باريس | فاجأ الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أنصاره ومستشاريه بتصريح غير متوقع، إذ قال، أمس إنه يعتزم اعتزال السياسة نهائياً في حال عدم فوزه بولاية رئاسية ثانية. وسعى أركان الفريق الانتخابي لساركوزي إلى امتصاص وقع الصدمة التي تلت هذا التصريح المفاجئ. وأشار هنري غينو، أقرب مستشاري الرئيس الفرنسي، إلى أن «المغزى السياسي الوحيد لهذا التصريح هو حرص ساركوزي على ترجمة الوعد الذي قطعه للفرنسيين بأن يتحدث خلال هذه الحملة بمنتهى العفوية والصراحة، أيّاً كان الموضوع الذي يُسأل عنه». إلا أن غالبية المحللين رأوا أن «اعتراف ساركوزي بأنه يفكر في الاعتزال يدل على أنه بدأ يشعر فعلياً بأن حظوظه في الفوز تزداد تضاؤلاً يوماً بعد يوم».


وأجمع الخبراء في الشأن الانتخابي على أن الرئيس الفرنسي، إن لم ينجح خلال التجمع الشعبي الكبير الذي سيعقده الأحد المقبل في «فيلبانت»، قرب باريس، في إحداث هزة جذرية كفيلة بمعالجة أزمة استمرار شعبيته في التدني، فإنه سيفقد حظوظه نهائياً في الظفر بولاية رئاسية جديدة. تجدر الإشارة إلى أن حملة انتخابات الرئاسة الفرنسية تشهد، منذ مطلع السنة الجارية، ظاهرة غريبة تتمثل في انخفاض مضطرد لنسب شعبية المرشحين الأساسيين، ساركوزي والاشتراكي فرانسوا هولاند، فيما يُفترض أن تصب كل نقطة يفقدها أحدهما في صالح الآخر. ولا يزال هذا الوضع مستمراً، رغم دخول الحملة مرحلة الحسم خلال الأيام الخمسين الأخيرة قبل موعد الاقتراع. فقد شهد الأسبوع الجاري انخفاض شعبية كل من ساركوزي وهولاند بنقطتين في استطلاعات الرأي. ومع أن المرشح الاشتراكي لا يزال متقدماً على غريمه بأربع نقاط، إلا أن الخبراء شرعوا في دق ناقوس الخطر، لأن هولاند لم يستفِد من استمرار شعبية ساركوزي في التدني، بل كان المستفيد الأبرز هو مرشح «جبهة اليسار»، جان لوك ميلانشون، الذي قفزت شعبيته هذا الأسبوع، بعد المناظرة التلفزيونية التي جمعته بمرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، فوق عتبة الـ10 في المئة. أمر يرى فيه أنصار هولاند خطراً يهدّد بـ«تكرار سابقة نيسان 2002»، في إشارة إلى بروز «رجل ثالث» في المعترك الذي جمع آنذاك جاك شيراك وليونيل جوسبان، حين أدى صعود مرشح «اليسار القومي» جان بيار شوفمنون، فوق عتبة الـ10 في المئة، إلى تشتت أصوات اليسار وإقصاء المرشح الاشتراكي منذ الدورة الأولى للاقتراع الرئاسي. ويسعى أنصار هولاند إلى نزع فتيل هذا الخطر، من خلال حملة توعية تهدف إلى إقناع ناخبي اليسار بالاصطفاف وراء هولاند منذ الدورة الأولى، لـ«تفادي أخطاء الماضي»، ولـ«قطع الطريق أمام الخطر اليميني».
وإذا كانت هوية «الرجل الثالث» قد حُسمت في صفوف اليسار لصالح ميلانشون، فإن الأمور أكثر تعقيداً بالنسبة إلى اليمين؛ ففي مطلع العام، ارتفعت شعبية مرشحة اليمين المتطرف لوبان إلى 20 في المئة. وقد سارع البعض إلى تكهن احتمال أن يتكرر سيناريو عام 2002 لكن بالمقلوب، أي أن تمر مرشحة اليمين المتطرف إلى الدورة الثانية، ولكن على حساب مرشح اليمين التقليدي وليس اليسار، أي إقصاء ساركوزي باكراً من المعترك الرئاسي.
لكن الحملة المتشددة التي شنها الفريق الانتخابي الموالي لساركوزي، من خلال التركيز على قضايا الأمن والمهاجرين والإسلاموفوبيا، نجحت في تحجيم شعبية لوبان، لتتراجع شعبيتها إلى أقل من 14 في المئة وفق آخر استطلاعات الرأي. لكن المفارقة أن ساركوزي لم يستفد من ذلك، بما أن شعبيته استمرت في التدني بسبب تذمر غالبية الفرنسيين من أدائه السياسي والاقتصادي خلال السنوات الخمس الأخيرة، ما أفسح المجال لبروز «رجل ثالث» من يمين الوسط، وهو فرنسوا بايرو، الذي قفزت شعبيته هذا الأسبوع من 11 إلى 14 في المئة، ليعادل أرقام مرشحة اليمين المتطرف.
ويرجح المحللون أن تستمر شعبية بايرو في الصعود، وخصوصاً أنه يعتمد خطاباً عقلانياً ومعتدلاً يرفض فيه التماهي مع أفكار اليمين المتطرف لاجتذاب الناخبين الأكثر عنصرية، ما سيمكّنه من استمالة قطاع إضافي من ناخبي يسار الوسط، كما سبق أن فعل في انتخابات 2007، حين استقطب 17 مليون ناخب، ولم تفصله عن هزيمة ساركوزي والمرور إلى الدورة الثانية سوى أقل من 40 ألف صوت.
وبدأت الصحف الفرنسية تضجّ بأخبار اللقاءات والاتصالات السرية التي يجريها نواب ووزراء مقربون من ساركوزي مع الفريق الانتخابي لبايرو، استعداداً للالتحاق به رسمياً في حال استمرت شعبية ساركوزي في التدني بعد «تجمع الفرصة الأخيرة» الأحد المقبل في «فيلبانت».