قد لا نعرف قبل مساء اليوم عدد الذين شاهدوا المناظرة الثالثة والأخيرة بين المتنافسين في الرئاسة الأميركية باراك أوباما وميت رومني، أول من أمس، لكن من دون شك سيكون الرقم أقل من عدد المشاهدين في المناظرة الثانية الذي بلغ 65.6 مليون شخص، إذ من سوء حظ الاثنين، أو حسنه ربما، أنّه كانت تقام ليلة الاثنين أيضاً مبارتان مهمتان في دوري كرة القدم الأميركية، وفي البايسبول. هكذا خسر المرشحان ما بين عشرة وأربعة عشر في المئة من المشاهدين لن يتخلوا عن مباريات فرقهم المفضلة، ليستمعوا إلى مناظرة في السياسة الخارجية، وهو أمر لا يعني فعلياً معظم الأميركيين.


وربما لذلك بدا الرئيس المنتهية ولايته أفضل من رومني الذي ظهر كأنّه تعلم أسماء بعض المجموعات أو الدول قبل دخوله إلى المناظرة. وهذا ما جعل أوباما يتفوق عليه في بعض النقاط، ربما لقضائه أربع سنوات في الرئاسة، ما جعله في كل الأحوال، أكثر اطلاعاً من منافسه في السياسة الخارجية. وناقش أوباما ورومني خلال ساعة الشرق الأوسط، والثورات العربية، ومرا باقتضاب في المدة المتبقية من المناظرة على أوروبا وأفريقيا وبعض دول العالم. لكنّ الاثنين لم يلتزما بالعنوان العريض للمناظرة التي جرت في جامعة «لين» في مدينة «بوكا راتون» في فلوريدا، ولم يستطيعا كبح نفسيهما عن الحديث في الشؤون المحلية، ومنها إضراب المعلمين ومطالباتهم، وخطة رومني الضريبية ورزمة إنقاذ صناعة السيارات. وهذه الاستطرادات كانت سبباً لنقمة الجمهور على مدير المناظرة، مقدم برنامج «واجه الأمة» (Face The Nation) على محطة «سي بي أس» بوب شيفر، لأنّه تركهما يسترسلان من دون القيام بدوره في إعادة توجيه النقاش حيث يجب أن يكون.
ومنذ البداية لم يترك أوباما خصمه يصرّح من دون السخرية منه. فحين قال رومني بعد دقائق من بداية المناظرة إنّ أكبر تهديد للولايات المتحدة هو «القاعدة»، ذكّره أوباما بتصريحه قبل أسبوعين عن أنّ روسيا هي التهديد الأكبر وكل التصريحات التي يناقض نفسه فيها. وأكمل قائلاً «لقد اتصلوا من الثمانينيات ويريدون استرجاع سياساتهم الخارجية... لقد انتهت الحرب الباردة منذ عشرين عاماً وأنت تريد أن تحكم بسياسة خارجية من الثمانينيات وسياسات اجتماعية من الخمسينيات وسياسات اقتصادية من عشرينيات القرن الماضي».
لكن رومني اتهم الرئيس بأنّ سياسته الخارجية جعلت نفوذ الولايات المتحدة حول العالم يتراجع، وكذلك بالإخفاق في معالجة ملف إيران النووي، مشيراً إلى أنّ إيران تقدمت 4 سنوات من امتلاك سلاح نووي من خلال السماح لها، خلال السنوات الماضية، بتصنيع أجهزة الطرد المركزي. وشدد أوباما ورومني على أنّ الحرب يجب أن تكون آخر خيار للتعامل مع إيران، مع ضرورة عدم السماح لها بامتلاك سلاح نووي.
وفي ما يتعلق بإسرائيل، أكد المرشحان التزامهما الذي لا يتزعزع بأمنها. ورأى أوباما أنّ إسرائيل هي أعظم حليف لواشنطن في المنطقة، وأنّه سيقف إلى جانبها في حال هوجمت من أي طرف، مشدداً على أنه لن يسمح بسباق نووي في منطقة صعبة مثل الشرق الأوسط، وأنه يعرف متى يمكن إيران أن تقترب من امتلاك سلاح نووي وهو ما لن يسمح به.
في المقابل، أكد رومني أنه لن يتردد في الوقوف عسكرياً إلى جانب إسرائيل في مواجهة أي تهديد لها، قائلاً إنّ على واشنطن التأكد من عدم حصول إيران على سلاح نووي قد يهدد الدولة العبرية، معتبراً أنّ التوتر في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب في السابق أمر مؤسف.
وفي ما يتعلق بالوضع في سوريا، قال أوباما إنّ استمرار الأعمال المسلحة أمر شديد الخطورة، وإنّه يجب التأكد من جميع أطياف المعارضة السورية قبل تسليحها حتى لا تمثّل في المستقبل خطراً على الولايات المتحدة. وأوضح أنّه ينبغي على الرئيس السوري بشار الأسد أن يرحل، مشيراً إلى أنّه تم فرض عقوبات ضد الحكومة السورية مع توفير مساعدات إنسانية للشعب السوري ومساعدات للمعارضة، وشدد على أنّ السوريين هم في النهاية من يقررون مستقبلهم، وأنّ الولايات المتحدة ستعمل بالتنسيق مع حلفائها كإسرائيل وتركيا، وأنّ التدخل العسكري في سوريا خطوة خطيرة. وأضاف «... علينا أن نكون متأكدين تماماً من أنّنا نعرف الأطراف التي نساعدها، وألا نضع السلاح في أيدي أشخاص سيحوّلونه في نهاية المطاف ضدنا وضد حلفائنا. وأنا واثق من أن أيام الأسد أصبحت معدودة».
من جانبه، قال رومني إنّ المسار الصحيح للقضاء على نظام الأسد وإنهاء الصراع هو في العمل مع حلفاء الولايات المتحدة لتوحيد صفوف المعارضة السورية وتمكينها من الأسلحة اللازمة. وأضاف أنّ سوريا هي حليف إيران الوحيد في العالم العربي، كما أنّها حليفة حزب الله الذي يهدد إسرائيل. وشدد على ضرورة عدم انزلاق واشنطن إلى تدخل عسكري في سوريا. وأضاف «علينا أن نتأكد من أن الذين نساعدهم سيكونون حلفاء لنا على المدى الطويل... يجب أن يكون لدينا علاقة صداقة مع من سيخلف الأسد».
وكما يحصل بعد كل مناظرة، حصلت استطلاعات سريعة للرأي على عيّنة صغيرة من الناخبين المسجلين، أظهرت تفوّقاً هذه المرة لمصلحة أوباما، إذ أعلنت «سي. بي. أس.» أنّ الرئيس المنتهية ولايته حلّ أول بين المشاهدين عن سؤال «من ربح المناظرة» مع 53 في المئة من الأصوات، مقابل 23 في المئة فقط لرومني، و24 في المئة لم يختاروا أحداً. وقال 71 في المئة من المستطلعين إنّهم بعد المناظرة يثقون أكثر بأوباما، مقابل 29 في المئة لرومني.
في المقابل، أظهر استطلاع لمحطة «سي. أن. أن» تقدم أوباما بثماني نقاط فقط على رومني: 48 في المئة مقابل 40 في المئة، والبقية لم يختاروا أحداً. ويبقى للانتخابات أسبوعان سيكونان حافلين بالتصريحات النارية والجولات الانتخابية، قبل أن يعرف العالم من سيكون قائد «العالم الحر» الجديد.




الصين لا يعجبها هجوم المرشحين


تعهد رومني بأنّه في حال انتُخب، فسيعلن في اليوم الأول من حكمه أنّ الصين تتلاعب بعملتها، واتهم بكين بالحفاظ على عملتها المحلية «بأقل من قيمتها لغزو الأسواق ببضائع رخيصة». وأضاف «إنهم يأخذون وظائفنا ويسرقون ممتلكاتنا الفكرية وبراءات اختراعنا وتصميماتنا والتكنولوجيا الخاصة بنا ويخترقون حواسيبنا ويزيفون بضائعنا». لكنّه استبعد إمكان شنّ حرب تجارية على بكين في حال فوزه. من جانبه، تعهد أوباما بالتعاون مع الصين رغم الخلافات التجارية العديدة حول سد العجز الأميركي في الميزان التجاري معها، البالغ حوالى 300 مليار دولار العام الفائت. وقال الرئيس «الصين خصم لكنها أيضاً شريك محتمل في المجتمع الدولي لو التزمت بالقواعد». وأدى ذلك إلى ردّ صيني شعبي عبر بعض وسائل الإعلام، ورسمي عبر وزارة خارجيتها، إذ قال المتحدث باسم الوزارة هونغ لي «يجب على السياسيين الأميركيين، أياً كان انتماؤهم الحزبي، رؤية تطور الصين وتقدمها من منظور موضوعي وعقلاني، ويجب أن يعملوا المزيد من أجل الثقة والتعاون الصيني والأميركي المتبادل». وأضاف أن «التطور الثابت والجيد للعلاقات الصينية الأميركية يخدم المصالح الأساسية للبلدين والشعبين، وهو أيضا يساعد على السلام العالمي والإقليمي والاستقرار والرفاهية».
(أ ف ب)