لأنّ «اللقاح يتضمن آثار لحم الخنزير ويؤدي إلى إضعاف الخصوبة»، ولأن الحملة «يموّلها الغرب لإضعاف المسلمين»، ولأنها مدخل للتجسس، ولأن الاستخبارات الأميركية، بالفعل، سبق أن نظمت حملة تلقيح مزيفة لأخذ عينات من الحمض النووي من أفراد عائلة قبيل اغتيال زعيم «القاعدة» في ما يعرف بقضية «أفريدي»، بات العاملون في مجال حملة مكافحة شلل الأطفال هدفاً لسلسلة اعتداءات أوقعت منذ يوم الاثنين الماضي 9 قتلى، ما أدى إلى تعليق حملة التلقيح في بلد من ثلاثة في العالم لا يزال المرض متفشياً فيه، وسجل في العام الماضي أعلى نسبة من الحالات منذ عقد.

ويوم أمس، استهدفت سلسلة جديدة من الهجمات عاملين في حملة مكافحة مرض شلل الأطفال. وقال مسؤولون في الشرطة إن موظفة وسائقها قُتلا برصاص مسلحين في شارسادا قرب بيشاور، المدينة الكبرى في شمال غرب البلاد، فيما ذكرت مصادر طبية أن رجلاً أُصيب بجروح بالغة في الصباح تُوفي متأثراً بإصابته، ما يرفع عدد القتلى من العاملين في الحملة منذ الاثنين إلى تسعة. كذلك فتح رجال مسلحون كانوا على دراجة نارية النار في اتجاه أربع نساء متطوعات يشاركن في حملة التلقيح قرب بيشاور، لكن بدون إصابتهن. وخلال اليومين السابقين، قُتل ستة موظفين باكستانيين بالرصاص في كراتشي (5 موظفين يعملون في وزارة الصحة) وبيشاور (موظفة تشارك في الحملة).
وتكثفت الهجمات قرب بيشاور، المدينة الكبرى في شمال غرب البلاد قرب الحدود الأفغانية والمناطق القبلية، التي تعتبر ملاذاً لحركة «طالبان» والمجموعات المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، المعارضة لحملات التلقيح ضدّ مرض شلل الأطفال.
وردّاً على أعمال العنف، علّقت اليونيسيف ومنظمة الصحة العالمية مؤقتاً أنشطتهما المرتبطة بحملة التلقيح ضدّ مرض شلل الأطفال في كل أنحاء باكستان. وقال المتحدث باسم «اليونيسيف» (منظمة الأمم المتحدة للطفولة)، في إسلام آباد، ميشال كولمان، إن الوكالتين اللتين تشرفان على حملة التلقيح كانتا علّقتا أنشطتهما مساء أول من أمس في إقليمين، لكنهما وسّعتا نطاق الإجراء ليشمل كل أنحاء باكستان.
ونددت المنظمتان بهذه الهجمات التي «تحرم السكان الفقراء في باكستان، وخصوصاً الأطفال، من الرعاية الطبية الأساسية». وبحسب أرقام منظمة الصحة العالمية، فإن 198 حالة شلل أطفال أُحصيت في باكستان العام الماضي، وهي الأسوأ خلال عقد، و56 هذا العام، لا سيما في شمال غرب البلاد، المنطقة التي تسكنها إتنية الباشتون والواقعة على خط جبهة «الحرب ضد الإرهاب».
في باكستان، لا يزال آلاف الأهالي يرفضون تلقيح أطفالهم ضد الشلل، الذي لا يزال متفشياً في ثلاثة بلدان فقط في العالم، وخصوصاً بسبب الضغوط التي يمارسها بعض الأئمة والمتمردين. وعبر أئمة علناً عن معارضتهم لهذا التلقيح، معتبرين خطأً أن اللقاح يتضمن آثار لحم الخنزير ويؤدي الى إضعاف الخصوبة، وأن الحملة يموّلها الغرب بهدف إضعاف المسلمين.
كذلك أكدت «طالبان» مراراً أن الحملة مؤامرة غربية لإصابة المسلمين بالعقم. وحظر قادة من الحركة إعطاء هذا اللقاح في الأراضي الخاضعة لسيطرتهم إلى أن تتوقف عمليات إطلاق طائرات أميركية بدون طيار في المنطقة.
إضافة الى ذلك، فإن الحركة ترتاب بالناشطين العاملين في المجال الإنساني، الذين تتهمهم غالباً بأنّهم جواسيس، خصوصاً بعد «قضية أفريدي». ففي 23 أيار الماضي حكمت محكمة باكستانية على الباكستاني شكيل أفريدي بالسجن 33 سنة، لمشاركته في حملة تلقيح مزيفة نظمتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي آي إيه» في ابوت آباد، للتأكد، عبر أخذ عينات للحمض الريبي النووي من أفراد العائلة، من أن أسامة بن لادن كان موجوداً فعلاً في المكان الذي كانت تعتقد بأنه موجود فيه.
وتلك الحملة أُجريت في آذار 2011 قبيل العملية الخاصة الأميركية التي أدت الى مقتل زعيم تنظيم «القاعدة» في الثاني من أيار من العام نفسه.
(أ ف ب، رويترز)