نيو هامشر | تقرع إحداهن الباب، فيما تنتظر الأخرى والـ Ipod بين يديها قرب الشارع. دقائق ويلتئم شملهما مجدداً. تفرغ الأولى المعلومات التي حصدتها في جعبة رفيقتها الإلكترونية، وتنطلق بابتسامتها الدائمة إلى منزل آخر. هما الآن في شارع X في حي Y في مدينة Z. تتطابق هندسة الشارع وأرقام المنازل في الواقع، مع خريطتهما الإلكترونية. عليهما التأكد أن هوية القاطنين في المنازل تتطابق أولاً مع معلومات صناديق البريد، ثم سؤال مستقبليهما عن عنوانهم البريدي وإذا كانوا سجلوا أسماءهم في قوائم الاقتراع ليضمنوا حقهم في الانتخاب أم لا. مع العلم أن غالبية الأميركيين يحددون حين يتسجلون للانتخاب، في خانة خاصة، إن كانوا جمهوريين بالمبدأ أم ديموقراطيين. ولن تلبث الفتاة التي في الخارج أن تلون المنزل بلون الحزب: أزرق للديموقراطيين وأحمر للجمهوريين. وتسأل رفيقتها عن عدد أفراد الأسرة أو مهنة الزوجين واهتماماتهما الرئيسية، ولا مشكلة في السؤال عمّا يدفع ربة المنزل إلى تفضيل مرشح على آخر. نسبة قليلة من الأميركيين تقفل الباب في وجه فتاة لطيفة تطرقه معرّفة باسم جمعيتها وهدف زيارتها السريعة. نسبة أخرى تكون خارج المنزل فتترك لها الفتاتان بباب البيت تعريفاً مكتوباً بجميعتهما ومرشحيهما المفضلين، سواء إلى موقع حاكم الولاية أو مجلس الولاية التمثيلي أو قيادة الإدارة التربوية أو الـ«شريف» أو مجلسي الشيوخ والكونغرس المركزيين وحتى رئيس الجمهورية.

في جمعية «تنظيم الأسرة»، تشرح جنيفر فريزل أن «خزان معلومات الجمعية يشمل الاستمارة الميدانية التي ينشط عشرات المتطوعين في ملئها وتعديلها على مدار العام». وتقول: «لدينا معلومات أولية شبه كاملة عن كل منزل في ولاية نيو هامبشر»، إضافة إلى استقبال المستوصف النسائي نحو ثلاثين ألف امرأة سنوياً، يقدمن للجمعية معلومات وافرة عنهن صحياً واجتماعياً ومهنياً، تدخل بدورها «الخزان».
وبحكم علاقة الجمعية الوطيدة ببعض المتاجر، التي تتكل في تبادلها التجاري على بطاقات الاعتماد المصرفية، تتم إضافة قائمة بأهم مشتريات هذه السيدة أو تلك إلى خزان المعلومات، مقدرين اهتماماتهن الرئيسية والنفقات ومستواهن الاجتماعي.
«مرحبا حرية». يمكن السيدة إذا رغبت بعرض معلوماتها، اختيار المنزل الذي تريد على الخريطة وعرض معلومات لا يتخيلها أحد عن صاحبته. تبدأ بفئة الدم، تمر بنوع الشوكولا الذي تفضله ومقاس صدرها، وتنتهي بخلفية موقفها السياسي. وتملك فكرة واضحة عما يمكّنها من دفع هذه الأسرة إلى انتخاب فلان بدل علتان. تخبئ جميع هذه المعلومات للاستخدام لاحقاً.
ليست الجمعيات هنا مجرد مؤسسات إنسانية؛ لا يمكن تخيل حزب في العالم العربي يضاهي في ماكينته الانتخابية إحدى هذه الجمعيات. في مقر جمعيتها الرئيسي في ولاية نيو هامبشر، ترسم فريزل خريطة بحجم الحائط، تتدرج ألوان مناطقها الرئيسية السبعة بين الزهري والأرجواني، بحسب مستوى المعلومات التي جمعتها الجمعية عن أهالي هذه المنطقة أو تلك. ويمكن تخيل خرائط مماثلة عند الجمعيات الأخرى، التي يتجاوز عدد الجدية منها في نيو هامبشر وحدها المئتين. هنا تتحدث الجمعية عن دعم الأسرة وتوفير الحماية القانونية والمساعدة الصحية للمرأة. ثمة جمعيات أخرى لأشياء لا تخطر على البال. يشرح تيلر ديتون، من جمعية «جمهوريين من أجل الحرية والمساواة» وهمها الرئيسي مساواة المثليين بغيرهم على صعيد الزواج، أن غالبية الجمعيات تمول نفسها بنفسها عبر التبرعات. فالقانون يعفي الأميركي من دفع الضرائب السنوية المتوجبة عليه في حال تبرعه بمبلغ يوازيها لإحدى الجمعيات. وهكذا تنهمر التبرعات. «أن أدفع لجمعية تنشط في حيِّ أو ترفع لواء قضية يهمني أفضل ألف مرة من أن أدفع لخزينة الدولة حتى تشتري مزيداً من السلاح أو تتبرع به بكل بساطة لمصر أو إسرائيل»، يقول متطوع في إحدى الجمعيات. وهكذا تجمع الجمعيات ثروات من جهة، وتجذب من جهة أخرى آلاف الناشطين. فهذه الجمعيات غالباً ما تمثل المساحة المشتركة شبه الوحيدة لأصحاب الاهتمامات المتشابهة، وثمة بروباغندا ذكية تقنع الأجيال الأميركية واحداً تلو آخر بأنهم بتطوعهم في جمعية أو تبرعهم لجمعية إنما يغيّرون العالم. لاحقاً، طالما وجد المال والأنصار، يمكن الجمعية أن تخبط يدها على طاولة المرشحين، معلنة مقايضتها التزام المرشحين ببرنامجها بالأصوات والتسويق. يمكن رؤية المرشح إلى الرئاسة الأميركية ميت رومني يتخبط في مواقفه بشأن الإجهاض وتحديد النسل وغيرها من القضايا النسائية نسبياً، بعدما صبت بعض الجمعيات النسائية جام الغضب النسائي عليه. يمكن رؤية سيناتور يضيع ساعة تلو الأخرى من حياته لكسب ود جمعية في أبعد زوايا نيو هامبشر تهتم بالسناجب. ويروي تيلر ديتون اكتشاف الجمهوريين غداة انتخابات 2008 أن موقفهم السلبي من قضايا المثليين والمثليات خسرهم أصوات مجموعة ناخبة كبيرة، فيبرز اليوم صراع معتقدات حقيقي في الحزب الجمهوري بهذا الشأن. وفي النتيجة، تتبنى الجمعيات مجموعة من المرشحين إلى المواقع الرئيسية في الإدارة المحلية أو الكونغرس ومجلس الشيوخ وحتى رئاسة الجمهورية. وعند النظر عمودياً إلى قوائم المرشحين في شتى الولايات، ومضمون خطاباتهم، ستظهر أكثريتهم بمظهر مرشحي الجمعيات.
لديهم الآن المال والمتطوعون والمرشحون، إضافة إلى خزان الناخبين المعلوماتيّ، يمكن جنيفر ديزل مباشرة ما تسميه «التواصل مع الناخبين». يشرح سكرتير الولاية في نيو هامبشر، ديف سكانلن، أن الانتخابات التمهيدية لاختيار المرشحين إلى موقع رئيس جمهورية الولايات المتحدة وعضوية الكونغرس ومجلس الشيوخ تبدأ من نيو هامبشر، وبحكم توازن القوى بين الديموقراطيين والجمهوريين المسجلين في قوائم الاقتراع، يمثل المستقلون بيضة القبان. فلا يكاد يغادر أحد المرشحين الولاية حتى يحضر المرشح الآخر. الأسبوع الماضي حضر أوباما يوم السبت، فوصل رومني الأربعاء. ولم يكد رومني يحدد موعداً آخر، الاثنين السابق لانتخابات الثلاثاء بيوم واحد، حتى قرر أوباما المجيء الأحد. وحين يسأل أحد النيو هامبشريين لمن سيقترع يوم الثلاثاء، يجيب ضاحكاً: «لا أعلم، فقد رأيت أوباما ثلاث مرات فقط الشهر الماضي، ورومني أربع مرات».
التواصل المباشر مع الناخبين أولاً إذاً. ثانياً، الإعلان التلفزيوني، فيذهب المبلغ الأكبر من الحملات الانتخابية إلى هذا الشكل الإعلاني غير المحدود بسقف قانوني ويباح فيه كل شيء. كل شيء. ثالثاً، البريد الالكتروني: بحسب المعلومات الخاصة بالمرشحين التي سبق ذكرها، تكتب مجموعة من المتطوعين رسائل إلى الناخبين تلامس مشاعرهم ورغباتهم وتطلعاتهم، معددة الأسباب الخاصة بهم التي يفترض أن تحثهم على تفضيل مرشح على آخر. وسرعان ما تلحق الرسالة بأخرى بعد يومين، وهكذا دواليك حتى موعد الانتخاب. رابعاً، الاتصالات الهاتفية التي يستعيض بواسطتها بعض المرشحين (خصوصاً إلى مجلسي الشيوخ والكونغرس) عن زياراتهم الشخصية للناخبين. خامساً، الرسائل الهاتفية التي يبدأها المرشح إلى موقع قائد الشرطة وينهيها المرشح إلى الرئاسة الأولى نفسه، وتتواصل حتى إقفال الصناديق. سادساً، إعلانات الطرقات التي تعد الأقل تأثيراً بالناخبين وهي مجرد كراتين ملونة صغيرة تحمل اسم المرشح وتغرس في الأرض على جانبَي الطريق. وسابعاً وأخيراً الحملات الالكترونية التي يجند لها اليوم كل فريق أكثر من خمسين ألف متطوع، يتوزعون مجموعات تتابع الناخبين برسائل يومية تعلمهم بما تفترضه الجمعيات ضمن اهتماماتهم، إضافة إلى نشاطات المرشحين وأبرز مواقفهم والتذكير الدائم بوجوب التسجيل لضمان حق الاقتراع.
هكذا تبدأ الانتخابات وهنا تنتهي، مجرد جمعيات وشركات ومجموعات ضغط مختلفة تتسابق لتحقيق مصالحها، تحت شعار الخدمة العامة. في هذه الأروقة يمكن فهم اللامبالاة الشعبية الأميركية المعلنة تجاه سياسة الولايات المتحدة الخارجية. فصحيح أن في الصحف الأميركية الكبرى ثمة تقريرين وربما ثلاثة في الصفحتين الثانية والثالثة عن البحرين وسوريا والعراق ولبنان وأفغانستان، لكن لا علاقة لشغف أميركيين كثر بمعرفة ما يحصل هناك باختيار ممثليهم في الكونغرس. يفضل الأميركيون عموماً النائب غسان مخيبر على زميله سامي الجميل، إن خيروا بين الإثنين: «الجماعة عمليين»، يريدون نائباً يشرع لهم قانوناً يسهل عيشهم وحاكماً يلاحق تنفيذه، لا نائباً يتحفهم بالنظريات وحاكماً يسقط الأنظمة هنا وهناك.




استراتيجيا التبرّع

بعيداً عن الجمعيات، تنجح حملات بعض المرشحين الخاصة في جذب آلاف المتبرعين والمتطوعين. تستأجر المرشحة عن الحزب الديموقراطي إلى عضوية الكونغرس عن ولاية نيو هامبشر، آن مكلاين كستر، خدمات ناشطين متخصصين في إدارة الماكينة الانتخابية. ويشرح منسق الحملة غاريك دلزل أن الحملة الجدية تبدأ قبل نحو ستة عشر شهراً من موعد الانتخابات. ولا يمكن حملة المرشح الناجحة أن تكلف أقل من مليوني دولار. ويتابع «نبيع شخصية المرشح أولاً وقدرته على حماية حقوق الناخبين وتحقيق بعض تطلعاتهم ثانياً». ويكشف أن عشرين ألف أميركي تبرعوا لحملته بنحو 50 دولاراً، جراء تركيزه على التبرعات الصغيرة التي تحصل إلكترونياً غالباً أكثر من التبرعات الكبيرة.