رغم جزمها بأن الانتخابات البرلمانية التكميلية في كاوهمو، جنوبي العاصمة التجارية لميانمار، يانغون، لا يمكن أن تكون ديموقراطية، ونزيهة، استطاعت زعيمة المعارضة في ميانمار، الناشطة الديموقراطية أونغ سان سوكي، الفوز بمقعد في البرلمان لتنضم إلى المشهد السياسي العام، ومساعدة بلدها على تخطي العقوبات الدولية والبدء ببرنامج إصلاحي.

أونغ، الحائزة جائزة نوبل للسلام، والتي قادت النضال ضد المجلس العسكري الحاكم في بورما سابقاً لأكثر من 20 عاماً، أصبحت الآن واحدة من 44 عضواً في حزبها «الرابطة القومية من أجل الديموقراطية» يدخلون البرلمان.

بفوز أونغ، التي قضت 15 عاماً في المعتقل لنشاطها السياسي، تدخل ميانمار عهداً جديداً يضع حداً للمرحلة الديكتاتورية، ويبدأ بالعمل على رزمة إصلاحات كانت الانتخابات بدايتها، حيث قامت الحكومة بإجراء غير مسبوق، فدعت مئات الصحافيين الأجانب وعشرات المراقبين المستقلين إلى مراقبة الانتخابات والسماح لهم بدخول البلاد التي تأمل أن يرفع الاتحاد الأوروبي عنها العقوبات المفروضة عليها.
ربما تأخرت المناضلة «الأسطورة»، كما يسمونها، فحققت بعض ثمار عملها بعد عشرين عاماً من الدفاع عن حقوق الإنسان والديموقراطية في بلادها، ودخلت الندوة البرلمانية وهي بعمر 67 عاماً، كساحة جديدة لمتابعة مسيرتها في التغيير، حيث من المنتظر أن تشهد البلاد لحظات من التحول التاريخي طال انتظارها.
ولمن لا يعرف أونغ سان سوكي، فهي ابنة الجنرال أونغ سان، «أبو الاستقلال»، الذي اغتيل في عام 1947، حين كانت في الثانية من عمرها. عاشت في بورما السابقة حتى أصبحت في التاسعة عشرة من عمرها، حينها قصدت بريطانيا للدراسة، حيث التقت مايكل أريس، وتزوجا في عام 1972.
أنجبت من أريس ولدين، وأمضت حياتها مع عائلتها بين بوتان والمملكة المتحدة. لكن في عام 1988، اضطرت للعودة إلى ميانمار لأسباب عائلية، وبقيت هناك بعدما استولى العسكريون على السلطة. انضمت أونغ إلى حركات الاحتجاج المطالبة بالإصلاح في البلاد، وأسست الرابطة الوطنية الديموقراطية، فألقي القبض عليها وعرض عليها الحرية مقابل المنفى. لكنها رفضت. وبعد فوز حزبها بانتخابات عام 1990، ألغى العسكر النتائج، ما سبب موجة غضب عارمة في البلاد واستنكاراً دولياً، فاستحقت جائزة نوبل للسلام.
وبعد 5 سنوات وافقت السلطات العسكرية على إطلاق سراحها، محاولة في الوقت ذاته إبعادها بكافة الوسائل، لكنها رفضت رغم بعدها عن عائلتها التي لم ترها منذ خمس سنوات، فيما توفي زوجها بمرض السرطان عام 1999 من دون أن تتمكن من رؤيته.
وفي وقت بقيت فيه بعيدة عن ولديها اللذين عاشا في بريطانيا، واصلت أونغ نشاطها السياسي، فأعيدت إلى المعتقل من جديد في عام 2000 حيث مكثت عامين ثم أُطلقت في عام 2002. وفي نهاية أيار 2003 تعرض موكبها لاعتداء من مسلحين ممولين من العسكر، لكنها تمكنت من الفرار، وسرعان ما أُلقي القبض عليها وأعيد سجنها، ولم يطلق سراحها إلا بعد 7 سنوات، رغم الضغوط الدولية. وعملياً يمكن القول إن أونغ كانت رهن الإقامة الجبرية في المنزل حتى عام 2010.
وتحولت أسطورة ميانمار إلى رمز نضالي، وأصبحت قصتها موضوع فيلم «السيدة» أو «The Lady» الذي يحكي عن امرأة ضحّت بكل ما لديها من أجل الدفاع عن قضيتها، والإبحار وسط أمواج القمع المتلاطمة للوصول ببلدها إلى ميناء الديموقراطية.
لعل فوزها مع أعضاء حزبها بالمقاعد الـ 45 من أصل 46 في كاوهمو قد يعفي بلدها من عقوبات الاتحاد الأوروبي التي اشترطت منظومة «القارة العجوز» عودة ميانمار إلى الديموقراطية وتحقيق الإصلاحات لترفع عنها العقوبات الاقتصادية.
حاملة جائزة نوبل للسلام، التي بدا عليها الارتياح بعدما قطفت ثمرة نضالها الطويل ومعاناتها مع الاعتقال، وقفت بعد إعلان نتيجة فوزها غير الرسمية أمام حشد مبتهج من مؤيديها في مقر حزب الرابطة القومية من أجل الديموقراطية في يانغون، لتقول: «إنه ليس انتصارنا بقدر ما هو انتصار للشعب الذي قرر أنه يجب أن يشارك في العملية السياسية لهذا البلد». لطالما أملت أونغ صان سوكي أن تتحوّل ميانمار إلى «عصر جديد يشهد مزيداً من التشديد على دور الشعب في الحياة السياسية اليومية، لكنها في الوقت نفسه لبلدنا».
وبتغلب المرأة الأسطورة _ كما وصفتها الصحافة الغربية _ على منافسين في دائرتها، تبين حجم التوق الشعبي إلى التماهي مع طموحاتها التي ضحت من أجلها سنوات طويلة.