نواكشوط | محمّلين عدّتهم الخاصة، معاول وفؤوساً وأدوات للهدم، خرج عدد من رجال حركة أنصار الدين الإسلامية، منذ السبت الماضي، متجهين نحو مقابر مدينة تمبكتو التاريخية، التي يطلق عليها اسم مدينة الـ 333 وليّاً، في أول حملة يقومون بها لتسوية القبور منذ سيطرتهم على المدينة مطلع نيسان الماضي. وروى صحافيون يمثلون مؤسسات إعلامية موريتانية، رافقوا الجماعة المتشددة، أن البداية كانت من مقبرة سيدي يحيى، التي تقع في المنقطة الشمالية من المدينة بحي أبراز الشعبي، أحد أكبر الأحياء في المدينة؛ حيث دخلها رجال أنصار الدين وهم مسلحون بالرغبة في «كسب الحسنات وتغيير المنكر» الذي قالوا إنهم «كرّسوا حياتهم له حين ابتعدوا عن ملذات الدنيا وانخرطوا في الجهاد في سبيل الله».


وزعم أبو البراء، وهو أحد متشددي أنصار الدين، أنّ «من المعلوم أن الشريعة السمحاء، أمرت بتسوية القبور الزائد حجمها على القدر الشرعي، وهو شبرٌ، وذلك خشية تعظيمها واتخاذها أصناماً تعبد من دون الله، ويسأل أصحابها ما لا يقدر عليه إلا الله كما هو شأن كثير ممن يجهلون حقيقة هذا الدين».
وأكد أبو البراء، في حديثه للصحافيين المرافقين له، أن «ما يقوم به المجاهدون في أنصار الدين، هو امتثال لأمر الله عز وجل، وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم»، مشدداً على أن «تسوية القبور تأتي من باب حماية الشريعة لجناب التوحيد ولحق الله عز وجل».
مراسم الهدم كانت ذات طابع خاص. رجل يحمد الله بعد هدمه لأحد الأضرحة كان بارزاً من بين القبور، وآخر يشكر الله أن «منّ» عليهم بهذه «الانتصارات»، ومكنهم من تطبيق شرع الله على أرضه وتغيير المنكر فيها، بينما يقف أحد المقاتلين مفعماً بالإحساس بالنصر، وهو يتمنى أن تعيش كل بلاد المسلمين هذا الإحساس.
الأدوات التي بحوزتهم كانت غير كافية لتغطية كافة الرجال المشاركين في الحملة، فكانوا يتناوبون عليها، مبدين حرصهم الكبير على المشاركة في إزالة كل العلامات التي تميز بعض القبور عن الأخرى، فيما كان أبو تراب يورد الآيات والأحاديث التي تحث على تسوية القبور. ورأى أن الحملة التي يقومون بها تدخل في إطار «تغيير المنكر الظاهر في الشوارع والمؤسسات؛ فهدم القباب والدور المبنية على القبور أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث مروي عن علي ابن أبي طالب».
أبو تراب زعم أنه ورفاقه تشاوروا مع جميع أصحاب الشأن قبل الشروع في تسوية القبور. وأضاف: «لقد جرى التواصل مع الأئمة، فكانت خطبهم يوم الجمعة في الحثّ على تسوية ما زاد على شبر من البنيان على القبور ووجوب ذلك»، مؤكداً أنهم «اتبعوا الطريقة التقليدية في الهدم حفاظاً على حقوق القبر؛ لأن (كسر عظم ميتٍ ككسره حياً)، ومراعاةً لحقوق الأحياء من أولياء الموتى، فلم نستخدم الجرافات ولا أية متفجرات لأننا نقوم بهذا العمل استرضاءً لربنا جل وعلا».
الحملة التي تتواصل منذ السبت، تستهدف كافة المقابر في المدينة، غير أن رجال أنصار الدين لم يتعرضوا للأضرحة المحاذية للمساجد الشهيرة في المدينة كضريح مسجد «جنغري بير» التاريخي، الذي تصنفه منظمة «اليونسكو» ضمن التراث العالمي.
ويبدي علماء الدين امتعاضهم من قرارات أنصار الدين، لكنهم لا يملكون القدرة على الوقوف في وجههم. وأوضح إمام مسجد «سيدي يحيى عبد الله»، لـ«الأخبار»، أن عناصر من جماعة أنصار الدين أبلغوه بقرار فتح باب المسجد الذي كان من أهم المعالم السياحية والتاريخية في مدينة تمبكتو قبل هدمه. وأضاف: «نحن لا حيلة لنا، ونحن لا نستطيع الرفض ولا نستطيع منعهم، ورضخنا للأمر».
ومنذ إعلان بدء حملة هدم القبور، أجمع العالم على إدانة الفعلة التي أقدمت عليها جماعة أنصار الدين. ورأت المدعية العامة لدى المحكمة الجنائية الدولية، فاتو بنسوده، أن هدم الأضرحة الإسلامية بمثابة جريمة حرب يمكن متابعتها من طرف المحكمة الجنائية الدولية.
وأضافت المسؤولة الأممية أن المادة الثامنة من اتفاقيات روما المنشئة للمحكمة ترى في استهداف المباني المدنية غير المحمية جريمة حرب، وهو ما يمكن تطبيقه على استهداف الأضرحة والمباني ذات الطابع الديني.
وفي الرباط، دعت المملكة المغربية إلى تدخل إقليمي وإسلامي ودولي عاجل لوقف هدم الأضرحة. بدوره، أكد المتحدث باسم الخارجية الفرنسية، برنار فاليرو، إدانة فرنسا «للتدمير المتعمد للأضرحة»، فيما وصفت حكومة مالي هدم الأضرحة بأنه «العنف المدمر الذي يرقى إلى مرتبة جرائم الحرب»، متوعدةً بملاحقة المسؤولين عن هذه الأعمال في مالي وفي الخارج.