القائد الجديد، أبو بكر شيكاكو، «الجهاد الأكبر» في نيجيريا، وتوعّد بردّ قاس على السلطات، بعدما اعترف بالهزيمة في مايدوغوري.
ومع تشديد السلطات النيجيرية الخناق على عناصر «بوكو حرام»، اضطر عدد كبير منهم إلى الهروب إلى عدد من الدول الأفريقية المجاورة، كالنيجر والتشاد. ودخلت الجماعة شهوراً من السبات لإعادة تنظيم صفوفها ومعاودة تنفيذ عملياتها. ونجحت في 2010 بتنفيذ هجوم على سجن مايدوغوري، حيث حرّرت المئات من أنصارها، لتتضاعف بعدها أعداد التفجيرات الانتحارية والاغتيالات التي استهدفت سياسيين وقادة في الجيش والشرطة ورجال الدين الذين يعارضون الإيديولوجيا الجهادية، وليصبح المسيحيون وكنائسهم هدفاً رئيسياً لمخططات «بوكو حرام».
وسّعت الجماعة التي كانت تنشط حتى منتصف أيار 2010 في شمال نيجيريا فحسب، من نطاق أنشطتها لتستهدف مدناً أخرى في البلاد، وخصوصاً في أبوجا، فيما أصبحت ارتباطاتها الخارجية بجماعات وتنظيمات تلتقي معها فكراً وعملاً، أكثر متانةً. واعترفت الجماعة في أحد بياناتها بأن عدداً من مقاتليها قد تلقّوا تدريبات في الصومال إلى جانب «حركة الشباب»، وفيما لم يسبق أن لمحت «بوكو حرام» إلى ارتباطاتها بتنظيم «القاعدة»، فإن التحول في سلوكها خلال الأشهر الأخيرة، واللجوء إلى أسلوب التفجيرات، يشيران إلى علاقة مباشرة أو تنسيق مع «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي».
كذلك لا تجد «بوكو حرام» أي حرج في الدفاع عمّا تقوم به، وهي تعدّه شرعياً، بدليل قول زعيم الجماعة أبو بكر شيكاكو إن الهجمات على المسيحيين «مبررة كرد فعل على ما يتعرض له المسلمون في نيجيريا». لكن في الجهة المقابلة، يتبرّأ مسلمو نيجيريا من أفعال التنظيم. ويشير الشيخ عبد الرحمن أحمد، أحد رموز مسلمي هذه الدولة، إلى أن ما تقوم به «بوكو حرام» لا يمت إلى الإسلام بصلة، ويعرب عن أسفه لما تعرّض له المسيحيون، ويجزم بأنه «لا يوجد أي مشكلة أو صراع بين المسلمين والمسيحيين، واهتماماتنا المشتركة تتركز على محاربة الظلم والرشوة».




التمويل ومخاوف الغرب


طُرحَت أسئلة كثيرة عن مصادر تمويل «بوكو حرام»، وكيف استطاعت الصمود كل هذا الوقت رغم تشديد الخناق عليها من طرف السلطات. الاستخبارات النيجيرية تحدثت عن دعم كبير يقدم إليها من طرف بعض السياسيين في شمال البلاد، إذ لا يعجبهم أن يحكم البلد رئيس مسيحي، وخصوصاً بعد تسلُّم الرئيس أوليسيجان أوباسانكو ولايتين سابقتين، وهي معلومات أكدها أحد عناصر «بوكو حرام» المعتقل حالياً. الخطر الذي باتت تمثّله الجماعة التكفيرية على استقرار بلد لطالما عدّه الغرب «شريكاً استراتيجياً» في القارة السمراء، قضّ مضاجع الولايات المتحدة وفرنسا، وجعلهما تعرضان الخدمات لتدريب القوات النيجيرية على أحدث تقنيات محاربة الإرهاب، والعمل على تزويد الجيش والشرطة بالأسلحة والمعدات. حتى إن وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه (الصورة) عرض على أبوجا دعماً عسكرياً مباشراً للقضاء على «بوكو حرام».
في هذا الوقت، لا تزال التهديدات مستمرة، والعمليات العسكرية التي نفذتها السلطات أثبتت فشلها في احتواء تنظيم منظم على نحو محكم، فيما تسري مخاوف من اندلاع حرب أهلية جديدة في البلاد، إذا ما نفّذت الجماعة تهديداتها باستهداف الجنوب.