في خلفية المشهد السياسي الذي تكوّن في فيينا، قبل أيام، روايات وتحليلات لا تنحصر في التطرّق إلى انتصارات دبلوماسية لأطراف مختلفة، ولكنها تروّج لسعي إلى رسم خريطة طريق استناداً إلى المؤتمر الذي انعقد في العاصمة النمساوية، بهدف إيجاد حلول للأزمة السورية.


في خلفية المشهد أيضاً، واقع لا يمكن التغاضي عنه، عبّر عنه المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران آية الله علي خامنئي، أمس، منطلِقاً من حقيقة واحدة مطلقة هي انعدام الثقة الدائم بالولايات المتحدة، ومستنداً في هذا الإطار إلى نقاط ثلاث أساسية، هي أن «أهداف أميركا في المنطقة تختلف 180 درجة عن أهداف إيران»، وأنها تريد فرض ما تيسر من مطالبها في المحادثات، لتحصل على بقية أهدافها بصورة غير شرعية، إضافة إلى دعمها لإسرائيل والمجموعات الإرهابية، الذي يعد السبب الرئيسي وراء الاضطرابات في المنطقة والتدهور الأمني.
خامنئي استقبل وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف وسفراء ورؤساء البعثات الدبلوماسية الإيرانية في الخارج، ومثلت هذه المناسبة، فرصة لإعادة التأكيد على الخطوط العريضة للسياسة الخارجية الإيرانية. من هنا، رأى أن المحادثات مع أميركا بشأن قضايا المنطقة «لا معنى لها»، وأوضح أن «اتخاذ الدول الأخری القرار في ما يتعلق بنظام الحكم في سوريا بدعة خطيرة»، مؤكداً في الوقت ذاته أن «أي دولة في العالم لا تقبل تطبيقها بشأنها». وقال «کلامنا في هذا الخصوص هو أقوى الكلام، إننا نری أنه لا معنی لأن تجتمع الدول الأخری لتتخذ القرار بشأن نظام حكم ورئيس تلك الحكومة». وإذ أشار إلى أن «تسوية القضية السورية، تكمن في الانتخابات»، فقد أضاف أنه لذلك «يجب قطع المساعدات العسكرية والمالية للمعارضين، لتنتهي بدايةً الحرب والاضطرابات، حتی ينتخب الشعب السوري من يريده في مناخ يسوده الأمن والاستقرار».
وشدد المرشد الأعلى على أن «السياسات الأميركية في منطقة غرب آسيا الحساسة جدا هي السبب الرئيسي وراء الوضع المضطرب في المنطقة». ومن هذا المنطلق، أوضح أنه «علی النقيض من وجهة نظر البعض، فإن أميركا هي السبب في الجزء الأكبر من مشاکل المنطقة، لا جزء من حلّ المشاکل». لذا، رفض المحادثات مع أميركا، وقال إن «الأميركيين بصدد فرض مصالحهم، لا تسوية القضايا». كما أكد أنهم «يريدون فرض 60 إلى 70 في المئة من مطالبهم في المحادثات»، مضيفاً أنهم يسعون إلى «تطبيق وفرض بقية أهدافهم، بصورة غير شرعية». وعليه، تساءل «ما معنی هكذا محادثات؟».
على مستوى عام، تطرّق المرشد الأعلى إلى مختلف الجوانب المحرّكة للسياسة الخارجية الإيرانية، انطلاقاً من «المبادئ والإستراتيجيات الثابتة والدائمة للسياسة الخارجية في الدستور، والضرورات النابعة عن هذه المبادئ والسياسات». وشرح الحلول المنطقية والراسخة لدى إيران بشأن القضايا المهمة في المنطقة، ولا سيما سوريا واليمن والبحرين، وأكد أن السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية «ليست من صنع هذا وذاك»، بل «مبنية علی المبادئ الرصينة للدستور». وقال إن «الإسلام في الدستور، يعد معيار السياسة الخارجية، لذلك فإن اتخاذ المواقف تجاه الدول والقضايا المختلفة يجب أن يتسم بطابع ديني».
على هذا الأساس، أشار خامنئي إلى أن المنطق الذي تتبعه إيران في قضايا المنطقة «رصين ومحط اهتمام العالم». وفي معرض كلامه عن الحلول الإيرانية لهذه القضايا، شرح أن «أي حكومة تنبثق عن أصوات الشعب الفلسطيني، ستحدد مصير الصهاينة وسكان الأراضي المحتلة». ورفض تقسيم البلدان وتحويلها إلی دويلات عرقية صغيرة، كما أوضح أن «اعتبار إحدی المجموعات المسلّحة مرجعاً لاتخاذ القرار وتأليف الحكومة، ليس منطقياً وغير مقبول»، مؤكداً أن «صيغا كهذه تؤدي عملياً إلی استمرار الحرب».
وعند حديثه عن العراق، رأى أن «تقسيم هذا البلد إلی مناطق عربية شيعية وعربية سنية وکردية، يتعارض مع مصالح الشعب بالكامل، وغير قابل للتطبيق ولا معنی له وغير مقبول». وفي السياق، أوضح أن «وحدة أراضي العراق وسلامة ترابه وکون أصوات الشعب هي المرجع، تمثل مبادئ الحل الإيراني بشأن العراق».
وعن اليمن، قال إن «القطع الفوري للجرائم السعودية، وبدء الحوار اليمني ــ اليمني، يمكن أن يضعا نهاية للصراعات في اليمن». وأكد أن «تصرف السعوديين في اليمن وسوريا، بمثابة سطح واحد وهوائين، فهم يقولون عن اليمن إنهم تدخلوا عسكرياً في هذا البلد بطلب من الرئيس المستقيل والفار، لكنهم غير مستعدين بشأن سوريا لأن يتخلوا، بطلب من الرئيس القانوني في هذا البلد، عن دعم المعارضين المسلحين».


عبداللهيان: الجبير أبدى في اجتماع فيينا سلوكاً لا يليق بوزير خارجية


وامتداداً لما تقدّم، كان لا بدّ للمرشد الأعلى من أن يجدد التأكيد للطرف الآخر أنه لا يمكن التعويل على أي تغيّر في السياسة الخارجية الإيرانية، فأوضح أن هذه السياسة، شأنها شأن جميع بلدان العالم، قائمة علی المصالح الطويلة الأمد والثوابت والمبادئ والقيم، ولا تتغيّر مع تغيّر الحكومات، لأن الحكومات تؤثر وتتدخل في التكتيكات والمبادرات التنفيذية لإستراتيجيات السياسة الخارجية، وفيما تطرّق إلى الدعاية الواسعة النطاق للأجانب التي تتحدث عن «التغيّر القسري أو المنشود» في سياسة إيران الخارجية، فقد أكد أن «هذا التحليل الساذج للغربيين ناتج من ضغط هذه الحقيقة بأن السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية، وعلى أقل تقدير علی مستوی المنطقة، هي کالحصن المنيع والمانع المتين الذي يقف في وجه القوی السلطوية، وخصوصاً أميركا»، لافتاً الانتباه إلى أن «هؤلاء يحلمون دائماً بتغير هذه السياسات».
في مواجهة ذلك، رأى خامنئي أن «السياسة الخارجية الإيرانية، في ضوء هذه الإستراتيجيات والمواصفات، هي السياسة الخارجية الثورية»، موضحاً أنها «إن ترافقت في التنفيذ مع الآليات الذكية، فإنها ستنتج آثاراً مذهلة وتملك طاقات لمعالجة قسم مهم من مشاکل العالم الإسلامي»، وفيما قال «لا نزعم بأننا حققنا جميع أهدافنا أو حتى اقتربنا منها، لأن تطبيق السياسة الخارجية الثورية علی أرض الواقع، ترافق مع شيء من الغفلة والتباطؤ في العمل، وعدم الذكاء والعقبات الخارجية»، شدد على أن «الموقع الحالي المتسم بالعزة للبلاد مدين لهذه السياسات الحكيمة».
بناء عليه، توجّه خامنئي إلى مسؤولي وزارة الخارجية والسفراء والقائمين بالأعمال، قائلاً «واصلوا العمل بالمبادئ الثورية والإستراتيجيات الثابتة للسياسة الخارجية، كي لا يعقد الأجانب واتباعهم المحليين، الأمل علی حدوث تغيّر في السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية».
في سياق متصل، أكد مساعد وزير الخارجية الإيراني للشؤون العربية والأفريقية حسين أمير عبداللهيان أن «وزير الخارجية السعودي عادل الجبير أبدى، في اجتماع فيينا بشأن سوريا، سلوكاً لا يليق بوزير خارجية، ما حدا بوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف للرد عليه بحدة».
وقال عبداللهيان إن «الجبير دخل الاجتماع لإقرار جدول زمني قصير لتنحي الرئيس (الرئيس السوري بشار) الأسد عن السلطة»، مضيفاً أن «ظريف وفي الاجتماع الرسمي، لم يعر اهتماماً لبعض تصريحات الجبير، بينما ردّ بصراحة على اتهاماته التي لا أساس لها، مستعرضاً إجراءات السعودية غير الصائبة تجاه سوريا وبعض قضايا المنطقة».
(الأخبار)