واشنطن | تظهر سجلات حملات انتخابات الرئاسة الأميركية المتتالية أن مرشحيها يركزون في خطاباتهم على الأجندة الداخلية، وخصوصاً الشأنين الاقتصادي والاجتماعي، اللذين يتصدران أولويات وبواعث اختيارات الناخب الأميركي من أجل انتخاب رئيسه الذي سيحتل البيت الأبيض. غير أن هذا لا يعني تجاهل قضايا السياسة الخارجية، التي تفرض نفسها دائماً على أجندة الحزبين الأميركيين الرئيسيين: الجمهوري والديموقراطي، وخصوصاً عندما تكون هناك أزمة تطرح نفسها بقوة على مسرح السياسة الدولية أو الإقليمية، وتستدعي أن يكون هناك دور فاعل للولايات.

وفي هذا السياق، يبدو أن المرشح الجمهوري ميت رومني، أعلن تبنّيه فلسفة صارمة لفرض القيادة الأميركية على العالم واستغل نهج منافسه الديموقراطي باراك أوباما الأكثر هدوءاً، لضربه أمام الرأي العام بدعوى أن سياسات أوباما «الخاطئة»، كانت الرافد الأساسي الذي قوض الاقتصاد الأميركي.
ورغم أن السياسة الخارجية ليست القضية الأهم بالنسبة إلى الناخب الأميركي، لكنها حظيت بقسط وافر من خطابات رومني، الذي عمد بكل ما أوتي من قوة إلى انتقاد سياسات أوباما وتصويرها على أنها ضعيفة وهشة، مع التعهد باتباع سياسات خارجية «لا رحمة فيها لمن يقف في وجه الولايات المتحدة وسعيها لنشر الحرية في العالم». وقال في إحدى خطبه، قبيل انعقاد المؤتمر العام للحزب الجمهوري في تامبا ـــ فلوريدا الأسبوع الماضي، إن «القوة الأميركية هي الضامن الوحيد للحرية، فقوة أميركا هي التي حيّدت خطر كوبا عنا، وهي التي تسببت بانهيار الاتحاد السوفياتي، وهي التي أخرجت صدام حسين من جحر العناكب. الحرية هدفنا، والقوة هي السبيل الوحيد للدفاع عنها».
وفي انتظار ما سيعلنه أوباما في خطاب قبول الترشيح أمام المؤتمر العام للحزب الديموقراطي فى مدينة شارلوت ـــ نورث كارولينا فجر اليوم، فإن مواقف الحزب الجمهوري ومرشحه رومني صارت واضحة، من خلال خطابه وكلمات قيادات حزبه، فما هي بنود هذه السياسة الخارجية؟
إن إلقاء نظرة تحليلية وقراءة لنيات رومني المعلنة في حال توليه منصب رئيس الولايات المتحدة، يبين أنه يتهيأ لإحداث تغييرات في إدارة كل محاور السياسة الخارجية تكون أكثر تشدداً في مواجهة أعداء الولايات المتحدة ومنافسيها على حد سواء لتحقيق ما يسميه «القيادة العالمية الأميركية»، التي تتطلب حسب رؤيته تشدّداً أكبر في مواجهة مواقف القوى الدولية المناوئة ومساندة أكبر للأصدقاء.
وقد زعم مسؤول حملة رومني في ولاية آيوا، دوج مومين، أن الديموقراطيين سيدّمرون باستراتيجيتهم قيادة الولايات المتحدة للعالم، قائلاً «ونحن نريد استمرار هذه القيادة». وقد أعلن رومني، من جهته، في خطاب القبول يوم الخميس الماضي، رفضه لما سماه أسلوب «الاعتذار»، الذي انتهجه أوباما في بداية ولايته الرئاسية الحالية، منتقداً تعهده آنذاك بالعمل على إيقاف معدل ارتفاع مياه المحيطات وإنقاذ كوكب الأرض.
وقال رومني للناخبين «إذا كان هذا ما وعد به أوباما مع بدء رئاسته، فإن عهدي لكم أن أساعدكم وأساعد عائلاتكم في رسالة واضحة مفادها أن الأميركيين هم الأهم وليس العالم وقضاياه». وحدد مواقفه من خلال المقارنة مع مواقف أوباما بشكل لا يقبل اللبس، ليؤكد أن نهجه واستراتيجيته سيظهران عزمه على ممارسة الولايات المتحدة مهمات قيادة العالم من دون تراخ أو مرونة، من خلال صلابة أكبر في مساندتها الأصدقاء وعدم التهاون والصرامة في مواجهة الأعداء أو المنافسين الذين يسعون إلى تقويض القيادة الأميركية.
وتابع رومني إن «كل أميركي شعر بالارتياح عندما قال أوباما إنه أعطى الأمر لفرقة قوات خاصة للتخلص من (زعيم تنظيم القاعدة) أسامة بن لادن، لكن على صعيد آخر، فإن كل أميركي أصبح أقل أمناً لأن التهديد النووي الإيراني لم يقلّ». وأشار إلى أن الرئيس أوباما قال في أول حديث تلفزيوني له إنه «ينبغى أن نتحدث إلى إيران»، موضحاً «إننا ما زلنا نتحدث إلى إيران، لكن أجهزة الطرد المركزى الإيرانية لا تزال تعمل، بل لقد تخلى أوباما عن إسرائيل وألقى بحلفاء الولايات المتحدة كإسرائيل تحت الحافلة». واتهمه بأنه «قلص العقوبات على كوبا وتخلى عن حلفائنا في بولندا وعن التزامنا بالنظام الصاروخي».
ولم يتردد رومني في أن يوجه رسائله، التي تحمل قدراً كبيراً من التحدي أيضاً للقيادة الروسية، وقال إن «أوباما أعطى للرئيس الروسي فلاديمير بوتين المرونة التي يرغبها بعد الانتخابات، أما بالنسبة لي، وفي ظل رئاستي للولايات المتحدة، فسوف يرى أصدقاؤنا أميركا أكثر إخلاصاً وسوف يرى بوتين مرونة أقل وصلابة أكبر، وسوف نحترم القيم الديموقراطية الأميركية ليكون العالم الحرّ أكثر سلاماً».
ولم ينس رومني الصين، التي وصفها معظم قادة الحزب الجمهوري أمام المؤتمر بأنها أكبر تهديد للنفوذ الأميركي، محذرين من أن الصين تتجه تدريجاً لتحل محل الولايات المتحدة في العديد من المناطق، وخصوصاً أفريقيا. وقال رومني «إننا لا نريد أن تقترض الولايات المتحدة من الصين تريليون دولار، ولا نريد أن نفشل في خلق 23 مليون وظيفة، ونريد تعليماً أفضل لضمان تأمين مستقبل أطفالنا».
ونظراً إلى أن النفط وضمان إمداداته أمر يهم الناخب الأميركي، بسبب أهميته القصوى للاقتصاد، فقد تعهد رومني بألا تحتاج الولايات المتحدة إلى النفط من الخارج بحلول عام 2020، وهو ما يعدّ رسالة للدول الغنية بالنفط بالاستعداد لتغيير السياسة الأميركية تجاهها في غضون الأعوام الاثني عشر المقبلة. وهذا الموضوع كان جورج بوش الابن، وأيضاً أوباما، قد تناولاه في العديد من خطاباتهما.

المصالح الأميركية ثابتة

غير أن خبراء يشيرون إلى أن الاتهامات التي وجهها رومني وقادة الحزب الجمهوري للرئيس أوباما حول تبنيه سياسة الاعتذار وإضعاف مكانة الولايات المتحدة في العالم، تجاهلت حقائق عدّة، أبرزها أن أوباما تولى الرئاسة في وقت كانت فيه معظم الدول تنتقد الولايات المتحدة وتنظر إليها بنوع من الشك وعدم الثقة جراء سياساتها في العديد من القضايا الحساسة، وهو ما جعل دولاً عديدة وشعوباً ذات ثقل حضاري واقتصادي في وضع أقرب إلى مناهضة الولايات المتحدة.
ويقول الخبير في مركز التقدم الأميركي، برايان كاتولس، «اعتقد أننا قد نرى سياسة قريبة من سياسات جورج بوش الأب والتي تدور حول غزو دول وخطابات كثيرة عن الحرية، لكن الحقيقة أن سياسة رومني الخارجية لا تزال غير مفهومة؛ فخطاباته كثيرة، لكنها خالية من المضمون فيما عدا انتقاد أوباما».
من جهته، يرى خبير الخطاب السياسي في جامعة إلينوي، هوارد هاسمان، أنه يتعين دوماً التمييز بين لغة المجاملة، التي اتبعها أوباما لأغراض دبلوماسية مع الدول، ولغة الاعتذار التي ينتقده عليها رومني.
أما الكاتبة الأميركية، لورين بلوم، فاعتبرت أن الحديث عن اعتذار يتطلب الاعتراف بالخطأ وتحمل المسؤولية والإعراب عن الأسف، وليس الوعد بعدم تكرار ما حدث مثلما فعل أوباما، مشيرة إلى أن خطاب أوباما في القاهرة في حزيران 2009 كان وسيلة للوصول الى العالم الإسلامي، وليس الاعتراف بالخطأ، وأنّ كل ما قاله أوباما في حينها أننا نحترم المجتمع الإسلامي وعاداته وقيمه. وقالت «ربما يكون هذا الخطاب هو ما يقصده رومني بنقده لأوباما بسبب سياسة الاعتذار» .
ويظل الخلاف بين استراتيجيتي رومني وأوباما في مجال السياسة الخارجية خلافاً في الأسلوب والوسيلة، لا اختلافاً على الهدف، وهو ضمان استمرار قيادة الولايات المتحدة للعالم، وبقائها كقوة عظمى منفردة، بعد انتهاء عصر القطبية الثنائية بانهيار الاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي، بحيث يرى رومني أن اللغة الدبلوماسية غير الصدامية تقوض القوة الأميركية، فيما يرى الثاني أن هذه اللغة هي المناسبة لتحقيق الهدف بأقل الخسائر.
ومن غير المتوقع في هذا الإطار حصول تغييرات في أهداف السياسة الأميركية تجاه العالم، وخصوصاً الشرق الأوسط، رغم وجود احتمالات لاتباع أساليب أكثر حدّة في التعامل مع بعض قضايا المنطقة في حالة فوز رومني، بل من غير المنتظر أن تحصل تغييرات جوهرية على الصعيد الأميركي الداخلي، لأن لحظة التغيير الحقيقية، أو بالأحرى المنعطف الذي يتطلع إليه الكثيرون داخل الولايات المتحدة وخارجها، لن تأتي به هذه الانتخابات أياً كان الفائز فيها.
ويقرّ مؤيدو رومني وحزبه الجمهوري بأن سياساته لن تختلف كثيراً عن سياسات أوباما. ويقول الباحث في معهد «هدسون» اليميني، ريتشارد وايتس، في هذا الإطار «هو يريد أن يصف نفسه بأنه أكثر حزماً، ولا يقدم اعتذارات عن سياسات سابقة، وتصريحاته المتشددة إزاء سوريا وإيران والصين وروسيا ليست إلا وسيلة ليظهر عبرها أن سياساته الخارجية ستكون أكثر حزماً. لكن ما تعلمناه هو أن ما يقال في الحملات الانتخابية يختلف عن الأفعال بعد تسلم الحكم».
ويبقى الثابت في الانتخابات الرئاسية الأميركية، أن ما يقوله المرشحون في حملاتهم الانتخابية في الغالب، لا يقترن مع الأفعال بعد الفوز، إذ إن السياسة الوحيدة الثابتة التي تُتبع هي كل ما من شأنه تحقيق المصالح الأميركية.




لحظة التغيير لم تأت

يؤكّد المحلل السياسي الجمهوري، بيتر سكورش، أن «لحظة التغيير الحقيقية لم تأت للولايات المتحدة بعد. وأنه يجب علينا الانتظار لانتخابات 2016»، موضحاً أن الحزبين الجمهوري والديموقراطي يختبران ويقدّمان للشعب الأميركي الآن قادة جدداً مثل ماركو روبيو وجيب بوش، شقيق الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن من الحزب الجمهوري، وهيلاري كلينتون وآخرين في الحزب الديموقراطي (كان لافتاً أول من أمس حضور عمدة مدينة سان أنطونيو جوليان كاسترو) سيقومون بالتغيير، مضيفاً أيضاً إن حركة حزب «الشاي» الأميركي من المعسكر المحافظ وحركة «احتلوا وول ستريت»، من الجانب الديموقراطي الليبرالي ستلعبان دوراً كبيراً في الانتخابات المقبلة. ويذهب إلى ما هو أبعد من ذلك قائلاً «ربما تكون هذه الانتخابات آخر انتخابات يفرض فيها البيض قرارهم في من يحكم الولايات المتحدة».