واشنطن | البداية من أكبر بوابات الولايات المتحدة الأميركية الجوّية. بعدما سمّتها ولاية نيويورك «مطار (قائد وحدة الحرس الوطني الفدرالي في جنوب الولايات المتحدة) اللواء ألكسندر أي أندرسون»، أُعيد تسميتها عام 1963 «مطار جون ف. كينيدي» تكريماً لذكراه، إثر اغتياله في 22 تشرين الثاني من العام نفسه. ومنها إلى واشنطن. لا يكاد الزائر يهضم تسمية المطار باسم الرئيس الأميركي السابق رونالد ريغان، حتى يطالعه فور خروجه نصب تذكاري ضخم للوافد السينمائي إلى الرئاسة الأميركية، على نسق تماثيل الرئيس العراقي السابق صدام حسين، وربما أكبر.


لا تخلو، على طول الطريق المجاور لخط المترو المستحدث لربط وسط العاصمة بمطارها، ساحة أو حديقة عامة من اسم شخصية أميركية أو نصب تذكاري. يجتهد سائق التاكسي في شرح رمزيته والرسائل المبطنة التي يحملها. لا يمكن أن يكتفي الأميركيون بأن يكون تمثال أينشتاين مثلاً، مجرد تمثال. لا أبداً. هو يرمز إلى إحلال العلم في بناء الدولة الأميركية محل الدين. ولا يكاد الزائر يشيح بنظره عن الأنصاب إلى حديث الساعة في أميركا، ساندي، حتى يعلمه السائق أن أضرار الإعصار، رغم فداحتها، تبقى صغيرة مقارنة بمضمون الرسالة التي أراد الله إيصالها إلى شعوب العالم.
لا مكان للبراءة أو العفوية. يخال الزائر نفسه في حضرة ناشط في الحزب القومي، يفكّ معه الرموز لفهم إحدى المؤامرات. لا مع مجرد دليل سياحي أميركي من أصل عربي؛ فقد استغرق بناء البيت الأبيض (الذي استقدمت حجارته من اسكتلندا) من قبل حضرة المهندس جايمس هوبن، سبع سنوات، بحسب الرفيق السياحي. «تماماً كما استغرق الله سبعة أيام في بناء الكوكب، وتطلّب بناء هيكل سليمان سبع سنوات». آه wow! شاءت «الإرادة الإلهية» إذاً أن يستغرق بناء البيت الأبيض، الذي أطلق الرئيس الأميركي السابق، ثيودور روزفلت، اسمه الحالي عليه عام 1901 (رغم انتهاء العمل به عام 1800) سبع سنوات أيضاً! وفي ذلك رمزية شديدة الأهمية في نظر الأميركيين. البيت الأبيض الذي أحرقه الكنديون والإنكليز في حربهم على الولايات المتحدة عام 1814، يقوم بالنسبة إليهم مقام هيكل سليمان، وأكثر.
وفي حال الهروب من الدليل، هناك غالباً مبشرون من مجموعات تتأرجح بين المعمدانية الإنجيلية وشهود يهوى. تتربص بالمارة العزّل لتنفرد بهم في خبرية عن نهاية العالم التي باتت وشيكة، وشيكة جداً. وما على المشكّكين إلا مقارنة بعض ما كُتب في الكتب السماوية وأحداث السنوات الماضية التي توّجها هذا العام إعصار «ساندي». أما الدليل، فتُلهيه حماسته لدنيا الولايات المتحدة عن الدين. يشرح آلان أن البيت الأبيض بُني من حجر وحديد للتأكيد أنه سيتآكل مع الزمن، وليس بالتالي أبدياً. أما مبنى الكونغرس، فبُني برخام أزرق، لا يقوى عليه الدهر، ويحيا بالتالي إلى الأبد. العبرة هنا، أن سلطة الشعب التي يمثلها الكونغرس أبدية، أما سلطة الأنظمة التي يمثلها البيت الأبيض فمعدودة. يرشح الدليل إيماناً بعظمة الولايات المتحدة، كما ترشح الولايات المتحدة أساطير. «سوبرمان» بالمناسبة ليس أسطورة، كما اقتنعت أجيال اشتراكية بأنها «سنافر» إثر تسويق السينما السوفياتية مسلسل السنافر الكرتونيّ. يكاد يكون كل أميركيّ مقتنعاً بأنه «سوبرمان». لم يأت الرئيس الأميركي باراك أوباما بـ«yes we can» من «بيت أبيه».



احتراماً لرمزية الكونغرس، الذي يمثل سلطة الشعب، لا يجوز أن تعلو عمارة في واشنطن العاصمة، التمثال الذي يكلّل قامة الكونغرس، منتصباً فوق ثلاثة عشر عموداً ترمز إلى الولايات الثلاث عشرة، التي انطلقت منها الولايات المتحدة، وتقوم هذه فوق 36 عموداً ترمز بدورها إلى الولايات المتحدة قُبيل توسعها لاحقاً لتغدو خمسين ولاية. يحيط الكونغرس نفسه بمجموعة نواميس ترمز إلى ناموس العهد القديم، على اعتبار أن الكونغرس الجنة على الأرض. ولا تنتهي لعبة الرموز في أروقة الكونغرس. هناك، رجل التمثال الفوقيّ، كما الأحصنة المحيطة بالكونغرس، تنظر جميعاً شرقاً، لتذكّر بتطلع الأميركيين الدائم إلى إشراقة يوم جديد. كان الرئيس رونالد ريغان أول من خالف عام 1981 رمزية تنصيب الرئيس الأميركي من جهة الشرق، ناقلاً حفل تنصيبه إلى غرب الكونغرس.
ومن الكونغرس إلى نسر الدولار الأميركيّ، خلافاً للنسر الروماني الذي يمثل القوة. يقول الأميركيون إن نسرهم يمثل القوة والجمال. ويحمل الأخير في يد شجرة زيتون فيها ثلاث عشرة حبة، ترمز إلى الولايات الثلاث عشرة التي تمثل أساس نشوء الولايات المتحدة، وفي اليد الأخرى ثلاثة عشر سهماً. وبحسب الأساطير الأميركية، يبرم النسر عند إعلان الرئيس الأميركي الحرب رأسه من جهة الزيتونة، التي ترمز إلى السلام والتطور الزراعي، إلى جهة الأسهم. هذا دون التوقف عند رمزية «IN GOD WE TRUST» طبعاً.
ومن الدولار إلى الشوارع. يرمز الشارعان المجاوران للكونغرس والبيت الأبيض، بحسب الدليل السياحي دائماً، إلى الاستقلال والدستور. هما يسيران متوازيين (ككل طرقات العالم!) دون الالتقاء، حفاظاً على الرمزية، في غير الكونغرس. وقد حرص أحد الرؤساء الأميركيين السابقين على تشييد وزارة المال قبالة شرفة البيت الأبيض المطلة على الكونغرس، كي لا يراه عند استيقاظه نظراً لعلاقته السيئة بأعضائه، مع العلم بأن الرئيس الأميركي لا يدخل الكونغرس إلا عند تلقيه دعوة رسمية منه، ويمنع رفع صور الرئيس في الكونغرس.
اللعبة تغدو مخيفة، حين يفتح الدليل السياحي خريطة واشنطن العاصمة أمام ضيوفها، ليريهم شارعين متقاطعين عريضين يمثلان أساس المدينة، ويرمزان في الشكل إلى صليب، «أراد مهندس المدينة الفرنسي أن يشير بواسطته إلى قيامة هذه المدينة الدائمة». ولا يلبث أن «يشقلب» الخريطة قليلاً بين يديه ليدلّ هذه المرة على مجموعة شوارع ترسم كلمة «يهوى» بالإنكليزية، لرغبة المهندس في حفر اسم الله على الأرض. وسيتعثر الزائر بين كل حي وآخر ببحيرة اصطناعية، تعكس، بحسب الدليل السياحي دائماً، كبرياء الأميركيين، وتنبه الله كلما نظر صوبهم إلى عظمتهم وجمال بلدهم. وبين شجرة وأخرى، يقوم تمثال إما لفارس من إحدى الحروب الأميركية، أو لعذراء. وترمز العذارى في قاموس الرموز الأميركية إلى الحرية والسلام. أما الأعلام السوداء التي تعلو بعض الأعمدة على جانبي الطريق، فتذكّر بشهداء الولايات المتحدة، فيما تُذكّر المسلّة الضخمة التي «تنشر النور فوق المدينة» قبالة البيت الأبيض بالإله «رع»، بحسب الدليل المحلف.



أما شجر الكرز على جانبي الطريق، فأوصلها اليابانيون إلى واشنطن كرمز لصداقة بلديهما. ولا بدّ من نصب ضخم يبدأ صغيراً، يكبر ولا يلبث أن يصغر مجدداً، ليرمز إلى حرب فييتنام. وقد نُقشت على جداره أسماء الأميركيين الذين قتلوا في حرب فييتنام، من جون أندرسون إلى جسي ألبا، مروراً بنحو 11 ألف اسم. وقبالتهم يرمز مجسم المقاتلين الثلاثة إلى الأعراق الثلاثة، التي مثلت الأميركيين في تلك الحرب.
أما نصبا توماس جيفرسون وأبراهام لينكولن، فيتنافسان في رمزيتهما. لا يمكن حاكمَ البيت الأبيض أن يخطئ أو يغش طالما يطل «الأب المؤسس للولايات المتحدة» من نصبه عليه، مذكّراً ساكنه بأنّه يراقبه أبداً. ويطل نصب جيفرسون على العاصمة من أربعة أبواب تمثل مكوّنات الحياة الأربعة: الأرض، المياه، النار والهواء. أما قرب قدميه فتجتمع كتب الأديان السماوية الثلاثة: القرآن، الإنجيل والتوراة. إضافة إلى كأس نبيذ وأوراق سجائر الحشيش. أما موحد الولايات الأميركية بالقوة، فيجلس على ما يسميه الأميركيون «كرسي التضحية»، وهي كرسي الرئاسة طبعاً.
ولا بدّ من صعود 58 درجة لبلوغ نصبه، ترمز إلى أعوام الرئيس الذي اغتيل في 14 نيسان 1865. ولا شيء عفوياً هنا، فيد لينكولن المنقبضة ترمز إلى شيء، كما يده المفتوحة، وكذلك قدماه؛ سواء الثابتة في الأرض أو المتقدمة خطوة إلى الأمام. وكما ينظر جيفرسون إلى البيت الأبيض، ينظر لينكولن إلى الكونغرس، علّه يذكّر من فيه دائماً بعدم اكتراثه بالخسائر البشرية التي تكبدها لتوحيد الولايات المتفرقة، وإيمانه بوجوب الانتصار مهما بلغ الثمن، مكرّساً مبدأ «الحرب الشاملة»، كما كان يقول خصومه، بما تشمله من استهداف للمدنيين والمرافق المدنية وتقييد لحرية التعبير وسجن معارضيه أثناء الحرب.
غداة كل ذلك، تبدو نكتة بعض الإسلاميين عن انتقام الله عبر «ساندي» من الأميركيين لمسّهم بالرسول عادية جداً. هي لا تُضحك الأميركيين، فبينهم من يقبضها بجدّ.




سيدة تعتصم منذ 30 عاماً


لا تلبث لعبة الرموز أن تزداد غرابة. قبالة البيت الأبيض، تحمل إحدى الحدائق اسم أحد الجنرالين الفرنسيين، اللذين أسهما في تنظيم الجيش الأميركي بعد الثورة، إلى جانب جنرال روسي وآخر بولندي. والحديقة كانت في الأساس مقبرة، قبل أن تتحول الى حديقة حيوانات، فسوق عبيد، وأخيراً مقرّ للاعتصامات، يحرسه الجنرالات الأربعة. وبحسب الدليل السياحيِّ، فإن وقوف الحصان على قدمين فقط يرمز إلى استشهاد فارسه، أما رفعه قدماً واحدة عن الأرض، فيدل على إصابته في الحرب. لكن، ورغم عدم مقتل الجنرال الفرنسي لافاييت الذي سُميت الحديقة تيمناً به خلال الحرب، أو حتى إصابته، أوقف النحات حصانه على قدمين فقط، مزوّراً التاريخ تكريماً لجهود الجنرال الفرنسي. لا شيء بين الحديقة والقصر يرمز إلى دهاء الديموقراطية الأميركية، أكثر من خيمة صغيرة لا تزال في موقعها قبالة بوابة البيت الأبيض الخلفية منذ أكثر من ثلاثين عاماً، تحتج فيها سيدة مسنّة بصمت على تصنيع أسلحة الدمار الشامل.