باريس | فاجأت استطلاعات الرأي، التي كُشف عن نتائجها أمس، أغلب المراقبين للشأن السياسي الفرنسي. وكان هذا الاستطلاع محط اهتمام خاص من قبل الأفرقاء السياسيين، لكونه الأول بعد أزمة هجمات تولوز الإرهابية، التي أدت إلى تعليق الحملة الانتخابية لمدة ثلاثة أيام. وكان المحللون يتوقعون أن تصبّ هذه الأزمة الأمنية، وما رافقها من تهويل إعلامي بخصوص الإرهاب والتطرف الإسلامي، في صالح الرئيس نيكولا ساركوزي، أو مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان. لكن نتائج الاستطلاع أدت إلى مفاجأة كبيرة، حيث بيّنت أن المستفيد الأكبر من هذه الأزمة، التي شدت أنفاس الرأي العام الفرنسي، هو مرشح «جبهة اليسار»، جان لوك ميلانشون، الذي قفزت شعبيته خمس نقاط، ليحتل المرتبة الثالثة وراء المرشح الاشتراكي، فرانسوا هولاند، الذي سجل تراجعاً بنقطة واحدة، لكنه لا يزال يتربع على عرش المنزلة الأولى بـ 29,5 بالمئة من الأصوات، وبذلك يتقدم هولاند على نيكولا ساركوزي (28 بالمئة) الذي سجل بدوره تقدماً طفيفاً بمقدار نصف نقطة، خلال هذه الأزمة. أما مرشح الوسط، فرانسوا بايرو (12,5 بالمئة)، فقد سجل هو الآخر تقدماً بمقدار نصف نقطة، فيما كانت اليمينية المتطرفة مارين لوبان (13 بالمئة) الخاسر الأكبر في هذا الاستطلاع، حيث تراجعت شعبيتها بنقطة ونصف نقطة!

هذا التقدّم الذي حققه ميلانشون خوّله انتزاع المنزلة الثالثة من مارين لوبان. وتمثّل هوية المرشّح الذي يحتل المنزلة الثالثة مؤشراً هاماً بالنسبة إلى تطورات الحملة الانتخابية، لأنها تبين للمرشّحين الرئيسيين هولاند وساركوزي موقع المخزون الانتخابي الأبرز، الذي سيتحتّم عليهما أقلمة خطابهما لاستمالته في الدورة الثانية من الانتخابات. لذا يُسمى من يحتل المنزلة الثالثة، في العرف الانتخابي الفرنسي «صانع الملوك»، أي إنه هو الذي يمتلك القدرة على ترجيح الكفة بين المرشحين الرئيسيين.
وتعكس هذه التزكية القوية لمرشح «جبهة اليسار» استهجاناً شعبياً واسعاً للطريقة الدرامية التي تمت بها مسرحة جنائز الضحايا، سواء عند تشييع الجنود الفرنسيين في «مونتوبان»، بحضور أغلب مرشحي الرئاسة، أو في جنازة الأطفال اليهود الذين دُفنوا في القدس المحتلة، بحضور وزير الخارجية الفرنسي ألان جوبيه. وكان ميلانشون الوحيد الذي رفض حضور الجنازة الاستعراضية التي أُقيمت للجنود الفرنسيين الذين اغتالهم محمد مراح، رافضاً «أي شكل من أشكال الاستغلال السياسي أو الانتخابي لحدث مأساوي كهذا»، كما أن مرشح «جبهة اليسار" رفض، مثل فرنسوا بايرو، تعليق حملته الانتخابية، كما فعل باقي مرشحي الرئاسة.
بالرغم من حملة الإسلاموفوبيا التي برزت مجدداً مع اكتشاف هوية الجاني في هجمات تولوز، وكونه «سلفياً جهادياً»، إلاّ أن ميلانشون لم يتردد في رد الصاع صاعين إلى مارين لوبان، التي أصدرت بياناً تصفه فيه هو وبايرو بـ «الأوغاد الذين حاولوا إلصاق التهمة بنا». ترفّع فرانسوا بايرو عن الرد على «مماحكات سياسوية بهذا القدر من التدني وقلة الحياء»، رافضاً «استغلال مثل هذه الأحداث الفاجعة لأغراض انتخابية ضيقة». أما ميلانشون، فقد حمل بشدة على لوبان، مسلطاً الضوء على «الحرج الواضح والصمت المريب الذي وقعت فيه، عندما اشتُبه في البداية بأن الجاني من نشطاء اليمين المتطرف، أو النازيين الجدد»، أما حين تبيّن أنه إسلامي، «فقد خرجت عن صمتها فجأة، لتشن هجوماً مقيتاً يتسم بالحقد والعنصرية والتحريض على الفرنسيين المسلمين». وخلص مرشح «جبهة اليسار» إلى القول: «نحن من جهتنا متناقسون فكرياً، ولم نغيّر موقفنا أو خطابنا، قبل أو بعد اكتشاف هوية الجاني. فسواء تعلق الأمر بالنازيين الجدد أو المتطرفين السلفيين، فإنا ندين بالقدر ذاته من الحزم والصرامة كل الذين يمارسون العنف والإقصاء والتفرقة العرقية أو الدينية، مهما كانت مرجعياتهم الفكرية».
وقد بيّن الاستطلاع الأخير أن غالبية الفرنسيين يستهجنون الطريقة التي حاول بها اليمين الموالي لساركوزي، واليمين المتطرف المؤيد للوبان، استغلال قضية تولوز لتأليب مشاعر الإسلاموفوبيا مجدداً. الأمر الذي دفع لوبان إلى تعديل استراتيجيتها بسرعة. فبعدما عابت على المسلمين الفرنسيين كونهم «يعدّون أنفسهم مسلمين قبل أن يكونوا فرنسيين»، حوّلت وجهة انتقاداتها نحو ساركوزي وحكومته، متهمةً السلطات الأمنية بـ «التقصير في التصدي للتطرف الجهادي والشبكات الموالية له في فرنسا». بذلك تلقفت مرشحة اليمين المتطرف الجدل الذي أُثير بين الخبراء بخصوص الموضوع وأخطاء المحققين التي حالت دون توقيف الجاني قبل هجومه على المدرسة اليهودية، لكن لوبان لم تكتف بتأييد انتقادات الخبراء، بل قطعت خطوة إضافية في التهجم على ساركوزي، من خلال التذكير بعدد من الفضائح التي أثيرت في الأشهر الأخيرة بخصوص تورط الاستخبارات الداخلية الفرنسية في عمليات تصنّت غير قانونية، مثل التجسس على بعض صحافيي لوموند أو على زوجة فرانسوا هولاند الجديدة (صحافية في «باري ماتش»). واتهمت لوبان ساركوزي بـ «تحويل الاستخبارات الداخلية إلى بوليس سياسي للتجسس على خصومه السياسيين، مما شغلها عن مهامها الأصلية في مكافحة الإرهاب والدفاع عن الأمن القومي».
ويتوقع المحللون أن يؤدي الصدى الإعلامي الذي حظيت به هذه الانتقادات إلى انتكاسة جديدة في شعبية نيكولا ساركوزي. الشيء الذي دفع مجلة «تايم» الأميركية إلى تخصيص غلاف عددها الذي يصدر اليوم للرئيس الفرنسي، تحت عنوان كتب بالفرنسية: ساركوزي، وداعاً!