الجزائر | تعيش «حرب الذاكرة» بين الجزائر وفرنسا، نشاطاً هذه الأيام، في سياق إحياء ذكرى مرور نصف قرن على وقف الحرب الساخنة بينهما عام 1962. في الجزائر، كما في باريس، صدرت تصريحات، وعُقدت جلسات وحلقات نقاش وندوات ومحاضرات في المناسبة. هذا التاريخ أُطلق عليه في الجزائر منذ خمسين عاماً اسم «عيد النصر»، لأن وفد الثورة في مفاوضات «إفيان» أجبر الفرنسيين على توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، ما حقّق التحرير الكامل برحيل الاحتلال ووحدة البلد تراباً وشعباً، واسترجاع كل مقوِّمات الدولة. أما لدى الفرنسيين، فسُمّي التاريخ «يوم النكبة»، لأنهم فقدوا فيه أكبر وأغنى وأعز مستعمراتهم.


في الذكرى الخمسين لتلك الاتفاقيات، اشتعل الجدل مجدداً في البلدين حول أمور لم تُدرج في اتفاق وقف إطلاق النار، وتبيّن في ما بعد أنها «حيوية»، وأهمها بالنسبة إلى بعض القوى الجزائرية، في السلطة وخارجها: ضرورة اعتراف فرنسا بجرائم ارتكبتها خلال 132عاماً من الاحتلال الاستيطاني، بما في ذلك المجازر الجماعية، ومضاعفات التجارب النووية التي بدأت في شباط 1960، وتوقفت عام 1966، ولا تزال آثارها تقتل وتشوه المئات في كل عام في مناطق الصحراء الجزائرية.
«حرب الذاكرة» هذه كانت العامل الرئيسي الذي أدى إلى إلغاء «معاهدة صداقة وتعاون وحسن الجوار»، التي كان يُفترض أن يوقّعها الرئيسان عبد العزيز بوتفليقة وجاك شيراك في نهاية 2005، لكن قانوناً أصدره البرلمان الفرنسي في شباط من ذلك العام، أوقف قطار الصداقة وطيّ صفحة الماضي الدموي الأليم، وأعاد فتح الجراح، لأن بعض مواده مجّدت الفترة الاستعمارية «الحضارية». وردّت الجزائر رسمياً في حينها، عبر خطاب حماسي ألقاه بوتفليقة في مناسبة الذكرى الستين لإحدى أكبر المجازر الجماعية التي ارتكبها الجيش الفرنسي بحق ما لا يقل عن 45 ألف جزائري في غضون أيام. لكن الرئيس نيكولا ساركوزي، الذي كان في حينها وزيراً للداخلية ومرشحاً لخلافة شيراك، ردّ في تصريح شهير خلال زيارة للجزائر، بأنه «لا يمكن مطالبة الأبناء والأحفاد بالاعتذار عما اقترفه الآباء والأجداد». ولم يصمد الموقف الجزائري «المتشدد» طويلاً، وسقط حين مرض بوتفليقة في كانون الأول 2005، فاضطر إلى العلاج في مستشفى «فال دوغراس» العسكري في باريس، برعاية خاصة من شيراك. ووصل الأمر برئيس الحكومة أحمد أويحيى إلى شنّ «معركة» قوية ضد أطراف جزائرية حزبية وحقوقية وبرلمانية، قدّمت مشروع قانون يجرّم الاستعمار، بدعوى أن مثل هذه الخطوة «تضر الجزائر ولا تفيدها في شيء».
ووسط ضجيج هذه الأيام، يردِّد كثير من الجزائريين في كتاباتهم الصحافية ومداخلاتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وحتى في أحاديثهم الخاصة، أنّ بلدهم كان قبل خمسين عاماً في موقع قوة، حتى وهو لم يتأسس كدولة، لكنّه اليوم في موقع ضعف يلعق الإهانات الواحدة تلو الأخرى. إهانات كانت آخرها اعتقال دبلوماسي في مرسيليا قبل أربع سنوات، جرى إذلاله وسجنه ومحاكمته في باريس، مروراً باستدعاء وزير الخارجية مراد مدلسي لتقديم مسودة الإصلاحات التي أقرتها بلاده أمام البرلمان الفرنسي نفسه الذي سبق له أن أصدر قانون تمجيد الاستعمار.