تراقب تركيا، بحذر كبير، تطورات الوضع العسكري في منطقة إدلب. والتقارير التي وردت إلى مكتب رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، بحسب مصدر دبلوماسي عربي يشارك في الإعداد لـ«مؤتمر أصدقاء سوريا» بنسخته الثانية في إسطنبول، مطلع نيسان المقبل، تشير إلى مستجدات مقلقة بالنسبة إلى حكومة أردوغان. وفي مقدمة هذه المعطيات، تزايُد أعداد النازحين السوريين عبر الحدود مع سوريا إلى تركيا؛ فبحسب الإحصاءات التركية، ارتفعت أعدادهم بين 15 من الشهر الجاري واليوم، إلى نحو 30 ألفاً.


إضافة إلى ذلك، تفيد تقارير الاستخبارات التركية بأنها تلحظ عمليات تسرب متعاظمة لمقاتلي حزب العمال الكردستاني إلى الأراضي التركية، عبر معابر مختلفة. وبحسب المصدر العربي نفسه، فإنّ هذين المستجدَّين، بالإضافة إلى وقائع أخرى، قادت أردوغان إلى عقد لقاء عاجل بعيداً عن الأضواء، في 18 من الشهر الجاري مع مدير جهاز الاستخبارات التركية حقان فيدان وأحد النواب الأربعة لرئيس الحكومة بكير بوزداغ، ووزير العدل سعد الله إرغين، لدراسة المستجدات المقلقة للأزمة السورية وانعكاساتها الخطرة على حالة دوام الاستقرار على الحدود السورية _ التركية.
ولم ترشح عن هذا الاجتماع الكثير من المعلومات، لكن رُصدت بعده تحركات ميدانية في تركيا، تعبّر عن التوجهات التي سادت خلال الاجتماعات. وتمثّلت هذه التحركات بما نقله دبلوماسيون عرب وغربيون من أنقرة، عن مشاهداتهم لوحدات تابعة لـ«قوات الدرك الخاصة» المتمركزة في العاصمة التركية، «تتّجه تدريجاً إلى الحدود التركية _ السورية للبدء بإنجاز مهمتها في إنشاء المنطقة العازلة المحتملة»، بحسب هؤلاء الدبلوماسيين، وهي المنطقة التي «يجب أن تُعلنها الحكومة التركية بعد مؤتمر إسطنبول». ويشير المصدر الدبلوماسي نفسه إلى أن خطوة تحريك «قوات الدرك الخاصة لاستكشاف المنطقة العازلة على الحدود مع سوريا، قُوبلت بتحفظات من قوى سياسية تركية مختلفة»، بما أن المعارضة التركية عدّتها «مجازفة غير مسبوقة تصل إلى حدّ إعلان حالة الحرب». لكن أردوغان، بحسب المصدر عينه، أبلغ هذه الجهات التركية المعترضة، أن موقف حكومته لا يزال حتى الساعة، ملتزماً ما طرحه في كواليس اللقاءات الخاصة مع وزراء كل من السعودية وقطر، خلال اجتماع مؤتمر أصدقاء سوريا في تونس، لجهة استمرار التريث باتخاذ خطوات عملية لإقامة منطقة عازلة، وأيضاً لجهة عدم الحماسة لإصدار إعلان صريح بتأييد تسليح المعارضة السورية، غير أنه استدرك بأن أنقرة «يهمها أن تظهر لدمشق أن هذه الخيارات لا تزال مطروحة على طاولة القرار التركي».
وتجمع المصادر الدبلوماسية على أنه في مقابل الاهتمام الذي تكتسبه تحركات المبعوث الأممي _ العربي المشترك، كوفي أنان، بشأن الأزمة السورية، تستحوذ أنقرة هذه الأيام، بعيداً عن الضوء، على كل اهتمام الدبلوماسية المتابعة لمسار الأزمة، وذلك بهدف «فحص جدية مؤشرات تفيد بأن حكومة أردوغان باتت مقتنعة بإنشاء منطقة عازلة، أو إحداث تغيير جوهري تصعيدي وعملي في موقفها». وتلحظ تقارير دبلوماسيين عرب عاملين في تركيا، وجود متغيرات لافتة يجري إنضاجها في أروقة القرار التركي، وهي تشي، جميعها، بأن أنقرة تقف على أبواب «مرحلة جديدة»، وتصعيدية خطرة، بخصوص مقاربتها للأزمة السورية. ويروي مصدر دبلوماسي لـ«الأخبار»، تفاصيل عن قصة «الأسبوعين الماضيين اللذين شهدا طفرة التغيير التصعيدي في الموقف التركي»، ويدرج عدة وقائع تبين واقع ما جرى خلالهما على هذا الصعيد:
أولاً، يقول المصدر إن إحدى نقاط الذروة المعبِّرة عن تغير الموقف التركي باتجاه التصعيد، ظهرت من خلال التصريح الأخير لأردوغان، الذي أوضح فيه أنه يفكر جدياً في إقامة «منطقة عازلة أو آمنة». وداخلياً، سربت مصادر أرودغان أنه أبلغ المحافل التركية المعترضة على هذا التصريح، بالأسباب التي دعته إلى إطلاق هذا الكلام، وتتمثل بتزايد أعداد اللاجئين السوريين داخل المحافظات التركية الحدودية، ولا سيما بعد بدء حملة الجيش السوري على إدلب، إذ ارتفع عدد اللاجئين كثيراً، ما دفعه إلى تناول موضوع المنطقة العازلة بنحو أكثر صرامة، ليكون بمثابة تحذير جدي للسلطات السورية بعدم التمادي في العمل العسكري في منطقة متاخمة للحدود مع تركيا. ووفق المعلومات، أُبلغت المعارضة التركية بأن تركيا «لا تزال على موقفها بعدم القيام بإجراءات داخل الأراضي السورية، ولكن هذا الموقف سيكون قابلاً للتغير في حال حصول أمرين اثنين: الأول أن يبلغ عدد اللاجئين السوريين في تركيا مستوى لا تستطيع المحافظات الحدودية التركية تحمّله، والثاني في حال توافر غطاء دولي لخطوة إنشاء منطقة عازلة». وتتابع المصادر قائلة إن أردوغان كشف لمعارضيه أن هذا الغطاء سيُحسَم أمر توافره من عدمه، خلال مؤتمر «أصدقاء سوريا» في إسطنبول مطلع الشهر المقبل.
ويكشف المصدر أنه إثر فشل مؤتمر تونس في التوصل إلى أي قرارات عملية، طرح أردوغان على السعودية، التي خرج وزير خارجيتها سعود الفيصل غاضباً من نتائجه، ترحيل مطلبها بشأن تبني تسليح المعارضة السورية أو إرسال قوة عربية إلى سوريا، إلى مؤتمر إسطنبول، ليُصار إلى مناقشته بجدية. وعزا أردوغان فشل اجتماع تونس إلى عدم التمهيد له بحملة دبلوماسية مع الغرب للاتفاق على قواسم مشتركة يجري تظهيرها في بيانه الختامي. ومن وجهة نظر حكام أنقرة والدوحة وباريس والرياض، إن هدف مؤتمر إسطنبول هو أن يكون مناسبة تعوّض فشل مؤتمر تونس، وإظهار استعادة الإرادة الدولية لصلابتها وانسجامها بخصوص إنتاج خريطة طريق جدية ضد النظام السوري.
لقاء «عصف أفكار»
وبحسب المعلومات، استضافت أنقرة قبل أيام لقاءً حضره ممثلون عن الدول «التي ستشكل النواة الصلبة» لأعمال مؤتمر إسطنبول. وأرسلت هذه الدول موظّفين كباراً في وزارات خارجيتها، ليخوضوا نوعاً من «العصف الفكري» في الإجراءات التي يمكن مؤتمر إسطنبول أن يتبناها. وبحسب المصادر العربية دائماً، تنبع أهمية هذا اللقاء من أنه يمهّد لنجاح مؤتمر إسطنبول عبر تنسيق مسبق لمواقف دول «النواة الصلبة» المشاركة فيه، وهو الأمر الذي أدى غيابه إلى فشل مؤتمر تونس. كذلك إن اللقاء التحضيري المذكور رسم «خريطة طريق عمل دولي جماعي» (هذا هو المصطلح الذي يستخدمه أردوغان في تصريحاته الأخيرة)، لتحديد معالم الخطوات التي يجب على المجتمع الدولي تنفيذها، لإسقاط النظام السوري. ويلاحَظ أن الأوراق التي قُدمت تتضمن الإجابة عن ثلاث مهمات متكاملة تشمل: أ _ العقوبات الواجب اتخاذها لإضعاف النظام اقتصادياً واجتماعياً وعسكرياً، وهو الأمر الذي تخصصت به الورقة الفرنسية المقدمة للقاء. ب _ الخطوات الفاعلة لدعم المعارضة السورية. ج _ الإجراءات المطلوبة من المجتمع الدولي في المرحلة الانتقالية في سوريا، وهو ما تخصصت به الورقة المشتركة بين الإمارات وألمانيا.
أما موضع تسليح المعارضة، فقد اتُّفق على «صيغة» أن تجري صياغة «قرارات مؤتمر إسطنبول بأسلوب يوفر مظلة سياسية لكل دولة لتقوم بتسليح المعارضة وفق آليات خاصة بها، وليس بالضرورة عبر إعلان ذلك»، بحسب مصادر «الأخبار». وفي ما يتعلق بموضوع إقامة المنطقة العازلة، جرى التوافق على «تركه ليكون محل عناية المستوى السياسي الأعلى المشارِك في مؤتمر إسطنبول ذاته». واللافت أن توصيات اللقاء رُفعت إلى المستوى السياسي الأعلى في دول «النواة الصلبة» لمؤتمر إسطنبول، بهدف دراستها في مقدمة «لإقرارها في مؤتمر ثانٍ يُعقد على مستوى وزاري قبل انعقاد «أصدقاء سوريا»، لتضمين هذه العناوين في مقررات البيان الختامي».
أوراق العمل: خطة مارشال
شملت الورقة الفرنسية حول العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية المقترحة لمؤتمر إسطنبول، توصية بضرورة أن تكون شاملة وصارمة، واقترحت، كآلية لضمان ذلك، تشكيل مجموعة عمل لمساعدة الدول في تطبيقها. أما العقوبات الجديدة، فتتناول إجراءات ضد المصرف المركزي السوري، وقيام الدول المشاركة في مؤتمر إسطنبول بتجميد نشاطها الدبلوماسي في دمشق، وخفض النشاط الدبلوماسي السوري في عواصم تلك الدول، إضافة إلى فرض عقوبات على وسائل الإعلام المملوكة من النظام أو المقربين منه، وفرض حظر على طائرات الشحن السورية أو القادمة إلى سوريا.
وفي إطار دعم المعارضة السورية والتعامل مع المرحلة الانتقالية في سوريا، أوصت الورقة المشتركة الإماراتية _ الألمانية، بفكرة مركَّبة مفادها أنه «لتفعيل تأثير المعارضة السورية أكثر، ولضمان عدم حصول فوضى في سوريا بعد سقوط الرئيس بشار الأسد، على مؤتمر إسطنبول أن يعلن منذ الآن، خطة دعم للاقتصاد السوري خلال المرحلة الانتقالية، لأن تعهُّد المجتمع الدولي بخطة كهذه (خطة مارشال مصغرة لسوريا بعد نظام الأسد)، يشجع شرائح اجتماعية لم تشارك بعد في الثورة، كطبقات بورجوازية في مدينتي دمشق وحلب، على المجاهرة بتخليها عن النظام. كذلك إن الورقة نفسها تدعو الأجهزة الأمنية العسكرية والمدنية السورية إلى المزيد من الانشقاقات، وتصرّ على «دعم خطة المجلس الوطني السوري للمرحلة الانتقالية وتوسيع عضويته، ولا سيما من خلال ضم ممثلين عن الأقليات».
في المقابل، طالبت الورقة القطرية بتوسيع المشاركة في مؤتمر إسطنبول، لتشمل كل الدول التي صوّتت لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن سوريا في شباط الماضي. أما في الشق السياسي، فقد اقترح لقاء أنقرة توصية بدعم مشروط لمهمة أنان بصفته موكَلاً إليه تنفيذ قرارات الجامعة العربية وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن سوريا، والعمل لتغيير الموقفين الروسي والصيني، وعدم تقديم تنازلات لهما تمسّ جوهر مهمة أنان، إضافة إلى اعتبار «المجلس الوطني» ممثلاً للشعب السوري في المرحلة الانتقالية.
ووفق المصادر، كان لافتاً أن المندوب الأميركي في لقاء أنقرة، ظلّ مستمعاً ولم يسجّل مشاركة كبيرة في النقاشات.
ويلفت المصدر العربي إلى أنه «بهدف ضمان نجاح مؤتمر إسطنبول تحت شعار بناء جهد عالمي مشترك وامتلاك خريطة عمل واضحة تجاه سوريا»، فإن كلاً من باريس وأنقرة تعملان ضمناً على بناء شراكة في هذا الملف، تتكون من الرؤية الآتية: أولاً تحديد أهدافهما العليا من مؤتمر إسطنبول التي يمكن تلخيصها بـ«تكثيف الضغط الدولي على نظام الأسد، اضافة إلى العمل من خلاله على عزل روسيا والصين» على خلفية رفضهما الانضمام إلى الإجماع الدولي بشأن الملف السوري. من جهة أخرى، تُختصَر النقطة الثانية بـ«دعم مهمة أنان ومواكبة حسن تطبيقها قياساً بتنفيذ الهدف الأساسي منها، ورسم استراتيجيات مشتركة للتوصل إلى حلول عملية للأزمة السورية، مع ترك الباب مفتوحاً لإضافة أهداف أخرى ارتباطاً بما يستجد من تطورات».
أما بخصوص مقاربة موضوع المعارضة السورية، فإن الشراكة الفرنسية _ التركية ترى أنه يجب على مؤتمر «أصدقاء سوريا» أن يتعامل بجدية مع موضوع توحيد المعارضة، وأن يعمل على وضع صيغة لوضع انتقالي في سوريا، وهذا يتطلب أساساً وجود معارضة موحدة وقوية، وهو ما لم يتحقق حتى الآن. وتتوقف الملاحظات الفرنسية _ التركية عند واقع أن «وضع المعارضة السورية تراجع منذ مؤتمر تونس، وسيتعين على الدول المشاركة في مؤتمر إسطنبول أن تقرر كيف تتعامل مع هذه المشكلة». ويميل الموقف التركي في هذه النقطة إلى اقتراح يفيد بأنه قبل حلول موعد مؤتمر إسطنبول، يجب دعوة المعارضة السورية بكافة أطيافها المتعددة لتنضوي ضمن تشكيل جامع جديد، وهو ما يعكس إحباطاً تركياً من فاعلية «المجلس الوطني» الذي نال في تونس «امتياز الاعتراف به ممثلاً شرعياً للشعب السوري، لكنه مع ذلك لا يزال يراوح في نطاق التعثر».
نداء للأقليّات
ويختم المصدر العربي بأنه بين لقاء «عصف الأفكار» الأول في أنقرة، والذهاب إلى لقاء آخر يستكمله، يُعقد قبل موعد مؤتمر إسطنبول على مستوى وزاري، ليصوغ خريطة عمل دولية عملية تجاه نظام الأسد ومعارضيه لكي تُقر في إسطنبول، فإن المعلومات تشير إلى أنه حتى اللحظة، فإن المسودة الأولى للبيان الختامي لمؤتمر إسطنبول، مثلما أُقرت في أروقة الدول الكبرى، تنصّ على الآتي:
_ إطلاق نداء للأقليات الدينية في سوريا للانخراط في الحراك الشعبي السوري ضد النظام، بهدف تنظيمها وضمها إلى الحراك الشعبي السوري. _ العمل على تفعيل العقوبات ضد النظام السوري، ولا سيما تلك العربية والتركية منها. _ دعم المعارضة السورية وتوحيدها، والنظر في إمكان إنتاج جسم جديد جامع لها.




«العمال الكردستاني»

نقلت صحيفة «حرييت» التركية المعارِضة، أمس، عن مصادرها تأكيدها أن عناصر من «حزب العمال الكردستاني» باتوا «قادرين على التحرك بحرية في سوريا، ويُسمح لهم بامتلاك الأسلحة وإطلاق حملات تحريضية على تركيا»، وذلك غداة يوم واحد من تحذير «الكردستاني» من أن تركيا ستتحول إلى «ساحة حرب» إذا قررت دخول الأراضي السورية. وأفادت «حرييت» بأن تقريراً أمنياً سُلم إلى عدة مؤسسات حكومية تركية، يخلص إلى أن «العمال الكردستاني» في سوريا «بات أكثر تنظيماً مما هو في شمال العراق». كذلك شدد على أن حزب «الاتحاد الديموقراطي» في سوريا، المرتبط سياسياً بحزب العمال الكردستاني، «أعاد إحياء علاقاته المتينة مع حزب عبد الله أوجلان، وأطلق بروباغندا ضد تركيا». وأشار التقرير نفسه إلى أن عناصر «العمال الكردستاني» في سوريا «يتعاونون لمنع تظاهرات كبيرة مناهضة للنظام في شمال سوريا، على الأخص في حلب». حتى إن «حرييت» أوضحت أن «مسألة الأكراد قد تطرح في مؤتمر أصدقاء سوريا المقرر عقده في إسطنبول في الأول من نيسان المقبل».
(يو بي آي)