«أطفال فلسطينيون في الثانية عشرة من العمر، يُسحبون من أسرّتهم في الليل على أيدي جنود إسرائيليين مدججين بالسلاح، تُكبّل أيديهم بطريقة موجعة وتُعصب أعينهم ويُزجّون في الشاحنات العسكرية راكعين أو منبطحين أرضاً. يُساقون إلى مركز التوقيف في الداخل الإسرائيلي حيث يعنّفون كلامياً وجسدياً، يحقق معهم ويتعرضون للتعذيب من قبل ضباط إسرائيليين، ثم يجبرون على توقيع ورقة اعتراف مكتوبة بالعبرية، من دون أن يفسّر لهم مضمونها. يودعون في السجن ـــ البعض في الانفرادي ـــ لمدة قد تصل إلى ٦ أشهر من دون اتهام أو لمدة سنتين بعد خضوعهم لمحاكمة. البعض لا يُعيّن له محامٍ فوراً، والبعض الآخر تُمنع عنه حتى الزيارات العائلية».


تلك أجزاء من المعلومات التي وردت في تقرير حقوقي بريطاني صادر في ٢٦ حزيران الماضي بعنوان «الأطفال بعهدة المؤسسة العسكرية»، يقارن بين خضوع الأطفال الفلسطينيين للقانون العسكري الإسرائيلي والأطفال الإسرائيليين للقانون المدني. التقرير الذي بيّن الظلم الكبير الذي يتعرّض له الأطفال الفلسطينيون تحت وصاية القانون العسكري الإسرائيلي شغل الحكومة البريطانية وأثار أخيراً ضجة إعلامية حول نتائجه وتوصياته.
الدراسة الحقوقية أعدّها وفد من ٩ محامين وقضاة رفيعي المستوى زاروا الضفة الغربية المحتلة في أيلول ٢٠١١ والتقوا عاملين في منظمات غير حكومية فلسطينية وإسرائيلية وبعض المحامين، واستمعوا إلى شهادات أطفال فلسطينيين اختبروا معاناة الاحتجاز وروايات بعض الجنود الإسرائيليين، وكذلك سألوا مسؤولين في الدوائر الاسرائيلية الرسمية.
التقرير الحقوقي البريطاني لم يأت بجديد عن فظاعة ارتكابات قوات الاحتلال بحق الأطفال الفلسطينيين، لكن تمويل الحكومة البريطانية له وتبنّيها لنتائجه وتعهّدها الضغط على الجهات الإسرائيلية لتحقيق توصياته، أمر غير مألوف. فهل سيسجّل أي إنجاز فعلي لمصلحة الأطفال الفلسطينيين قريباً؟ أم أن التقرير، كغيره، سيطوى وتفلت إسرائيل مرة جديدة من المحاسبة؟
أحد المحامين المشاركين في إعداد التقرير، غريغ دايفس، قال لـ«الأخبار»: «من المبكر معرفة كيف ستتابع القضية الآن، لكننا سنستمر في المراجعة». وتابع: «سننتظر لنرى إن كانت هناك النيّة السياسية الكافية لمحاسبة إسرائيل بسبب خرقها القانون الدولي وحقوق الأطفال». وعن الموقف الرسمي البريطاني أكد دايفس «دعم وزارة الخارجية البريطانية للتقرير وإعلانها أنها ستضغط على الحكومة الإسرائيلية لإنجاز التغييرات اللازمة وفق توصياتنا».
يذكر أن ٤٣ نائباً في البرلمان البريطاني صدّقوا على التقرير وطالبوا وزير الخارجية وليم هيغ بتقديم اقتراحاته في كيفية إقناع إسرائيل بتطبيق القانون الدولي عملياً لجهة معاملة الأطفال الفلسطينيين. دايفس رحّب بالتحرك البرلماني وقال: «ننتظر الآن ردّ الوزير هيغ».
التقرير فنّد ٦ خروقات على الأقلّ من قبل إسرائيل لمعاهدة الأمم المتحدة لحقوق الطفل و٢ لمعاهدة جنيف. والأهمّ، تحذيره من أن «إسرائيل ترى في كل طفل فلسطيني إرهابياً محتملاً، ومن هنا تبدأ دوّامة الظلم».
التقرير يشرح أنه بحث في أقوال جميع الاطراف وأنه عرضها كما هي ولم يحدد أيهما الأقرب الى الحقيقة، لكنه يشير الى أن «الخروقات القانونية التي ترتكبها إسرائيل واضحة بشكل كبير، اضافة الى الفوارق الكثيرة في معاملة الاطفال الناتجة من تطبيق القوانين العسكرية بحق الفلسطينيين والمدنية على الإسرائيليين».
ومن بين تلك الأمثلة، مدّة الاحتجاز، التي لا تتجاوز ٢٤ ساعة للطفل الإسرائيلي قبل مثوله أمام قاضٍ، بينما تصل الى ٨ أيام للفلسطيني. ومدة احتجاز الطفل الإسرائيلي من دون محامٍ لا تتجاوز ٤٨ ساعة، بينما تصل الى ٩٠ يوماً للفلسطيني. وفترة احتجاز الأطفال الاسرائيليين من دون محاكمة هي ٤٠ يوماً مقارنة بـ ١٨٨ يوماً للفلسطينيين. أما العمر، فهو ١٤ في حدّ أدنى للأطفال الإسرائيليين و١٢ للأطفال الفلسطينيين.
وفي التقرير، يروي الحقوقيون أحد المشاهد «الصادمة» خلال زيارة سجن عوفر، حيث رأوا «طفلاً فلسطينياً مرتدياً ثياب المتهمين البالغين ومقيّد الرجلين بسلاسل حديدية».
التقرير خرج بـ ٤٠ توصية لإسرائيل منها: وقف الاعتقالات الليلية، وجوب إعلام الموقوف فوراً بأسباب اعتقاله وتلاوة حقوقه عليه بلغته وإبلاغ أهله بلغتهم، منع عصب العينين و«تكييس» رأس الموقوف، منع تكبيل الأطفال في أي وقت من الأوقات، منع أي ممارسات عنفية عليهم، أي اعتراف بلغة غير لغة الطفل الموقوف يُعدّ مُلغىً، يمنع نقل الأطفال الفلسطينيين الموقوفين إلى إسرائيل، للطفل الفلسطيني الحق بتعيين محام قبل بدء الاستجواب، تأمين زيارات دورية للأهل، تسجيل جلسات الاستجواب بالصوت والصورة، فترة الاحتجاز القصوى قبل التحويل الى محاكمة يجب أن تخفض إلى ٢٤ ساعة، منع اعتقال الاطفال الفلسطينيين دون سنّ الـ١٤...
هل سيتحقق ذلك فعلاً؟ الصحافيون البريطانيون بدوا متشائمين في مدى تعاون إسرائيل وتجاوبها، لكن دايفس بدا في جوابه لـ«الأخبار» متفائلاً بدور المنظمات غير الحكومية والهيئات الحقوقية المختصة الفلسطينية والاسرائيلية التي توثق المعلومات، وخلص الى القول: «نحن حرصاء جداً على تنفيذ كل توصياتنا، وسنراقب باهتمام جهود الحكومة البريطانية لتحقيق التغيير المرجو والحدّ من الظلم اللاحق بالأطفال الفلسطينيين الخاضعين للقانون العسكري الإسرائيلي».
من جهته جاء الرد الإسرائيلي الرسمي ليقول إن «الأطفال الفلسطينيين يقومون بأعمال قاتلة غالباً، وبما أن السلطات الفلسطينية لا تستطيع أو لا تريد أن تقوم بواجبها في توقيفهم والتحقيق معهم فإن إسرائيل ستقوم بذلك بنفسها».

تقرير "الأطفال بعهدة المؤسسة العسكرية"