بكين | «RELAX»، بهذه العبارة المكتوبة باللغة الإنكليزية على لافتة موضوعة عند مدخل قاعة الوصول، تستقبل الصين الشعبية زوارها؛ ففي بلد المليار والثلاثماية والتسعين مليون مواطن، الذي حافظ على استقرار معدل نمو اقتصادي يوازي ١٠ في المئة منذ نحو عشرين عاماً ليصبح اليوم أكبر قوة منافسة للولايات المتحدة وأوروبا، هناك ما قد يستدعي بعض التوتر، وخصوصاً لمن يراهن على استمرار أُحادية الهيمنة الغربية على العالم.


لكن الدعوة الى تهدئة الأعصاب ليست موجهة حصراً الى هؤلاء، بل كذلك الى من يستعجل التغيير ويتحمس للمواجهة التقليدية مع الغرب؛ فصحيح أن الحزب المؤسس لجمهورية الصين الشعبية تمكّن من تحديث نفسه من خلال تبنيه اقتصاد السوق، ومن دون أن يتخلى عن بعض أسس بدايات الثورة الحمراء المرتكزة على تحسين مستوى العيش ومناهضة قوى الهيمنة الغربية، لكن هذا لا يعني أن تعاظم قوته ستدفعه الى الصدام مع خصومه.
نائب مدير الاعلام في وزارة الخارجية الصينية، ما جيشنغ، شدّد على موقف الصين المؤيد لحصر دورها في ميدان التنافس الاقتصادي، لكنه شكا عدم تقبل أوروبا وأميركا للصين كمنافس في السوق الدولية، عبر منعها من تصدير واستيراد بعض المواد، وعبر التدخل غير المشروع في عمليات التبادل التجاري والاستثمار والمقاولات. وقال المسؤول الصيني، خلال مأدبة غداء جمعته ببعض الإعلاميين في بكين أول من أمس، «بعض الدول الغربية تمنعنا من تصدير التكنولوجيا اليها بينما نستورد الطائرات منها». وأضاف «يبدو من خلال ما نقرأه في بعض وسائل الإعلام مثل التايم والايكونومست وما نشاهده في «سي أن أن» و«بي بي سي»، أن الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية تريد العودة الى الصراع القديم. أما اذا كان الأمر يتعلق بملاحظات بشأن أمور تحصل في الصين فنحن نقبلها من الأصدقاء لا من جهات تسعى الى التحريض».
وكانت وسائل الاعلام التي أشار اليها المسؤول الصيني قد نشرت أخيراً على صفحاتها الرئيسية مواضيع تشير الى فساد بعض المسؤولين الرسميين في الصين والى سعيها الى زيادة تسلحها تمهيداً لاحتمال المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة. وأكدت القيادات الصينية لـ«الأخبار» في بكين أن هذه المعلومات عارية عن الصحة، وأشارت الى أن نسبة الموازنة العسكرية الصينية لا تزيد على ١،٣ في المئة من مجموع الناتج القومي الصيني سنوياً. وقال ما جيشنغ «لن نرد على هذه الادعاءات ومن يريد معرفة الحقيقة فهو يعرف مكانها جيداً. لدينا مثل حكيم في الصين يقول إن الناس يعرفون طعم المأكولات الشهية حتى لو كانت صعبة المنال».
وعلى الرغم من حدة التنافس الاقتصادي بين الصين والغرب، ومن المرارة التي يعبّر عنها العديد من المسؤولين الصينيين بشأن المواقف المعادية التي يبثها الاعلام الغربي، يبدو أن قرار القيادة المركزية في بكين هو اعتماد حكمة ارتكزت عليها الثقافة الكونفوشية وهي السعي الى «التناسق في كل الأشياء»، اذ إن السياسات الداخلية والخارجية الصينية في شتى المجالات الاقتصادية والاجتماعية والدبلوماسية وحتى العسكرية والاستراتيجية، تنطلق من مبادئ ثابتة وأسس قامت قيادات الحزب بتطويرها منذ اعلان الأمين العام، دنغ شياوبنغ، في سبعينيات القرن الماضي قرار تثبيت الأهداف مقابل تنوع أساليب وسبل تحقيقها بحكمة وتروّ. وأدركت القيادة أن التغيير البطيء يجنب اختلال الاستقرار الداخلي. وبحثت عن سبل لتخطي انهيار الأنظمة الشيوعية في أوروبا وخلف حدودها الشمالية (الاتحاد السوفياتي).
الصين اليوم مقتنعة بأنّ التفوق على الغرب لن ينجح عبر مواجهته مباشرة ومن خلال الاستعانة بالإيديولوجيا اليسارية وبواسطة أسلحة تقليدية وعبر المواقف العنيفة والمتشنجة، «ليس مهماً أن يكون لون القطة أبيض أو أسود بل المهم أن تتمكن القطة من الإمساك بالفأر»، قال دنغ شاوبنغ منذ نحو نصف قرن. لكن يبدو أن الحزب الأحمر هو الذي تحول اليوم الى فأر عملاق من المستحيل الإمساك به. «أصبحت الصين قاعدة صناعية كبيرة تستحيل منافستها من حيث حجم إنتاجها»، أكد نائب مدير قسم غرب آسيا وأفريقيا في وزارة التجارة الصينية، كاو جياشانغ، لكنه أضاف «إننا نجهد لتحويل الصين من دولة قوية من حيث حجم الانتاج الى دولة قوية من حيث جودة الانتاج».
وبناءً على ذلك تنبثق ملايين الألوان عن لون الشعار الصيني الأحمر عبر تنوع الانتاج الصناعي وتطور الاقتصاد والتجارة والعلوم التكنولوجية والابتكارات في شتى المجالات الحيوية. أما الميزة الأبرز للفأر الصيني العملاق، فهي أنه لا يستهدف اليوم الإمساك بالقطط الصغيرة أو الثأر من القطط الكبيرة، بل يسعى إلى استيعابها؛ ففي السياسة الخارجية، كما في الاستراتيجية الاقتصادية وخطط التطوير الداخلي، أدركت الصين أن حجمها يتيح لها استخدام مرتكزات خصمها وقواعده وحتى عقيدته لتتفوق عليه. إن حجم الصادرات الصينية من محافظة جيانغو وحدها بلغ عام ٢٠١١ نحو ٥٣٠ مليار دولار، مع الاشارة الى أن هذه المحافظة، التي زارتها «الأخبار» أخيراً، تساهم بنسبة لا تتعدى عشرة في المئة من مجموع الناتج المحلي الصيني. تقع جيانغزو شمال مدينة شانغهاي، ومن أبرز مدنها مدينة ووتشي الصناعية والسياحية، حيث إن حجم صادراتها بلغ ٧٢ مليار دولار، وهي تستقطب ٥٨ مليون سائح سنوياً وتعد أكبر مركز لتصنيع الطاقة الكهربائية بواسطة الطاقة الشمسية في العالم. يقول نائب عمدة ووتشي، فانغ واي، «نحن نشجع الاستثمارات الاجنبية التي بلغ حجمها في مدينتنا ٣،٥ مليارات دولار من خلال ١٥٣ شركة أجنبية»، قبل أن يضيف «نحن لا نضع شروطاً أو قيوداً على الاستثمارات الاميركية بينما هم يدخلون الاعتبارات السياسية في الحسبان لمواجهة سعينا الى الاستثمار في الولايات المتحدة ويأتون بشروط تعجيزية لمنعنا من الاستثمار في بلادهم».




خبرات تكنولوجية وابتكارات علمية ضخمة


لا تخشى القيادة الصينية التنافس الحرّ مع الغرب؛ فإضافة الى ضخامة حجم انتاجها الصناعي، حصل فيها تطور سريع وكبير في الخبرات التكنولوجية والابتكارات العلمية. في جيانغزو وحدها هناك ١٢٨ جامعة، يتابع فيها نحو مليون وستمائة ألف طالب وطالبة دراسات عليا في مختلف الاختصاصات. لكن ما تتنبه منه القيادة هو احتمالات البلبلة الداخلية بسبب تصاعد العناصر السلبية لاقتصاد السوق. يؤكد نائب عمدة ووتشي، فانغ واي، «بذلنا جهوداً كبيرة لتحسين مستوى العيش في جيانغزو». وبالفعل فإن معدل دخل الفرد ارتفع بنسبة ١٤ في المئة ما بين ٢٠١٠ و٢٠١١ ليبلغ نحو ٤ آلاف وخمسمائة دولار سنوياً. لكن هل يكتفي مواطنو هذه المحافظة الذين يبلغ عددهم نحو ٧٩ مليوناً وغيرهم من الصينيين الذين يبلغ مجموعهم نحو مليار وثلاثمائة وتسعين مليوناً بهذا المستوى من الدخل الفردي؟ أم أن اقتصاد السوق الاستهلاكي سيدفعهم إلى عدم الاكتفاء بالجهود التي تبذلها قيادتهم للتطوير والتحسين والنهوض؟ سؤال برسم السنين المقبلة لكن يُرجح الا تقف الولايات المتحدة مكتوفة الأيدي.