احتجاجات دمويّة شهدها العالم العربي، عقب انتشار فيلم «براءة المسلمين» المسيء للنبي، لتبلغ أوجها في ليبيا، حين اقتحم إسلاميّون غاضبون، في الحادي عشر من أيلول الماضي، مبنى القنصليّة الأميركيّة في بنغازي، حيث قتل السّفير الأميركي، جي كريستوفر ستيفنز، واثنان من كوماندوس البحريّة، وزميل لهم متخصّص في المعلوماتيّة.


بعد الحادثة، كشفت المتحدثة باسم الخارجيّة الأميركيّة، فكتوريا نولاند، عن أنّ بلادها كانت قد تعاقدتْ مع مجموعة «بلو ماونتن» الأمنيّة، ومقرّها بريطانيا، لحماية قنصليّتها في بنغازي، وإدارة الجانب الأمنيّ المتعلّق بالدخول إلى مبنى القنصليّة والخروج منه. وقامت الشركة بتوظيف حرّاس ليبيّين يعملون على تشغيل المعدّات الأمنيّة، ورصدِ المتفجّرات، والكشفِ على السيّارات. غير أنّهم فشلوا في تأدية مهامّهم، بحسب ما كُشف من تحقيقات تتعلّق بهجوم بنغازي. فقد قالت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركيّة إنّ الموظّفين الأمنيّين الذين أوكلتْ إليهم مهمّةُ حراسة القنصليّة لم يتّبعوا خطّة الطوارئ المتّفق عليها قبل عام، والتي تنصّ على وجوب تأمين الحماية للسّفير أولاً في حال تعرّض القنصليّة لهجوم. وتابعت أنّ «الحراس الليبيّين كانوا قد نقلوا مخاوفهم حول الإهمال الأمنيّ في القنصليّة، وقلّة خبرتهم، الى مسؤولين أميركيّين في اليوم الذي حدث فيه الهجوم».
ومن إخفاقات الشركة، قال مراسلُ صحيفة «لو فيغارو» الفرنسيّة، وموفدها إلى بنغازي، تيري بورت، إن «القنصليّة الأميركيّة قد تبلّغتْ عن الاحتجاجات الغاضبة قبل 48 ساعة من هجوم المتظاهرين، لكنّ الشركة الأمنية لم تقم بتحذير موظّفيها أو تتّخذ أيّ اجراءات مشدّدة لحمايتهم، ما يدلّ على فشلها في تأدية مهامها الأمنيّة».
وضعت هذه الأحداث شركة «بلو ماونتن» على مشرحة التحليل الأمنيّ والسياسيّ، ورسمت حولها علامات استفهام كبرى. فما هي هذه الشركة التي لم تتجاوز خبرتُها الخمسة عشر عاماً، والتي فازت بعقد تبلغ قيمته 387 الف دولار لحماية الممثّليّات الدبلوماسيّة الأميركيّة في ليبيا لمدة عام؟ ولماذا لم تحاسبها الإدارةُ الأميركيّة بعد فشلها في مهمتها؟
عقب سقوط القذّافي وتزايد مظاهر العنف في ليبيا، سعت الولايات المتحدة إلى تعزيز أمن سفارتها وبعثتها الدبلوماسيّة هناك، وقامت بطرح أسماء ثماني شركات أمنيّة رفيعة المستوى لتتعاقد معها، ولم يكن اسم بلو ماونتن خياراً مطروحاً حينها. غير أن الشركات الأمنيّة الكبرى فوجئتْ بوقوع الاختيار على هذه المجموعة التي لا تزال غير مؤهّلة للعمل في بلد يمرّ بمرحلة انتقاليّة صعبة كليبيا.
ويقول مصدر دبلوماسي ليبي لـ«الأخبار» إنّ المجلس الانتقاليّ كان مرتاحاً لمجموعة «بلو ماونتن» لأنّها بريطانيّة، لا أميركيّة، خوفاً من إعادة تجربة «بلاك ووتر». ويضيف: «هناك نوع من فاتورة ليبيّة تُدفع لبريطانيا كعقود خدماتية لقاء موقفها السياسي من الثورة المسلحة ضد القذافي».
مجموعة «بلو ماونتن» تعرّف عن نفسها في موقعها على الإنترنت بأنّها شركة أمنيّة مختصّة في تأمين الحماية الشخصيّة، والاستشارات الأمنيّة للشركات والحكومات، والتعليم العسكريّ. وتؤمّن هذه المجموعة تدريبات للقوى الأمنيّة الشخصيّة، وتزوّد الشخصيّات بضبّاط أمنيين من أعلى المستويات.
عملت «بلو ماونتن» مؤخّراً في أفغانستان والعراق وباكستان ومنطقة البحر الكاريبي وأوروبا. كما سبق أن تعاقدتْ مع عدد من وسائل الإعلام العاملة في اليمن وليبيا، وقامت بحراسة عدد من المرافق والفنادق الرفيعة المستوى في ليبيا، قبل أن تحظى بالصفقة الأميركيّة الذهبيّة.
يدير مجموعة «بلو ماونتن» العضو السابق في القوات الخاصة البريطانية، ديفيد نايجل توماس، وهو جندي سابق في القوة الجويّة الخاصة للمملكة المتحدة. أمّا قسم تقنيّة المعلومات، فيديره مؤسّسُ شركة «IT Governance Ltd»، آلان كالدر، الذي يهتمّ بإدارة معلومات الشركة وتخزينها وحمايتها. اللافت في «السيرة الذاتية» للشركة كان عن تعاونها مع شبكة «إلكاس» الأمنية، التي تموّل قسم تقنيّة المعلومات في الشركة.
«إلكاس» تعنى بمساعدة القوات المسلّحة، أو تاركي الخدمة العسكريّة، على استكمال حياتهم المهنيّة وتنظيمها. ويعرّف عناصرُ الشبكة أنفسهم بأنّهم أصحابُ خبرة واسعة في العمل العسكريّ، وسبق أن عملوا في البلدان التي تعاني «الإرهاب» كالعراق وأفغانستان وشمال أفريقيا.
تحرص «إلكاس» على تعليم فنّ الـ«كراف ماغا» Krav Maga القتالي، الذي تستخدمه القوات الاسرائيليّة. وتقول الشبكة إنّه من أكثر الفنون القتاليّة شيوعاً في الأوساط الاسرائيليّة، وعند الجيش الاسرائيلي. و«كراف ماغا» تعبير بالعبرية، ويعني «القتال المباشر» أو «القتال بالالتحام». وهو مزيج من الملاكمة والمصارعة والكاراتيه وقتال الشوارع وفنون أخرى،اخترعه اليهوديّ الهنغاريّ، إيمي ليشتنفلد، لحماية الجالية اليهودية في بوزسوني، أو ما بات يُعرف اليوم ببراتيسلافيا (سلوفاكيا) من اعتداءات النازييّن والمعادين للسامية في نهاية الثلاثينيات من القرن الماضي. وفي فترة الأربعينيات، قام ليشتنفلد، عقب هجرته إلى الأراضي المحتلة وانتسابه إلى عصابة الهاغاناه، بتطوير هذا الفن ليلائم المتطلبات العسكريّة للقوات الإسرائيليّة (بما في ذلك جهازا الموساد والشين
بيت).
من هنا يزيد الصمتُ الأميركي الشكوك حول دور هذه المجموعة وتمركزها في بلدان النزاعات؛ وهذا ما قد يتنافى مع طبيعة تعريفها لمهامّها الخاصة بـ«الحمايات الأمنيّة»، إذ قد تتعدّاها الى التدخل العسكري المباشر كما كان واقع الحال مع شركة «بلاك ووتر».