انخفضت حدة التوتر في الخليج على نحو مفاجئ. هدأت الحرب الكلامية الإيرانية المعلنة. نغمة التصريحات باتت أكثر انسيابية. استُبدلت مقولة «إننا نحذّر مرة واحدة فقط»، بأخرى تؤكد أن «الأميركيين أصلاً موجودون في المنطقة». تحوّل بدا تمهيداً لدخول حاملة الطائرات الأميركية الجديدة مضيق هرمز. القوات المسلحة الإيرانية لم تحرك ساكناً... وتنفس العالم الصعداء.

«وكأنك يا أبو زيد ما غزيت»، على ما يقول المثل العربي الشهير. «هذا رأيكم أنتم معشر الصحافيين والمراقبين»، يجيب المعنيون في طهران، «أما نحن فحساباتنا مختلفة». وعلى ماذا تقوم حساباتكم هذه؟ «حصلنا على ما نريده. أُبلغنا رسمياً بأن لا نية في شن حرب علينا. لا حظر نفطياً في الوقت الراهن. جرى التوافق على مفاوضات وشيكة في إسطنبول. نجحنا في فرض معادلة وقواعد اشتباك جديدة في هرمز. وسنغلق المضيق مجدداً في خلال مناورات الحرس (الثوري) الشهر المقبل».
كيف جرى ذلك كله وأين؟ الجواب يبدو جاهزاً:
أولاً، معروف أن (الرئيس الأميركي باراك) أوباما بعث إلينا برسالة مكتوبة عبر قنوات ثلاث. هي بالأحرى رسالة متعددة الرسائل. إحدى هذه القنوات كانت السفارة السويسرية في طهران التي ترعى المصالح الأميركية. عندما سلّمت السفيرة السويسرية، لیوییا لفي أغوستي، الرسالة المكتوبة للسلطات الإيرانية، أرفقتها برسالة شفهية من الرئيس الأميركي يؤكد فيها أنه يعترف بالحقوق النووية لإيران، لكنه يضيف أن هذا الاعتراف بحاجة إلى المزيد من التفاوض لطمأنة المجتمع الدولي إلى عدم وجود انحرافات في البرنامج النووي الإيراني أو أي نزعة نحو عسكرته. ويضيف أوباما، بحسب أغوستي نفسها، مخاطباً الإيرانيين، أن عليهم أن يدركوا أن التصعيد الأميركي في هذه الفترة ليس نابعاً من رغبته هو، بل من ضغوط الكونغرس ومتطلبات الحملة الانتخابية. هو يدعو إلى الحوار باعتباره أفضل وسيلة للتوصل إلى حل، لكنه في الوقت نفسه كل الخيارات على الطاولة. وأخيراً، يؤكد أوباما، في رسالته، أن الإيرانيين يستطيعون إغلاق مضيق هرمز ساعة يشاؤون، لكن الأميركيين يستطيعون فتحه أيضاً ساعة يشاؤون، ليخلص إلى أن اللعبة الحالية التي تجري بين إيران والولايات المتحدة نتيجتها «خسارة ـــــ خسارة» (أي خسارة للطرفين)، وهو يدعو الإيرانيين إلى تغيير الآلية لتصبح «ربح ـــــ ربح».
ثانياً، صحيح أن الدول الأوروبية فرضت حظراً على النفط الإيراني. هذا ما يبدو في الشكل. لكنه عملياً بلا أي قيمة لسببين: تنفيذه يبدأ في الأول من تموز المقبل. أنتم ترون أن حظراً نفطياً فُرض على إيران سيبدأ تنفيذه بعد ستة أشهر. نحن نرى أنه لا يزال أمامنا ستة أشهر ليبدأ الحظر النفطي، وهذا يفقده قيمته العملية؛ لأنه من الآن حتى حلول موعد التنفيذ يخلق الله ما لا تعلمون. وهناك مشكلة ثانية أوروبية الطابع، وهي أن كثيراً من المصافي النفطية الأوروبية، إنما هي متخصصة بفلترة النفط الإيراني، وهو نفط ثقيل من نوع خاص، وهي بالتالي لا تصلح للأنواع الأخرى من النفط، مثل النفط الخفيف الموجود من البلدان العربية. وللدلالة على مدى عمق الأزمة التي يتوقع أن تعانيها أوروبا جراء حصار كهذا، أن المشرعين الإيرانيين قدموا منذ اليوم مشروع قانون لمجلس الشورى يستبق بدء تنفيذ الحظر الأوروبي ويطالب بفرض حظر على تصدير النفط إلى كل دولة تعتزم فرض حظر على وارداتها من النفط الإيراني. لا يعني ذلك أننا لم ولن نتأثر بما يجري على المستوى الاقتصادي، لكن نريد أن نقول إن مستوى الأذى الذي سيلحق بالدول الأوروبية أكبر بأضعاف من الذي سيلحق بنا، وإن الأوروبيين، في ظل الأزمة التي يعانونها، أقل قدرة على التحمل منّا.
ثالثاً، بات معروفاً أن إيران قد اتفقت مع مجموعة 5 + 1 على استئناف المفاوضات النووية في وقت قريب، علماً بأن ذلك يجري وفق شروط طهران التي أبلغت المعنيين بأن ليس لديها أي مطالب من الطرف المقابل.
رابعاً، ولعلها النقطة الأكثر أهمية، أن مسألة إغلاق مضيق هرمز لا تعني إعلان حرب أو التدحرج نحو حرب. الهدف من إغلاق المضيق خلال المناورات التي جرت أواخر العام الماضي، وطرد حاملة الطائرات الأميركية وتهديدها، إنما كان يرمي إلى إظهار قدرة الردع الإيرانية، وهذا قد حصل واعترف به الأميركيون. لكن استخدام الردع، الذي يعني حكماً فتح حرب، ليس سياسة إيران.
خامساً، فرضنا معادلة جديدة اعترف بها أوباما في رسالته: يمكننا إغلاق المضيق ويمكنكم فتحه، لكن بالحالين هذا يعني أن المضيق غير آمن. معادلة جديدة وقواعد اشتباك جديدة. وكل هذا لا يعني أن طهران ستفتح حرباً، بل يعني أنها تستطيع أن تعلن حرباً كهذه، ساعة تقرر ما دامت تمتلك القدرة.
المعنيون أنفسهم يؤكدون أن «دخول حاملة الطائرات الجديدة هرمز لم يحصل تلقائياً، بمعنى بمجرد أن قرر القبطان فعل ذلك. دخلت وساطات وجرى تبادل رسائل، أدت إلى التهدئة، التي لا تنحصر فقط بمضيق هرمز. في النهاية، قالوها صراحة إن الأولوية بالنسبة إليهم للحوار. استنفروا فرددنا، هددوا فهددنا. أوقفوا تهديداتهم فأوقفنا تهديداتنا».
مصادر إيرانية معنية وأخرى إقليمية متابعة تشير إلى أن زيارة وزير الخارجية الإيراني علي أكبر صالحي لتركيا أخيراً أدت دوراً مهماً في هذا الإطار. والحديث يدور حول أن صالحي لمس، في خلال زيارته تلك، أن أنقرة، رغم تخبطها في الملفين السوري والعراقي، ورغم تهديداتها العلنية، رضخت أخيراً لحقيقة أنها لا تستطيع أن تفعل شيئاً في المعادلة السورية والعراقية والخليجية والمنطقة عموماً، من دون عاملين بالغي الأهمية: إيران التي تمسك بالعراق ومضيق هرمز، وروسيا التي تمسك بسوريا والبحر المتوسط، وكلتاهما تلتقيان على منع الأحادية الأميركية من ترتيب أوضاع المنطقة. هناك من يتحدث عن أن سلسلة كبيرة من التفاهمات، يتجاوز إطارها الجغرافي تركيا وإيران، قد جرى التوصل إليها خلال هذه الزيارة، بينها على سبيل المثال لا الحصر أن ينوب النظام المصرفي التركي عن النظام المصرفي الإيراني في التعاملات النفطية لطهران. وفي هذا الإطار، اتُّفق على أن يتولى بنك الشعب التركي تحصيل مستحقات إيران من الهند التي تستورد سنوياً ما قيمته 11 مليار دولار من النفط.
وهناك من يتحدث عن «تحول جوهري» في الموقف التركي يحتاج إلى وقت لكي يظهر إلى العلن. إرهاصات هذا التحول، بحسب هؤلاء، المشاورات شبه اليومية على خط أنقرة ـــــ طهران ـــــ موسكو لإيجاد صيغة حل للملف السوري خارج إطار التحالف القطري السعودي الأميركي. المغالون في التفاؤل من «مبدئية هذا التحول» يجازفون بالحديث عن مراجعة نقدية تجريها أنقرة في الوقت الراهن ويُرجّحون أن تُفضي إلى اقتناع بأن «لا مجال لأي تغيير في سوريا من دون بشار الأسد الذي بات واضحاً أن البديل له ليس سوى الحرب الأهلية». يقولون إنهم لمسوا استعداداً تركياً لتطبيق معادلة «ساعِدنا (الأسد) لكي نساعدك بالتنسيق مع روسيا وإيران، وهذا يبدأ بوقف العنف المتبادل وإطلاق المعتقلين وسحب الجيش من الشوارع، وإجراء تغييرات على مستوى التعددية الحزبية في البلد، وتأليف حكومة وحدة وطنية تستجيب لتطلعات المعارضة الوطنية في الداخل». ويأمل هؤلاء أن تتكلل هذه المشاورات بالتوصل إلى «صيغة توافقية بين المعارضة الوطنية والحكم، تؤدي إلى حل سوري من دون أي تدخل أجنبي».
لكن ألا تتناقض هذه المعطيات وهذه الآمال بالأزمة المتصاعدة بين أنقرة وبغداد، وخاصة أن جزءاً من أسبابها متعلق بسوريا؟ يأتي الجواب بالنفي. «صحيح أن المشكلة العراقية التركية بدأت سورية الخلفية، وذلك عندما قررت الحكومة العراقية مساندة نظام الأسد، والضغط على حكومة أنقرة. لكن التصعيد الأخير مرتبط حصراً بالواقع السنّي العراقي الداخلي، وعلى وجه الخصوص ملف نائب الرئيس طارق الهاشمي». وما زاد الطين بلّة أن الخلاف، الذي بدأ خلافاً بين حكومتين، سرعان ما اتخذ طابعاً شخصياً بين رئيسي وزراء البلدين نوري المالكي ورجب طيب أردوغان.
وتتحدث مصادر متقاطعة عن أن «اتصالاً هاتفياً جرى بين الرجلين نهاية الأسبوع الماضي، كان متوتراً جداً وبلغ حد تطاول كل منهما على الآخر». وتوضح أن «الخلاف بدأ عندما طلب أردوغان من المالكي وضع حد للمشكلة مع الهاشمي ووقف الملاحقات القضائية بحقه. عندها قال له المالكي: ألم تعتقل أنت قائد أركان الجيش التركي. فأجاب: طبعاً، لكنه تآمر عليّ. فرد المالكي: هي الحالة نفسها، الهاشمي تآمر علي أيضاً. وطالب نظيره التركي بأن يحل مشاكله الداخلية والكف عن التدخل في مشاكل الآخرين، مضيفاً أن لتركيا نحو تسعة مليارات دولار من الاستثمارات في العراق عليه أن يبحث عن طريقه لأن يحميها فيها بدل وضع أنفه في شؤون الآخرين».




احتكار للعملات الصعبة


وفي أعقاب قرار الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات على قطاعي النفط والمال الإيرانيين، وافق الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد أمس على رفع نسبة الفائدة المصرفية إلى 21 في المئة، بينما حذر وزیر الاقتصاد في حكومته، شمس الدین حسیني، «بشدة أشخاصاً في الداخل یعملون علی تأزیم الوضع الاقتصادي في البلاد». وقال «هناك من یعمل علی احتكار كمیات كبیرة من العملة الصعبة والمسكوكات الذهبیة خدمة لمصالحهم الخاصة وجني مزید من الأرباح»، وطالب القضاء الإیراني بـ«التصدي لهم».
ونفى حسيني الأنباء التي تتحدث عن عجز في میزانیة الحكومة، ما سبّب ارتفاع أسعار صرف العملات الأجنبیة، وقال إن الحكومة الإیرانیة «لا تواجه أي عجز في المیزانیة.. وإنها لیست وراء ارتفاع سعر صرف العملة الصعبة في البلاد، بل ترفض ذلك بقوة».