أنقرة | يتعرض رئيس المظالم التركي، الذي انتُخب حديثاً، لحملة من الضغوط قد تدفعه إلى الاستقالة حتى قبل أن يبدأ عمله الذي يتضمن إدارة كل العمليات الإدارية المتعلقة بالعدالة وحقوق الإنسان. وبحسب العديد من المفكرين المعارضين، فإن رئيس المظالم، المنتخب حديثاً، محمدت أومير أوغلو لا يناسب هذه الوظفية، بسبب علاقاته الوثيقة بالحكومة الحالية. إضافة الى ذلك، فإن سيرته الذاتية التي قدمها للبرلمان تتعرض أيضاً للانتقاد لأنه يؤكد خلالها على أنه لا يتعاطى الخمر ولا التدخين، وهما صفتان أساسيتان جعلتاه مفضلاً لدى رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان، لكنهما ليستا إلزاميتين لتولي المنصب في بلد علماني كتركيا.


لكن الانتقادات الأساسية ضدّ أوميرو أوغلو، القاضي المتقاعد من محكمة الاستئناف العليا، تتعلق بدورها بأحكام الاستئناف الصادرة عن المحكمة. إذ كان واحداً من القضاة الذين وافقوا على حكم سجن الصحافي الأرمني هرانت دينك بموجب المادة 301 من الدستور التركي، والتي تمنع «إهانة الدولة التركية في العلن»، والذي يرى البعض أنه مهّد لاغتياله في عام 2007. وقد عمد البرلمان التركي الى تغيير المادة السيئة السمعة بعد اغتيال دينك.
وكانت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قد أكدت في قرارها حول دينك أن «موافقة محكمة الاستئناف العليا على محاكمة دينك وفقاً للمادة 301 من الدستور، كانت انتهاكاً فاضحاً لحرية التعبير». وشددت على أن المادة 301 استخدمت كسلاح ضد دينك، مشيرة الى كيفية فتح الطريق أمام قتله عبر المادة 301، وكيف أن الدولة لم تحرك ساكناً كي تحميه.
وحاول أومير أوغلو، الذي جرى انتخابه رئيساً للمظالم في 27 تشرين الثاني المنصرم، أن يرد على الانتقادات بخصوص الحكم المثير للجدل حول دينك، بقوله إنه لم يكن يعي أن الاسم في القضية هو «هرانت» بما أنه كان يكتب «فيرات»، الاسم الرسمي لدينك في الوثائق الحكومية. لكن الدفاع الذي قدمه أومير أوغلو فتح الباب على مصراعيه لتساؤلات حول أهليته للوظيفة، بما أنه في كل وثائق المحكمة كان اسم دينك «هرانت» يكتب بين قوسين الى جانب اسمه الرسمي «فيرات».
بدوره، دعا حزب الشعب الجمهوري المعارض، على لسان نائب الأمين العام آتيلا كارت، الى استقالة أومير أوغلو، قائلاً «تحت هذه الظروف، يمكن أن نقول إن هيئة المظالم في تركيا ولدت ميتة».
وهيئة المظالم هي واحد من مطالب الاتحاد الأوروبي من فترة طويلة، وجرى إدخالها في الدستور في أيلول 2010، بموجب الاستفتاء الذي جرى. ويتضمن عمل الهيئة الفحص والبحث ورفع اقتراحات حول كل أنواع العمليات والنشاطات ومواقف الإدارة وسلوكها، وتحديد إذا ما كانا متماشيين مع «حس العدالة المبني على حقوق الإنسان، إضافة الى ملائمتهما للقانون والعدل».
لكن أومير أوغلو يعتقد أن منصب رئيس المظالم في تركيا ليس مستوحياً من أوروبا. وفي الواقع، فإن الأوروبيين هم من استوحوه من نظام الإمبراطورية العثمانية. وفي مقابلة مع وكالة «الأناضول» بعد يوم من انتخابه، يقول إن الملك السويدي تشارلز الثاني عشر، عندما كان في منفاه باسطنبول في بداية القرن الثامن عشر، كان له فرصة تفحص النظام القضائي العثماني، وقرر أن يتبنى منصب رئيس القضاة.
حكمه في قضية دينك، وأفكاره حول مهمات المنصب الجديد، ليسا فقط مصدر الانتقادات الموجهة لأومير أوغلو، لكن هناك انتقادات أخرى تتعلق بقربه من حزب العدالة والتنمية الحاكم، فالشاهد في حفل زفاف ابنه كان أردوغان. ويعمل ابنه لدى الخطوط الجوية التركية، وهي شركة عامة، ويفترض أن يراجع أومير أوغلو بحكم منصبه الجديد كل الشكاوى المحتملة ضد المؤسسات العامة، ومن ضمنها الخطوط الجوية. إضافة الى ذلك، فإن رئيس البرلمان الحالي، كميل سيسيك، رشح أومير أوغلو مستشاراً له خلال توليه منصب وزير العدل.
وما زاد من حدة السجال حول تعيين أومير أوغلو، كان انتخاب البرلمان القاضي محيي الدين مهكاك، أحد القضاة الـ 18 الذين وافقو على الحكم ضد دينك، رئيساً آخر للمظالم. لذلك، ذكر مراد يتكين في صحيفة «حريات» اليومية أن أومير أوغلو ومهكاك سيشكلان فريقاً من المفتشين والمخبرين للعمل معهم، وهكذا «فإن نظام المظالم الذي طال انتظاره من أجل التفتيش العام لأعمال الحكومة قد ولد ميتاً».