أنقرة | كاد يكون المشهد أمام قاعة محاكمة منفّذي انقلاب 12 أيلول 1980 في أنقرة، أول من أمس، غير قابل للتصديق، تماماً مثلما أنّ المناسبة المذكورة كانت أكثر من ضرب من الخيال بالنسبة إلى الجميع تقريباً قبل سنوات قليلة؛ حشد من اليمينيين واليساريين جنباً إلى جنب وليس في وضعية مواجهة. وكما في الأيام الخوالي، كان اليساريون واليمينيون يطلقون العنان لشعاراتهم وهتافاتهم. لكن أول من أمس، اختلف المشهد، إذ كان كل طرف منهم ينتظر دوره ليطلق أغانيه بعد انتهاء الطرف الآخر. لا عراك، لا شتائم، لا قوات شرطة تفصل في ما بينهم، بل شعارات موحدة تجمعهم للمطالبة بتحقيق العدالة لرفاقهم من ضحايا انقلاب جنرالات «أيلول الأسود» التركي. أملٌ بتحقيق العدالة مُضاف إليه تساؤل واحد: هل تكون هذه المحاكمة استعراضية ليقول حكام حزب «العدالة والتنمية» إنهم حققوا ما عجز جميع أسلافهم عن تحقيقه في تصفية حساب الجمهورية مع تاريخها العسكري، أم أن المسار القضائي سيتكلّل بإنزال الجزاء بحق من قتلهم وسجنهم وعذّبهم ونفاهم وأفسد حياتهم؟ قاعة محاكمة الجنرالين العجوزَين كنعان إيفرين وتحسين شاهنكايا كانت صغيرة مقارنةً مع أهمية الحدث الجلل؛ 147 شخصاً فقط سُمح لهم بدخول القاعة، بينما عدد المدّعين على الجنرالات بلغ 500، بينهم ثمانية أحزاب سياسية ونواب والبرلمان التركي. هكذا، لم يتمكن عدد كبير من محامي المدعين إيجاد كرسي داخل المحكمة، ما دفع برئيس المحكمة القاضي سليمان إينش للسماح لهم بالجلوس على الكراسي المخصصة للمتهمين اللذين لم يحضرا الجلسة بداعي المرض، الجنرالين إيفرين وشاهنكايا، الوحيدَين المتبقّيَين على قيد الحياة من بين جميع جنرالات الانقلاب الأسوأ الذي شهدته تركيا مقارنةً مع الانقلابات الثلاثة الأخرى. لكن في النهاية، لم يوافق محامو الجنرالين على تقديم الكرسيَّين لـ«الأعداء». سلوك زاد من حدّة الغضب المهيمن خارج القاعة، حيث الإصرار على أنه يجدر إحضار المتّهمَين ولو كان ذلك على الكرسي المتحرك أو على السرير الطبي، أسوةً بالرئيس المصري المخلوع، حسني مبارك.

وفي حيثيات الجلسة، طلب أحد محامي الجنرالين، بولنت أكار، من المحكمة إسقاط الدعوى، بحجة أنه ليس من صلاحية محكمة مدنية مقاضاة منفِّذي انقلاب عسكري، فرفض القضاة الطلب، واستمرت المحاكمة.
بدأت الجلسة بالاستماع إلى الطلبات الكثيرة المقدمة من قبل أشخاص ومؤسسات مصرّين على أن يدّعوا على الجنرالَين وآخرين، ولدى هؤلاء الكثير من الأسباب الموجبة؛ فقد أُعدِم 50 شخصاً على يد الانقلابيين من بينهم الفتى إردال إرن، البالغ في حينها 17 عاماً، فما كان من القتلة إلا زيادة عمره لجعله 18 كونه كان محظوراً إعدام قاصر في تركيا قبل إلغاء عقوبة الاعدام لاحقاً. الأسباب الموجبة لا تنتهي هنا، إذ تم اعتقال وتعذيب 650 ألف شخص على اثر الانقلاب، ونفي 30 ألفاً إلى الخارج، إضافة إلى موت المئات في السجون تحت التعذيب وتمّ تصنيف آخرين في خانة المختفين قصرياً، من بينهم كميل كيربايير الذي اعتُقل في 13 أيلول 1980، ولم يُعرَف عنه شيء منذ ذلك التاريخ. والدة كميل، بسنواتها الـ104، كانت أحد خطباء الجمهور المتجمهر أمام محكمة أنقرة بكلمات أثارت دموع الكثيرين: «أريد عظام ابني، أريد أن أعرف ماذا حلّ به، هذه المحاكمة فرصة لمحاسبة المسؤولين عن الجرائم، وقبل أن يموتوا يمكنهم أن يعتذروا». أمّ أخرى حضرت، هي والدة مريفت إسنداغ الذي شُنق ابنها على يد العسكر، وخاطبت الحشد بكلام مماثل، معلنةً أنها «تحيل هؤلاء الذين قتلوا ابني إلى الله».
لكن تركيا الرسمية والشعبية لا تريد ترك هؤلاء لله، بل تبدو مصرّة على تصفية الحسابات العالقة مع تاريخها هنا، على الأرض. وقال النائب الكردي البارز عن حزب «السلام والديموقراطية»، أحمد ترك، والذي تعرّض للتعذيب الشديد على أيدي الانقلابيين في سجن دياربكر سيئ الذكر، «لا نريد معاقبة أشخاص يبلغون من العمر 90 عاماً، بل مواجهة الماضي». هو ماضٍ قصص ضحاياه لا تنتهي، من بينها قصة السجناء السياسيين الأربعة الأكراد الذين أحرقوا أنفسهم حتى الموت اعتراضاً على الظروف غير الانسانية بتاتاً بحق السجناء. ويصل الأمر بخبراء أتراك حدّ اعتبار أن حزب العمال الكردستاني «وُلد في سجون الانقلاب المذكور، كون السجناء الذين نجوا من الموت، هربوا إلى الجبال للانضمام إلى «العمال الكردستاني»».
لكنه لن يكون سهلاً على تركيا التصالح مع هذا التاريخ، بحسب عدد كبير من محامي المدعين ضد إيفرين وشاهنكايا. ويختصر نقيب المحامين الأتراك، سلجوك كوزأغاشلي، الوضع على النحو الآتي: «إذا تمّ الاكتفاء بمحاكمة هذين الرجلين (إيفرين وشاهنكايا) ولم يحصل التوسع بالمحاكمة على أساس أنها جرائم ضد الانسانية، فستكون هذه المحاكمة مجرد مسرحية».
لكن لدى اللائحة الاتهامية رأياً آخر، إذ اكتفت باعتبار أن جريمة الانقلابيين هي «تغيير النظام بالقوة» فحسب، من دون إيراد تهمة ارتكاب جرائم ضد الانسانية. ويشير كوز أغاشلي إلى أنّه يجدر توسيع نطاق المحكمة، بما أن النظام السياسي المطبق حالياً في تركيا، لا يزال هو ذلك الذي أرساه انقلاب 12 أيلول 1980، رغم جميع التعديلات الدستورية والسياسية والتي حصلت منذ ذلك التاريخ الأسود. بناءً عليه، يصرّ نقيب المحامين على انه يجدر الاتيان بجميع المسؤولين عن الانقلاب إلى المحكمة، من ضباط وعناصر جيش وشرطة ومحافظين ووزراء... ملوحاً بأنه إذا لم تستجب المحكمة لهذه الشروط، فإنّ المحامين سينسحبون من الدعوى. وبالفعل، رفضت المحكمة الانصياع لهذه الطلبات، فانسحب كوزأغاشلي من القاعة، رغم تفاؤل رئيس الكتلة البرلمانية لـ«العدالة والتنمية»، حسين جليك، الذي بشّر بأنه «حين يحين الوقت ليدلي المدعون بشهاداتهم ويوردوا أسماء المسؤولين عن التعذيب والقتل... فإنّ نطاق المحاكمة قد يتّسع حينها.




إنجاز «العدالة والتنمية»!


يرى كثُر أنّ حزب رجب طيب أردوغان، «العدالة والتنمية»، حقّق إنجازاً داخلياً جديداً من خلال تمكُّنه من فتح محاكمة انقلابيي 12 أيلول 1980، في مقدمتهم الجنرال الرئيس كنعان إيفرين (الصورة). ورغم أن لائحة الادعاء تضم أحزاب المعارضة إضافة إلى الحزب الحاكم، فقد دخل موضوع المحاكمة في سياق السجال المستمر بين الموالاة والمعارضة. فقد رأى بعض المعارضين أنّ «العدالة والتنمية» لم يكن موجوداً في زمن الانقلاب، وأنه أحد منتجات الانقلاب. كلام يردّ عليه أردوغان ورفاقه بالتذكير بأنّ محاكمة الجنرالات لم تكن لتحصل لو لم يقدم الحزب على تعديل الدستور في 2010، وإلغاء المادة 15 التي كانت تمنح منفِّذي الانقلاب حصانة ضد المحاكمة. وأشار أردوغان إلى موقف بعض أحزاب المعارضة التركية المتردِّد إزاء تعديل الدستور في حينها، إذ «كانوا يقولون إن التعديلات لن تكون كافية لمحاكمة الجنرالات وباقي المسؤولين عن الجرائم، واليوم هم يشاركون في معسكر المدّعين». بدوره، أعرب الرئيس عبد الله غول عن سعادته لرؤية التضامن بين مختلف الأطراف التركية من جهة المشاركة في لائحة المدّعين «بانتظار أن يصبح لدينا دستور جديد».