بروكسل | أدّت القمة الأوروبية في بروكسل أمس، إلى تصديق دول الاتحاد الأوروبي، باستثناء بريطانيا وتشيكيا، على «معاهدة الاستقرار والتنسيق والحوكمة الاقتصادية»، الهادفة إلى حماية اقتصادات المنطقة الأوروبية من الأخطاء والانحرافات، التي زُجَّت بها في أزمة الديون السيادية. وتفرض هذه المعاهدة على الدول الأعضاء في الاتحاد، سلسلة من الشروط الملزمة للحكومات للتحكُّم في الإنفاق العمومي، حتى يستقر عجز الموازنات في منطقة اليورو تحت عتبة 3 في المئة من الدخل القومي.


وبموجب المعاهدة الجديدة، ستفرض المفوضية الأوروبية، على نحو غير قابل للتعطيل أو التفاوض، عقوبات مالية على أيّ حكومة لا تحترم هذا الالتزام، لكن توقيع رؤساء الدول ليس سوى المرحلة الأولى من رحلة التطبيق، بما أن المعاهدة لن تدخل حيّز التنفيذ فعلياً إلا بعد تصديق 12 دولة من دول الاتحاد على الأقل، عبر الاستفتاء الشعبي أو التصويت في البرلمانات الوطنية.
وجاء فرض قدر أكبر من الصرامة في إدارة الموازنات الحكومية الأوروبية، إثر ضغوط ألمانية قوية مُورست على باقي دول الاتحاد الأوروبي، منذ تفجّرت أزمة اليونان، وامتداد تبعاتها إلى البرتغال واسبانيا وإيطاليا، لكنّ ألمانيا، التي تُعدّ القاطرة الأقوى للاقتصاد الأوروبي، لا تكتفي بهذه المعاهدة، وهي تطالب بأن تقوم الدول الأوروبية أو دول منطقة اليورو بإدراج ما يسميه خبراء الاقتصاد «القاعدة الذهبية» في دساتيرها، لتكون كافة الحكومات التي ستتداول الحكم، على اختلافها توجهاتها السياسية، ملزَمة باحترام قاعدة الصرامة في تسيير المال العام، بهدف منع تجاوز عجز الموازنات العامة 3 في المئة من الناتج القومي لكل بلد.
ولم تكتفِ القمة الأوروبية بالتصديق على «معاهدة الاستقرار»، بل سعت أيضاً إلى إيجاد معادلة لتحقيق التوازن بين سياسات التقشف والخطط الاستثمارية، الهادفة إلى استعادة النمو الاقتصادي وخلق فرص عمل جديدة. وقد استمع قادة الاتحاد الأوروبي في هذا الشأن إلى عرض قدمته السويد، عن تجربتها الناجحة في المزاوجة بين التقشف في الإنفاق العمومي، وتنشيط الاستثمارات وتحسين أداء الاقتصاد السويدي. من جهتها، قدّمت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، شروحاً وافية لنظرائها في المنظومة الأوروبية الموحدة، حول مزايا الاقتصاد الألماني، الذي يُعدّ الأقوى والأكثر نمواً وصموداً في وجه تبعات الأزمة المالية العالمية. وتتمثل الوصفة الألمانية في تخفيف الأعباء الضريبية عن المواطنين، وعن الشركات الألمانية، بما يسمح بعدم كسر دينامية النمو الاقتصادي، رغم التقشف في الإنفاق العام بسبب تضرر موازنة الدولة من الإعفاءات الضريبية.
وقد تجاوبت الأسواق المالية العالمية بالفعل مع هذه القرارات الأوروبية، من خلال المبادرة إلى خفض نسب الفوائد على القروض، ما أثار ارتياحاً واضحاً لدى قادة الاتحاد الأوروبي، حيث ساد في ختام القمة إحساس ظاهر بـ «نشوة الانتصار على أعتى أزمة مالية يعيشها العالم الرأسمالي منذ الحرب العالمية الثانية». إلا أن القمة الأوروبية أوصت بمواصلة جهود الإصلاح الاقتصادي، من خلال رفع سقف صندوق الإقراض المالي الذي تتضمنه آلية الاستقرار الأوروبي، والمقدَّر حالياً بـ 500 مليار يورو.