■ نشر مصرف «بي ان بي باريبا» الفرنسي أخيراً دراسة أشار فيها إلى أن حجم الناتج المحلي الصيني سيفوق حجم الناتج المحلي للولايات المتحدة الأميركية عام 2020، يعني ذلك أن الاقتصاد الصيني سيصبح أكبر اقتصاد في العالم. وللمرة الأولى في العصر الحديث ستتميّز دولة غير غربية بأقوى اقتصاد في العالم؟

القوة العظمى... حسناً لكن إذا نظرنا فقط إلى حجم الناتج المحلي، فهذا لا يقدم رؤية متكاملة. هناك عناصر أخرى ينبغي التطرق إليها. في الصين مليار وثلاثمئة وأربع وتسعون ألف نسمة، واذا قسّمنا مجموع الناتج المحلي على كلّ منهم لأصبح موقع الصين في المرتبة المئة عالمياً.

نحن نعدّ أنفسنا متأخرين إلى حدّ ما، ونعي جيداً أن علينا بذل الكثير لرفع مستوى تطوّر بلدنا. أمامنا ثلاثة تحديات أساسية؛ خلل في التوازن بين تطوّر المناطق المختلفة في الصين، فالمناطق الساحلية تتطوّر أكثر من المناطق الداخلية والأنحاء الغربية من البلاد حيث لا يساعد المناخ الناشف. ويعاني سكان الغرب من ذلك كثيراً. هناك أيضاً فارق بين التطوّر في المدن مقابل التطوّر في المناطق الريفية. أضف إلى ذلك الشرخ الواسع بين طبقة من الأغنياء، بينما لا يزال حوالى 100 مليون صيني يتقاضون أقل من دولار واحد يومياً. نحن نعي هذه المشاكل، وعلينا القيام بجهود كبيرة لحلّها، لا أن ندّعي أننا وصلنا إلى مستوى مقبول.

■ لكنّ معدّل النموّ الاقتصادي للصين هو من أعلى المعدلات في العالم. هل عدم التباهي بالعظمة جزء من قوّتكم؟
(يضحك) أنا واقعي، لكن صحيح أن الصين تمكنت من إحراز تطوّر كبير بالنسبة إلى ما عرفناه سابقاً. ومنذ 30 عاماً لدينا معدّل نمو سنوي يبلغ نحو 10 في المئة. إنه نمو متقدّم ومستدام.

■ هل سيكون لتنامي القوة الاقتصادية تأثير على سياستكم الخارجية؟
في الواقع إن السياسة الخارجية الصينية تنطلق من مبادئ محدّدة مهما بلغ معدل النمو الاقتصادي. المبادئ الثلاثة الأساسية هي: عدم التدخل في شؤون الدول الداخلية، وحلّ النزاعات من خلال الحوار والمفاوضات حفاظاً على السلام، وتعاون الدول في ما بينها ومساعدة الدول المتأخرة على النمو والتطوّر.

■ لكن أليس لقوة الصين الاقتصادية وقع على أدائها السياسي دولياً؟
حسب القضية. ولا شكّ في أن صوت الصين أقوى اليوم وأن العالم يسمعنا أفضل. غير أن المواقف الدولية ليست متطابقة، ولكلّ دولة مواقفها وخياراتها. ولا بدّ هنا من الإشارة إلى دور الإعلام العالمي في عرض صورة ليست بالضرورة دقيقة عن واقع السياسة الخارجية الصينية.

■ ماذا تريد الصين؟
الصين تريد التطوّر والنمو فيها وفي جميع الدول الأخرى، ولا تسعى الصين إلى تأمين مصالحها على حساب الآخرين.

■ أليس هذا الكلام فقط من باب البروباغاندا (الدعاية السياسية)؟
إن ما قلته يستند إلى الوقائع. وإذا كان لديك أمثلة تدحض تلك الوقائع أتمنى أن تطرحها الآن.

■ إن نشاط الصين في الدول الأفريقية لا يبدو مختلفاً عن نشاط غيرها من الدول الصناعية التي تسعى إلى الاستفادة من الموارد الطبيعية بأسعار مخفوضة، فيما يعدّ نوعاً من الاستغلال. ويؤدي ذلك إلى مزيد من إفقار القارة الأفريقية.
أشكرك على هذا السؤال، حيث إنني عملت سابقاً حوالى أربع سنوات في سفارة بلادي في جمهورية الكونغو الديموقراطية، وسأعطيك بعض الوقائع عن الدور الذي تؤديه الصين في تطوير المؤسسات المحلية ورفع مستوى العيش هناك. لدى الصين وجود قوي في أفريقيا منذ ستينيات القرن الفائت. ولقد قدمنا الكثير من المساعدات لتطوّر الدول الأفريقية. وفي الكونغو بنينا سكة حديد للقطار تمتدّ حوالى 2000 كيلومتر من غرب البلاد إلى شرقها، وبنينا مبنى البرلمان الضخم في العاصمة كينشاسا وبجواره بنينا مدينة رياضية تستوعب 80 ألف شخص. هذه المشاريع وغيرها من المشاريع الإنمائية ومشاريع تطوير البنى التحتية وتأمين الخدمات الطبية قدّمتها الصين إلى شعب الكونغو هبة ضمن معادلة رابح/رابح التي نعتمدها، حيث إن التبادل يجب أن يكسب البلدين معاً.

■ ألا يزعج ذلك القوى الغربية؟
لقد عمّموا أن الصين تنهب الموارد الطبيعية الأفريقية. لكن في الواقع إن الشركات الغربية تستغلّ الدول الفقيرة. إن دور الصين في أفريقيا يزعجهم، وبالتالي فهم يحاولون تعميم الإساءة إلى سمعتها.

■ هل هناك تغييرات في موقف الصين من الصراع العربي الإسرائيلي؟
إن موقف الصين ثابت وواضح وصلب من الصراع العربي الإسرائيلي. نحن ندافع دائماً عن الحقوق المشروعة.

■ ما هو موقفكم من سلاح المقاومة (حزب الله) في لبنان؟
إن جميع مساعي اللبنانيين لحماية بلدهم والحفاظ على سيادته هي مساعٍ مشروعة. ونحن نعلم أن هناك اختلافاً في آراء بعض اللبنانيين بشأن تسلّح حزب الله. إن موقفنا ثابت في هذا الشأن، ونحن نعتقد أن هذا شأناً لبنانياً داخلياً ولا يحق لأحد التدخل في الشؤون اللبنانية الداخلية. على اللبنانيين وحدهم أن يتحاوروا في هذا الشأن بغية التوصل إلى توافق. أما عندما يتعلّق الأمر بالصراع مع إسرائيل فلا شكّ في أن إسرائيل هي التي تحتلّ أراضي لبنانية. هذا أمر واضح. نحن ندافع عن مبدأ حقّ اللبنانيين في حماية سيادتهم.

■ عام 2006 استخدمت المقاومة تكنولوجيا عسكرية متطوّرة لإصابة سفينة حربية إسرائيلية كانت في عرض البحر. وقيل يومها إن تلك التكنولوجيا العسكرية استقدمت من الصين. ما هو تعليقكم على ذلك؟
أنا لست خبيراً عسكرياً... ولا أعرف كيف انتقلت هذه التكنولوجيا. لكن على أي حال، لدينا سياسة بيع أسلحة تتميّز بالمسؤولية، إذ إننا نحترم القواعد الدولية. إن الدولة تتدخل لدى شركات التصنيع العسكري إذا تجاوزت تلك الشركات القواعد الدولية.

■ لكن هناك إشارات إلى امتلاك المقاومة صواريخ صينية متطوّرة تنافس التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية؟
بالنسبة إلي إن قضية بيع السلاح واضحة، ونحن لا نتجاوز القواعد الدولية. نحن على تواصل مع حزب الله، لكن لا شأن للسفارة الصينية في بيروت بقضية السلاح. هذا ليس من اختصاصي أو من اختصاص الملحق العسكري. نحن لا نقوم بعمل الشركات التي تعقد صفقات بيع الأسلحة. هذه قضايا تجارية.

■ لم تؤيّد الصين عام 2007 إنشاء المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري في مجلس الأمن. ما هو موقفكم اليوم؟
نحن نعتمد مبدأً ثابتاً في سياستنا الخارجية، وهو عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. إن الحدث كان مؤلماً، وكانت لديه نتائج ثقيلة على لبنان، لكنها قضية داخلية. وانطلاقاً من احترامنا للسيادة اللبنانية، نحن نعتقد أن على اللبنانيين أن يتعاملوا مع هذه المشكلة والبحث عن أفضل السبل للتحقيق في الجريمة. وعندما طرح موضوع إنشاء محكمة الدولية، نحن فضّلنا عدم التصويت، لأننا نتمنى أن يكون الأمر بيد اللبنانيين وحدهم.

■ إن القرار الاتهامي سمّى حزب الله، بينما لا يتيح نظام المحكمة اتهام تنظيمات بل أشخاص، ألا يشير ذلك إلى تسييس في عمل آلية قضائية؟
لننتظر النتيجة. فإن العديد من العناصر التي تسمح بالتوصل إلى خلاصة لا تزال مفقودة. نحن سننتظر وسنراقب، ونتمنى أن تكون نتائج التحقيق مقنعة للجميع، وإلاّ فسيبقى هذا الموضوع خلافياً.

■ ننتقل إلى ملف المشاكل في سوريا، هل أنتم راضون على عمل كوفي أنان؟
المسألة ليست إذا كنا راضين أو غير راضين عن عمله، بل إن مهمة الرجل تحتاج إلى دعم لأنها مناسبة جيدة للمساعدة على جمع الناس حول طاولة المفاوضات. إن وقف العنف في سوريا هو الأهم، لكن كيف؟ يجب دفع الناس إلى الحوار الداخلي الذي يستبدل العنف وهذا أمر أساسي. ويجب الخروج بخطة سياسية للحلّ.

■ ماذا تقولون للمعارضين السوريين الذين يطلقون الكلام النابي بحقّ الصين بسبب موقفها؟
إنهم لم يفهموا موقف الصين. نحن لا نتمنى الشرّ لأي شخص. نحن نفهم جيداً أن جميع الناس يريدون تحسين ظروف عيشهم، ونحن نقوم بجهود كبيرة لتحسين مستوى عيش الصينيين. ومن حقّ الشعوب المطالبة بذلك، لكن المشكلة اليوم في سوريا أن هناك صداماً مسلّحاً، وبالتالي نحن ندعو الجميع إلى التحاور بحثاً عن حلول سياسية والابتعاد عن الصدام في الشارع. ونحن نعترض على أي تدخل خارجي في سوريا، لأن ذلك لا يساعد على حلّ المشكلة، بل على العكس، إن التدخل سيؤجّج النار. في سوريا يجب وضع خطة سياسية لتنفيذ الإصلاحات التي طالما تحدثت عنها الحكومة السورية. ويجب أن تستجيب هذه الخطة لطموحات الشعب السوري. أما العنف فلا يؤدي إلاّ إلى مزيد من العنف.

■ بعض الدول العربية (السعودية وقطر) وتركيا تهاجم الموقف الصيني من الأحداث في سوريا، وتتوجّه إليكم بكلام قاس، هل هذا يزعجكم؟
ربما ما تقوله هو مجرّد كلام يظهر في وسائل الإعلام. فإن السلطات الرسمية في الدول التي ذكرتها لم تستخدم في لقاءاتها مع المسؤولين الصينيين كلاماً قاسياً. هناك تواصل واسع مع جميع الدول من بينها الدول التي ذكرتها. ولبعض الدول نظرتها الخاصة إلى الأمور، وهذا لا يزعجنا. لدينا علاقات واسعة مع الكثيرين حتى نتمكن من فهم مواقفهم ويتمكنوا في المقابل من فهم مواقفنا. لدينا مبادئ نتمسّك بها ونحن نسعى إلى شرحها.

■ بعض الدول تدفع نحو تهريب الأسلحة والأموال إلى المعارضين للنظام في سوريا، ما رأيكم؟
هذا ليس جيداً، بل يزيد من تفاقم الأزمة. نحن ندعم جهود كوفي أنان، ونطلب من الجميع أن يستفيدوا من هذه الفرصة للبحث عن حلّ. إن نداءنا واضح جداً: نحن ندعم جهود كوفي أنان ونعارض جميع أشكال التدخل في سوريا.

■ ننتقل إلى الشأن الإيراني وموضوع العقوبات الدولية. ما هو موقفكم من الوضع في إيران؟
إن للصين علاقات واسعة مع إيران في جميع القطاعات، وعلاقاتنا الثنائية بإيران ممتازة. أما بشأن الملف النووي الإيراني، فنحن نعتقد أن الحوار مع إيران هو الأسلوب الصحيح للتعامل معها. ولا يجوز استخدام التهديدات والعقوبات بحقها. إن التهديدات والعقوبات تزيد من حدّة المشكلة ولا تتيح التوصل إلى نتائج إيجابية.

■ هناك خطط عسكرية إسرائيلية لضرب إيران، ما هو موقف الصين إذا حصل ذلك؟
لا يجوز توقع أمور بهذه الخطورة. لا أحد جدّياً يمكنه أن يفكّر في ضرب إيران. هذه مسألة بالغة الخطورة. كلّ عمل عسكري ستكون نتائجه كارثية. يجب أن نعمل من أجل عودة الجميع إلى صوابهم.




سئل السفير وو عن الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون الذي تعدّه واشنطن خطراً على السلام الدولي وعلى مصالحها فأجاب: «هناك عقلية في الإعلام الغربي مبنية على المواجهة بسبب نقص الثقة بالآخرين. وعندما تغيب الثقة يتغلّب التكهن بأسوأ الأمور ويُخترع الأعداء. فإذا كانت هناك أمور لا تعجب البعض، فعليهم أن يسعوا إلى فهمها وإلاّ ستقع الحرب التي لا تؤدي إلاّ إلى الخراب والألم وسيدفع ثمنها الجميع، بما فيهم المعتدي».



رقم اليوم | 2020



توقّع مصرف «غولدمن ساكس» قبل بدء الأزمة المالية عام 2010 أن يوازي حجم الناتج المحلي الإجمالي للصين الشعبية حجم الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة الأميركية عام 2025. لكن بسبب الأزمة المالية وتراجع الاقتصاد الأميركي، يُتوقع أن يحلّ الموعد عام 2020. وتوقّعت وحدة الدراسات في المصرف أن الناتج المحلي الصيني سيبلغ حجمه ضعف حجم الناتج المحلي في الولايات المتحدة بحلول عام 2050.



تقرير

الصين الشعبيّة: أكبر قوّة اقتصاديّة في الــعالم لا تلتزم القيم الغربيّة



للمرة الأولى في العصر الحديث، لن تكون الدولة الأقوى اقتصادياً في العالم من بين الدول الغربية أو من الدول المتطوّرة، بل دولة نامية ذات خلفية ثقافية مختلفة جذرياً. فمع نهاية 2012، ستحقق الصين الشعبية أعلى معدّل ناتج محلي إجمالي (GDP) في العالم.
الاقتصاد الصيني شهد تراجعاً في سرعة النمو منذ مطلع 2012 لأن حجم الصادرات الصينية تراجع بسبب التضخم الذي تشهده الأسواق الغربية منذ الأزمة المالية. لكن لا شك أن الصين لا تزال القوة الاقتصادية الأسرع نمواً في العالم، و«لدى صانعي القرار في الصين هامش واسع للاستجابة لتباطؤ النمو، إذ إن هذا الهامش أوسع بكثير من الهامش المتاح للمصارف المركزية ووزارات المال في أوروبا والولايات المتحدة»، يقول مدير مصرف «غولدمن ساكس» للاستثمار الدولي، يان هاتزيوس.
وكانت توقعات «غولدمن ساكس» قبل الأزمة المالية قد أشارت الى أن حجم الناتج المحلي الإجمالي للصين سيوازي حجم الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة الأميركية عام 2025. وتوقّعت وحدة الدراسات في المصرف أن الناتج المحلي الصيني سيبلغ حجمه ضعف حجم الناتج المحلي في الولايات المتحدة بحلول عام 2050.
ويسود اعتقاد في الأوساط الاقتصادية الغربية (والمستغربة) بأن تطوّر الدول يعني تحوّلها الى دول غربية، لكن هذا لا ينطبق على الصين، حيث التطوّر ليس النتيجة الحصرية للتسابق الاقتصادي وتوسّع أسواق التبادل والتكنولوجيا. فللثقافة والتاريخ دور أساسي في شرح تطوّر الصين، بحسب الأستاذ في جامعة لندن للاقتصاد مارتان جاك.
إن الصين ليست دولة قومية، على الرغم من تسميتها الحالية (جمهورية). سلالتا الـ«شن» والـ«هان» كانتا تسيطران على الجزء الشرقي مما يعرف بالصين اليوم. وفي هذه المنطقة، حيث تقطن غالبية الصينيين اليوم، بدأ تطوّر الصين. المهم في ذلك أن ما يرسخ الانتماء الصيني لم يبدأ بعد تأسيس الدولة القومية في الصين منذ نحو 100 عام، كما هي حال الدول القومية الغربية، بل منذ نشوء الدولة الحضارية في الصين قبل أكثر من 2500 سنة. ويعود ذلك الى تقاليد العبادة وبمفهوم مغاير عن مرتكزات الدولة القومية، ورؤية خاصة لفكرة العائلة والعلاقات الاجتماعية، والقيم الكونفوشية. كلّ هذه الأمور تعود الى مفهوم الدولة الحضارية. وبالتالي، خلافاً لدول الغرب ولمعظم دول العالم، إن الصين اليوم تتكوّن من مفهوم حضاري مبني على أساس كونها دولة حضارية، لا دولة قومية.
إن تكوين مفهوم عن الصين كدولة حضارية لا كدولة قومية يستدعي الإشارة الى الآتي:
إن العلاقة بين الدولة والمجتمع في الصين تختلف عن العلاقة القائمة في الغرب. ففي الغرب توجد قناعة بأن النظام الديموقراطي يحدّد سلطة الدولة وشرعيتها. أما الدولة الصينية فتتمتع بالشرعية وموقع السلطة أكثر من أي دولة غربية. هناك سببان لذلك لا علاقة لهما بالديموقراطية لأنه بالمفهوم الغربي لا يوجد نظام ديموقراطي في الصين. أولاً إن الدولة في الصين تتمتع بموقع حارس الحضارة الصينية عبر الحفاظ على ركائز الدولة الحضارية. ثانياً، وعلى عكس الدول الغربية، إن الدولة الصينية لم تتعرض لأي تحدّ لتكوينها منذ نحو 1000 عام. فلم يظهر أي منافس جدي لوجودها. وبالتالي فإن طريقة بناء قوة الدولة في الصين تختلف عن بناء القوة من خلال التجارب الغربية. فالصينيون ينظرون الى الدولة كعضو رئيسي ينتمي الى الأسرة التي ينتمون جميعهم إليها.
أعادت بريطانيا هونغ كونغ للصين عام 1997، وكانت السلطات الصينية قد أوضحت أن الصين وهونغ كونغ هما جزء من بلد واحد بنظامين. لم يعتقد الغربيون يومها أن ذلك ممكن، بل ظنوا أن توضيح الصين كان مجرّد خدعة. لكن بعد مرور 15 سنة، لا شك أن النظام السياسي والقضائي في هونغ كونغ لم يتغيّر. يعود سبب خطأ تقدير الغربيين الى انطلاقهم من مفهوم وجود دولة قومية في الصين لا دولة حضارية كما هي الحال. فلنأخذ مثلاً توحيد ألمانيا عام 1990، حيث ابتلعت ألمانيا الفيدرالية (الغربية) ألمانيا الديموقراطية (الشرقية) على قاعدة دولة واحدة بنظام واحد، وهي القاعدة الأساسية التي ترتكز عليها الدول القومية.
إن وحدة الصين عبر الحفاظ على الخصوصيات الحضارية الصينية هي أهم قيمة من بين القيم السياسية السائدة والرائجة بين معظم الصينيين اليوم. منذ ألفي عام، انهارت الوحدة في أوروبا بعد انقسام الإمبراطورية الرومانية. ولا يزال هذا الانقسام قائماً حتى اليوم. أما الصين فاتخذت منحى معاكساً وتمكن الصينيون من الحفاظ على الوحدة الحضارية.
عمر...