يبدو مشهد الانتخابات الرئاسية الروسية غداً واضح المعالم مع نتيجة شبه محسومة بعودة فلاديمير بوتين مجدداً الى سدة الرئاسة الاولى، بعدما تركها قصراً الى حليفه الرئيس الحالي ديمتري مدفيديف. بوتين بدا واثقاً من فوزه بسهولة في الانتخابات بتأكيده أن «الغالبية» الكبيرة من الشعب الروسي تدعمه للعودة مجدداً الى الرئاسة الاولى. رجل الاستخبارات السابق، الذي منحه الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسن فرصة دخول الحياة السياسية عام 1999، لا يبدو قانعاً بدورة رئاسية واحدة، بل هو يعد نفسه لفترة طويلة من حكم روسيا، فهو لا يستبعد خوض انتخابات العام 2018، التي قال إنها ستكون «أمراً طبيعياً» في ظل الدعم الذي يحظى به من «الشعب الروسي».


ثقة بوتين بالفوز تدعمها نتائج استطلاعات الرأي، التي اجرتها عدة مراكز متخصصة، وأجمعت على ان رئيس الوزراء الحالي سيفوز في الانتخابات الرئاسية من الدورة الاولى بغالبية تفوق 50% من الاصوات.
معهد «فوم» الحكومي افاد بأن بوتين سيحصد 58,7% من الاصوات مع نسبة مشاركة قدرت بنحو 61,8%. بدوره، أشار استطلاع نشره معهد قريب من السلطة «في تي سيوم»، الاسبوع الماضي، الى فوز رجل الاستخبارات السابق (كي جي بي) بغالبية 58,6% من الاصوات. استطلاع آخر أجراه معهد «ليفادا» المستقل، توقع فوزاً أقوى لـ«رجل روسيا القوي»، مشيراً إلى أن بوتين سيحصل على 66% من أصوات الناخبين الروس.
«الرئيس» الذي برز نجمه لأول مرة في 9 آب 1999 عند تعيينه رئيساً للوزراء، يستند في رحلة عودته الى الكرملين إلى الانجازات الكثيرة التي تحققت في عهوده السابقة بفضل الارتفاع غير المسبوق لأسعار النفط والغاز، ما ساعده في تحقيق ازدهار اقتصادي، ورفع معدل الدخل الفردي الى 10440 دولاراً للفرد سنوياً في 2010، بحسب ارقام البنك الدولي، وهو ما وعد بوتين برفعه الى حدود 35 الف دولار للفرد بحلول العام2020. اضف الى ذلك ان بوتين وعد في برنامجه الانتخابي بعودة بلاده الى مصاف الدول الخمس الاولى اقتصادياً في العالم، واعلانه إعادة تسليح الجيش بكلفة 23 الف مليار روبل (590 مليار يورو) بحلول العام 2020.
كلها معطيات جعلت من بوتين يتسيّد الساحة الروسية على مدى السنوات الـ 13 الماضية، حتى في ظل عدم تولّيه الرئاسة وتسليمها، «مؤقتاً»، إلى مدفيديف. لكن هناك شخصيات أخرى لم تيأس بعد من التسليم بزعامة بوتين، ولا تزال تطمح إلى مزاحمته. في مقدمة هؤلاء زعيم الحزب الشيوعي غينادي زيوغانوف، الذي يخوض حملته الرئاسية الرابعة منذ عهد الرئيس الراحل يلتسن. زيوغانوف يرى أن «فرصه جيّدة» في المنافسة، مستنداً إلى الدعم الكبير الذي يحظى به من اليساريين الروس، بعد الاتفاق الذي وقعه الحزب الشيوعي وحركة «الجبهة اليسارية»، التي تضم غالبية اليساريين الروس غير المنتمين إلى الحزب الشيوعي. الا أن ما يراه زيوغانوف لا ينعكس إطلاقاً في استطلاعات الرأي، التي لا ترى فرصة للزعيم الشيوعي في المنافسة، إذ إن أفضل التوقعات تشير إلى أنه سيحظى بنسبة 15 في المئة من اصوات الناخبين.
حماسة زيوغانوف للمنافسة غير موجودة لدى زعيم الحزب الليبرالي الديموقراطي القومي المتشدد، فلاديمير جيرينوسكي، الذي تضعه الاستطلاعات في المركز الثالث. جيرينوسكي، الذي اتخذ «الحمار» شعاراً لحملته الانتخابية لاستمالة آراء الناخبين، على قناعة بحتمية فوز بوتين. وهو توقّع أن يبقى «الرجل القوي» في الحكم حتى 2030. وقال لوكالة «أنترفاكس» الروسية، الاسبوع الماضي، «بوتين سيحكم لست سنوات ثم لست سنوات أخرى، ومن ثم سيضع رفيقه مكانه»، في إشارة إلى ديمتري مدفيديف. الاعتراف المسبق لجيرينوسكي بالهزيمة تؤكده الاستطلاعات، التي لا تعطيه أكثر من 8 في المئة من أصوات الروس.
وإضافة إلى زيوغانوف وجيرينوسكي، يبرز الملياردير ميخائيل بروخورف، الذي يطرح نفسه على انه «ممثل جيل جديد قادر على ادخال روسيا في زمن الحداثة». إلا أن «حداثة» بروخوف لم يبد أنها ستفلح في إقناع الروس بإعطائه أصواتهم، إذ لم يحظ بأكثر من نسبة 6 بالمئة في استطلاعات الرأي. الأمر نفسه بالنسبة إلى زعيم حزب يسار الوسط «روسيا العادلة»، سيرغي ميرونوف، الذي لم ينل في الاستطلاعات إلا نسبة 5 بالمئة من الأصوات.
بناءً عليه، لا يبدو أن الخريطة الانتخابية الروسيّة في وارد إزعاج فلاديمير بوتين في مسعاه إلى استعادة كرسي الرئاسة. فرغم التظاهرات المعارضة التي شهدتها موسكو خلال الشهر الماضي، والتي اوحت بأن نجماً للمعارضة، بدأ يبرز، غير أن من شبه المحسوم أن صناديق الاقتراع ستحمل فوزاً كاسحاً لرئيس «روسيا الموحدة»، فلاديمير بوتين. فوزاً ستعكره اتهامات بالفساد والتزوير، وسواء كانت صحيحة أو مبالغاً فيها، فإنها لن تغيّر في واقع أن روسيا في قبضة «رجلها القوي».