الخرطوم | لا تزال الهوّة بين السودان ودولة جنوب السودان عميقة، إذ لم تُفلح في ردمها جولات التفاوض التي نشطت بين الطرفين منذ إعلان تكوين دولة الجنوب قبل التوصل الى اتفاق على عدد من القضايا العالقة؛ فقد أخفق مسؤولو الدولتين في التوصل إلى اتفاق بشأن قيمة الرسوم التي يتعيّن أن يدفعها الجنوب لتصدير نفطه عبر الشمال. واللافت أنّ جولة التفاوض الماضية كانت مباشرة بين وفدَي الدولتين، وأن مهمة الوساطة كانت تسهيل الإجراءات وطرح المقترحات لكلا الطرفين، إذ حددت الخرطوم 36 دولاراً للبرميل الواحد كرسم للسماح بمرور نفط الجنوب عبر أنابيب الشمال، إلى حين يبدأ التصدير من ميناء بورتسودان. وبحسب رئيس الوفد الحكومي، وزير الدولة في رئاسة الجمهورية السودانية، ادريس عبد القادر، فإن وفده قدّم عرضه المتمثل في تحديد رسم قدره 32 دولاراً للبرميل الواحد، مع الاستعداد لتسوية كل الحسابات المستحقة للطرفين منذ 9 تموز 2011 حتى تاريخه. وأوضح عبد القادر، في جلسة الحكومة أمس، أن عرض حكومة الجنوب جاء مخالفاً لكل أحكام القانون الدولي، فاقترحت رسوماً لا تتجاوز 3 دولارات للبرميل الواحد، ما دعا الوسطاء الى اقتراح أن يكون التفاوض في المرحلة المقبلة على مستوى الفنيين.

وبدا أن الاختلاف لا يزال ينخر جسم العملية التفاوضية، لتخرج الوساطة الأفريقية الرفيعة المستوى في أديس أبابا، معلنةً فشل جولة التفاوض بعدما وعدت الطرفين بدراسة ما جرى التداول به خلال جولة المفاوضات الأخيرة، وذلك في جولة تفاوض جديدة أواخر الشهر الجاري في أديس أبابا أيضاً. ويرى البعض أن جولة التفاوض الأخيرة حملت الكثير من التقدم الإيجابي، ولا سيما في عدد من الملفات غير النفطية، أبرزها ترسيم الحدود بين البلدين. ورغم أن موضوع الحوار الآن بين الشمال والجنوب يدور في ظاهره حول حقوق مادية يمكن أن يتم حسمها بالاستناد إلى التجارب العالمية ذات الصلة، فإن جوهر ما يجري حالياً هو حرب سياسية للإرادات بين الخرطوم وجوبا.
وبناءً على ذلك، قدّم وفد السودان عرضاً تجارياً تضمّن رسم العبور السيادي ورسوم النقل وخدمات معالجة النفط والمناولة في الميناء. لكنه قوبل برفض صريح من قبل دولة الجنوب التي ترى ضرورة أن تتم جدولة أي اتفاق وفق المعايير الدولية المتّبعة في حالات مماثلة. وأوضح وزير الإعلام في حكومة الجنوب برنابا بنيامين لـ«الأخبار»، أن «عرض الحكومة السودانية غير مقبول بالنسبة إلينا، وعلى الخرطوم أن تلتزم بما وُقّع مع الشركات الأجنبية منذ 2005».
وفيما وصل الوفد الحكومي المفاوض إلى الخرطوم، مساء أمس، معلناً فشل الجولة في تحقيق أي تقدم يُذكر، فإنّ حكومة الدولة الوليدة ترى أنّ المفاوضات لم تفشل بعد. لكن، لأنّ أرقام العروض المقدمة من كلا الطرفين متباعدة للغاية، فإن المشهد العام لهذه المفاوضات يبدو عبثياً تماماً. إلا أن ذلك لم يمنع الطرفين من التوصل إلى تفاهمات على ترسيم الحدود والمواطنة، إذ أعلن الوفد الحكومي السوداني المفاوض عن اتفاق على ترسيم 90 في المئة من الحدود المشتركة بين البلدين، مع أنه حمّل حكومة الجنوب مسؤولية تأزُّم أوضاع رعاياها في الشمال لعدم توفيرها وسائل نقل لهم. تجدر الإشارة إلى أن الخرطوم حدّدت تاريخ الثامن من نيسان المقبل موعداً نهائياً لإجلاء رعايا دولة الجنوب المقيمين في الشمال، بينما أوضح المتحدث باسم وزارة الخارجية السودانية، العبيد أحمد مروح لـ«الأخبار»، أنّ هذا الموعد لا يعني مغادرة كل الجنوبيين من الشمال، بل هو موعد تتم بعده معاملة الراغبين من الجنوبيين في البقاء شمالاً كأجانب.
ومن المتوقع أن تشهد الجولة المقبلة من المفاوضات حدوث اختراقات كبيرة في ملف النفط تحديداً، وخصوصاً أن المجتمع الدولي قد صبر على الطرفين بما فيه الكفاية، مع توقع وصول المبعوث الأميركي للسودان بريستون ليمان إلى الخرطوم اليوم للضغط على الحكومة، وهو ما يتوقع أن يليه زيارة مماثلة لجوبا.