دافوس | في سياق أعمال المنتدى العالمي الاقتصادي المنعقد في دافوس، والذي يُخصص هذه السنة للبحث في إيجاد نظام اقتصادي بديل للنظام الرأسمالي في شكله الحالي، انتقد رئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون، مقترح ألمانيا وفرنسا المتعلق بفرض ضريبة على المعاملات المالية العالمية، ورأى أن هذه الضريبة «ستكون كارثية على الاقتصاد الأوروبي، الذي يعاني أصلاً من ضعف في مقدراته التنافسية».

وعرض كاميرون مقترحاً بديلاً لتحسين أداء الاقتصاد الأوروبي عبر تقوية تنافسيته. لكن انتقاداته للضريبة على المعاملات المالية اعتُبرت من قبل باقي الدول الأوروبية «ردة فعل أنانية، مردها إلى كون لندن إحدى الأسواق المالية الأهم في العالم».
ولم تمض سوى ساعات قليلة من بدء أعمال المنتدى، الذي يحضره هذه السنة 2600 مشارك، حتى عاد السجال الأوروبي إلى الواجهة بين ممثلي 26 بلداً أوروبياً يؤيدون الاندماج الأوروبي الكامل، وبين بريطانيا التي «لا ترى في أوروبا إلا سوقاً اقتصادية لتسويق سلعها».
ومن المرتقب أن يحتدم الجدل بخصوص كيفية معالجة أزمة النظام الرأسمالي في الأيام المقبلة، ضمن ما يمكن اعتباره «جولة تسخينية» للجدل الذي سيرافق القمة الأوروبية المرتقبة في 30 كانون الجاري في بروكسل، والتي ستخصص للبحث في سبل إعادة إحياء النمو الاقتصادي في أوروبا.
اعتراف منتدى دافوس، الذي يعد تقليدياً قلعة عالم المال العالمي، بضرورة التأسيس لنظام عالمي جديد يكون أكثر عدلاً وإنسانية، يشكل اعترافاً غير مسبوق من النخب اللبيرالية بفشل النظام الرأسمالي في شكله الحالي، والذي تسيطر عليه المضاربة والاقتصاد الافتراضي الذي لا علاقة له بالاقتصاد الفعلي المنتج. فخلال السنوات العشر الماضية تم، مثلاً، بيع وتبادل كميات من النفط في أوساط المضاربة المالية تفوق بمقدار 25 في المئة ما هو متوفر فعلياً في سوق إنتاج النفط. لذا، تعالت أصوات العديد من الخبراء، خلال هذه الدورة من دافوس، للمطالبة بوضع حد لهذا النوع من «اقتصاد المضاربة»، الذي يبيع سلعاً افتراضية لا مقابل لها في «الاقتصاد الواقعي».
ويرى الخبراء أن آلية النظام الرأسمالي العالمي الحالي ستكون خطراً على حياة الإنسان، وخاصة عندما ستصل نسبة سكان المعمورة إلى 9 مليارات نسمة في المدى القريب، في حين أن موارد الأرض لا تتوفر فيها إمكانية كافية لتأمين الغذاء للجميع اذا استمر العمل بالأسلوب النيوليبرالي الذي يدار به الاقتصاد العالمي حالياً، والذي لا يُعنى بالإنتاج وتلبية حاجيات الإنسانية بل يغلب على ذلك منطق المضاربة ومراكمة الأرباح.
بالإضافة إلى كل هذه التطورات، تأتي إشكالية الطاقة التي يرتعش منها الساسة عند ذكرها، وهي محل مناظرات عديدة لمعرفة هل الطلب الذي سيتزايد على استهلاك الطاقة من الآن الى سنة 2050 ستتم تلبيته من المخزون الطبيعي الحالي؟ الإجابة تحمل العديد من المعطيات الكثير منها موضوع تحت السرية الكاملة.
لكن المناقشات التي دارت في اليومين الأولين ما زالت تظهر الكثير من التناقضات. ويوجّه الانتقاد بالدرجة الأولى إلى غياب صارخ لدور السياسيين في قيادة العالم، فكل ما يقوم به السياسيون الحاليون، الذين تنعدم فيهم الكاريزما، هو ترقيعي وآني ويفتقر إلى الرؤية الثاقبة.
ما كان مجرد فكرة لدى المناهضين للعولمة أصبح اليوم على جدول أعمال كل السياسيين ورجال المال والأعمال باعترافهم الصريح في منتدى دافوس لهذه السنة بفشل النظام الرأسمالي وبضرورة الإسراع في تعويضه قبل الانهيار الشامل. النقاشات التي دارت في اليومين الماضين لم تخرج عن إطار الأزمة المالية التي أصبحت اقتصادية، وتعاني منها الدول الأوروبية عبر ما يسمى أزمة الديون السيادية.
أما البلدان العربية، فحضر الكثير من زعمائها ورموزها، من الامين العام السابق للجامعة العربية عمرو موسى إلى أمير قطر حمد بن خليفة، مروراً برئيس وزراء العراق نوري المالكي، وصولاً إلى وفد سعودي مكوّن من 28 عضواً برئاسة الأمير تركي الفيصل، للبحث عن حضور عربي ومشاركة محتملة في إعادة تشكيل النظام العالمي الجديد، ولا سيما بعد «الربيع العربي» الذي تحدّث عنه عدد من الزعماء العرب في مختلف مداخلاتهم ضمن المنتدى، كتجربة حطمت الأنظمة السياسية القديمة التي جعلت من المنافسة والتقرب من الرأسمالية مركز وأساس وجودها. وهمشت شرائح اجتماعية واسعة سلطت عليها الظلم السياسي والغبن الاجتماعي والقمع البوليسي الأمني، فسقط في احتجاج شعبي واسع أطاحها، وهي خير دليل على سقوط النظام الرأسمالي في شكله التابع، فمناقشة تجربة الثورات العربية مهمة في دافوس ويصغى اليها بكل احترام لأن دلائلها هي عنوان المنتدى.