كأنّها كبوة حصان، نتائج الانتخابات البرلمانية التركية في السابع من حزيران الماضي. خسر حزب «العدالة والتنمية» الأكثرية المطلقة. رَفض بعنجهية الواثق أيّ حكومة ائتلافية، ليدعو إلى انتخابات مبكرة.

كَتَب كثيرون عن رهان خسار، وعن رجل يُقامر بمستقبله ومستقبل حزبه. بضعة أسابيع بعدها، دخل الرئيس رجب طيب أردوغان في «حرب وطنية». لم يفهم أحد كيف تندلع حرب بعد سنين من «مسار سلام» قاده أردوغان ذاته. لم يدَعْ الرجل القوي أيّ مجال لنقاش خارج نطاق «الحرب ضد الارهاب»، بشقّه الداخلي (حزب العمال الكردستاني) والخارجي القريب («داعش»).

فَرَضَ على الجميع أجندته. ابتعد أخصامه بقوة خطاب الحرب وآلته الاعلامية الموازية، عن وضع الليرة المتدهور (فقدت 22% من قيمتها منذ مطلع العام الحالي)، وقضايا الفساد الشهيرة. واصلت الحكومة بأجهزتها حربها الجانبية ضد «حركة الخدمة» (جماعة الداعية الاسلامي فتح الله غولن)، كذلك لم يتوقّف التضييق على الاعلام المرئي والمكتوب.
اليوم، أصبح باستطاعة «العدالة والتنمية» تشكيل الحكومة منفرداً من دون الحاجة إلى أي شريك يرفضه أصلاً. تخطّى حاجز النصف + 1 (276 مقعداً) بحصوله على 316 مقعداً، لا بل كاد يفوز بـ330 مقعداً كانت لتخوّله إجراء استفتاء شعبي يمكّن أردوغان من تحقيق حلمه بتحويل النظام إلى رئاسي.
لكن عملياً، لن يظهر فارق كبير خارج إطار الطموح الشخصي لـ«الحاكم الأوحد». سيعود حزبه بعد «استراحة» أشهر ليدير العملية السياسية والاقتصادية في تركيا كما دأب منذ عام 2002.
4 أشهر كانت كافية ليقلب «الساحر» الطاولة على الجميع. أكّد لـ«حزب الحركة القومية» أنّه يستطيع أن يحدّ من قوّته المستجدّة (16% من الأصوات في انتخابات 7 حزيران) بمعركته مع حزب «العمال» الكردي. كان رئيس «الحركة»، دولت بهتشيلي، يبني «نفوذه» بالتصويب على حكومة حرّكت عملية السلام مع الأكراد... وعلى الكشف عن مفاوضات سرية بين «العمال» والحكومة في العاصمة النروجية أوسلو عام 2010.
خلال 4 أشهر، سَحَبت الطائرات التركية المغيرة على جبال قنديل البساط من تحت «كثيري الكلام» في المعارضة، ليصبح أردوغان «المؤتمن على الأتراك» وعلى أمنهم في وجه «الارهابيين». أمس، حصل «حزب الحركة القومية» على أقل من 12% من الأصوات ليخسر 39 مقعداً (حوالى نصف مقاعده عن شهور مضت).
على مقلب أعداء «القوميين» كان «العدالة والتنمية» يُثبت مجدداً أنّ شريحة من الأكراد تؤيد الاستقرار، وأنّه حين يقيم حزبه المهرجانات الانتخابية في الشرق التركي، يَعلم كيفَ يُميّز بين «الارهابي والكردي»، وبين «أخوّة الاسلام» و«الاستقطاب القومي».


«العدالة والتنمية» يخترق صفوف الأكراد والحركة القومية



هناك العملية العسكرية، والخضّة الأمنية الكبيرة التي تشهدها معظم المدن والقرى ذات الغالبية الكردية، أثمرتا ــ عكس كل التوقعات ــ رغبة عند جمهور واسع «بعودة الهدوء» و«معاقبة نزوع حزب العمال الكردستاني نحو الحرب».
هذا الجمهور لطالما انتخب سابقاً، بجزء كبير منه، حكام «العدالة والتنمية» قبل دخول حزب محسوب على الأكراد الانتخابات بقائمة موحّدة.
كان الخيار سابقاً بين إسلاميّ (والقرى الكردية هي محافظة بأغلبيتها) وداعٍ إلى عدم الاعتراف بأي حقوق ثقافية أو سياسية لهم (الحركة القومية)، و«حزب الشعب الجمهوري» الذي أسّسه مصطفى كمال المعروف بإخضاعه الشرق الكردي، عسكرياً وثقافياً.
21 نائباً خسرهم في المحصلة «حزب الشعوب الديمقراطي» لمصلحة «العدالة والتنمية». جولة صغيرة على نتائج بعض الدوائر «الكردية» والمختلطة تُظهر شبه انقلاب في المزاج العام؛ ففي قارص مثلاً، خسر «الشعوب الديمقراطي» 10 نقاط كاملة (من 44% إلى 34%) لينتزع «العدالة والتنمية» المرتبة الأولى فيها، ليحصل على 35% من الأصوات (26% في انتخابات حزيران).
وفي أردهان أيضاً، نجح «العدالة والتنمية» في انتزاع الصدارة بفوزه بـ30% من الاصوات (22% سابقاً) مقابل خسارة الأكراد 8% (من 30 إلى 22%). في «أيدر» رفع الحزب الحاكم نسبته من 11 إلى 31%، وفي «وان» ارتفعت من 19 إلى 30% (مقابل 74 إلى 64 للحزب الكردي).
لا تفجير سوروج ولا تفجير أنقرة الأخير جعل «أردوغان قاتلاً» يجب إقصاؤه من الحياة السياسية.
التفجيرات التي ظهرت فقط في مرحلة «الفراغ الحكومي» كانت على ما يبدو عاملاً مساعداً للمُطالب بحكومة ذات لون واحد.
نجح خطاب «أنا أو الفوضى»، ووضع الأصوات الكردية في ترتيبها «الطبيعي». في المحصّلة أثبت «حزب الشعوب الديمقراطي» أنّه رقم أساسي في الحياة السياسية في تركيا بتخطّيه عتبة الـ10%، وتثبيت وجوده في البرلمان ككتلة سياسية متجانسة، رغم أنّه كان هذه المرة في دائرة الخطر بحصوله على 10.5% من الأصوات و59 مقعداً (80 في الانتخابات الاخيرة).
إلى جانب «الانتصار» والتقدم الكبير في الشرق التركي، كان لإسطنبول التي تشكّل بارومتر الحياة السياسية والاقتصادية في البلاد دور رئيس في قلب الموازين، حيث فاز «العدالة والتنمية» بحوالى 49% من الاصوات (41% سابقاً)، مستقطباً أصوات القوميين والأكراد. وفي أنقرة أيضاً حصل على 49% (41% سابقاً).

القوميون الخاسر الأكبر

أظهرت هذه الانتخابات خاسراً كبيراً، هو «حزب الحركة القومية» الذي نال أقلّ من 12% (16% سابقاً)، وتفضي هذه النسبة ليكون الحزب الأصغر في البرلمان بـ41 نائباً (رغم حصول «الأكراد» على نسبة أقل لكن توزيع المقاعد حسب الدوائر الانتخابية منحهم الفوز بمقاعد أكثر).
في «عثمانية»، الولاية الوحيدة التي حصَل الحزب اليميني فيها على المركز الأول في حزيران، تراجع التأييد فيها من 41% إلى 34%، فيما تخطّاه «العدالة والتنمية» ليحصل على 47% (38% سابقاً). هنا النموذج الأوضح لعدم استقرار قاعدة «القوميين» التي تتقلّب على نحو كبير حسب الظروف السياسية في تركيا.
«التقلّب» لم يظهر عند قواعد «حزب الشعب الجمهوري» الذي حافظ تقريباً على نسبته ذاتها بتقدّم طفيف (حوالى 25.5% مقابل 24.95% سابقاً). الحزب المعارض الأبرز رغم حفاظه على موقعه، يثبت أنّ «حزب مؤسّس الجمهورية الحديثة» لم يستطع أنّ يوسّع من حضوره ليثبت أكثر فأكثر، منذ انتخابات عام 2002، أنّ حزب المعارضة لم يراكم أي حضور شعبي مؤثّر في وجه سلطة لم تتغيّر منذ نحو 14 عاماً، لكن من دون أن تتراجع نسبة تأييده زمن الأردوغانية.

أصوات الإسلاميين

مكاسب «العدالة والتنمية» لم تقف عند حدود القواعد الكردية والقومية، بل تُظهر نتائج «حزب السعادة» الاسلامي نجاح أردوغان (وخلفه طبعاً رئيس الحزب أحمد داوود أوغلو) في جذب دعم أنصار هذا الحزب (تأسّس عام 2002 بعد حظر حزب الفضيلة الذي أسّسه نجم الدين أربكان، لينتج من تفكّكه حزبا «السعادة» و«العدالة والتنمية») الذي كسب 0.68% من الأصوات بعد حصوله على 2% في حزيران الماضي.
خسر المراهنون على تحوّل تركي ينعكس على الحرب السورية وعلى طموحات الأكراد في الداخل والخارج. يخرج أردوغان اليوم ليثبت جماهيرية حزبه بتطلعاته الداخلية والخارجية. الرجل الواضح في أدبياته لن يتوانى عن إكمال مشروعه السوري، من دعم للمعارضة إلى الاصطفاف مع السعودية وقطر في محور رافضي حكم الرئيس بشار الأسد.
مستنداً إلى الفورة الاقتصادية التي حقّقتها سياسة حزبه منذ دخوله الحكم، سيتّجه عبر حكومة مستقرّة محاولاً إعادة الرخاء القديم. وحتّى لو فشل في ذلك، فقد أظهرت هذه الانتخابات، وخصوصاً انتخابات السابع من حزيران، أنّ قوى المعارضة لا تمتلك خطّة بسبب شرذمتها وخلافاتها الأقوى من خصومتها مع «العدالة والتنمية» (لو اتّفقت الأحزاب الثلاثة الأخرى بعد انتخابات حزيران على تشكيل حكومة ائتلافية لما وصلت البلاد إلى انتخابات مبكرة، وحينها كان «العدالة والتنمية» ليخرج رسمياً من سدّة الحكم).
في النتيجة، تُوّج حزب أردوغان أمس زعيماً لتركيا، ليضيف سنوات أربع إلى 13 سنة من حكم الحزب الواحد... ديمقراطياً.






يوم «النصر»!

خلافاً للتوقعات، نجح حزب العدالة والتنمية في استعادة الغالبية المطلقة في البرلمان، بفوزه بحوالى 49.2% من الأصوات في الانتخابات التشريعية المبكرة التي شهدتها البلاد يوم أمس، علماً بأن نسبة المشاركة كانت حوالى 86 %.
وكانت غالبية استطلاعات الرأي قد توقعت أن يحصل «العدالة والتنمية» على نتيجة مشابهة لانتخابات حزيران الماضي (بين 40% و43%).
وبعد إعلان النتائج شبه النهائية للانتخابات، احتفى رئيس الوزراء التركي، أحمد داوود أوغلو، بـ«يوم الانتصار»، داعياً إلى الوحدة في تركيا. وكان الرئيس رجب طيب أردوغان قد قال إن «الانتخابات كانت ضرورية بسبب النتيجة غير الواضحة لانتخابات السابع من حزيران (الماضي)».
في المقابل، قال زعيم حزب الشعب الجمهوري، كمال كيليتشدار أوغلو، لدى إدلائه بصوته، إن «البعض يريد إقامة السلطنة من جديد في هذا البلد. لا تسمحوا لهم بذلك».
وبعد إعلان نتيجة الانتخابات، رأى النائب السابق في حزب الشعوب الديموقراطي، ايكان اردمير، أن «عنف حزب العمال الكردستاني منح أردوغان النصر».
(الأخبار، أ ف ب، رويترز)