لم تحسم باريس أمرها. لا تزال الهجمات التي تعرّضت لها الأسبوع الماضي تفتح الباب أمام تحليلات وتكهّنات وصل بعضها إلى حد الحديث عن إمكان لجوء فرنسا إلى طلب تدخل "حلف شمال الأطلسي" في سوريا لمواجهة "داعش"، بناءً على المادة الخامسة من معاهدة الحلف.


تكهّنات لم تنضج بعد، ولكنها عكست رغبة لدى كثيرين في إعادة إحياء ما بعد 11 أيلول الأميركي، في وقت لا تزال فيه الحكومة الفرنسية تتروّى في التقدم باتجاه هذه الخطوة لأسباب كثيرة، تبدأ من الداخل ولا تنتهي عند الحلفاء في الخارج فقط، بل عند الخصوم أيضاً.
ولكن ليست الهجمات وحدها التي فتحت الباب على مصراعيه أمام التأويلات الكثيرة، بل إن الرئيس فرانسوا هولاند ساهم في استنتاج ما تقدم، حين قال إن بلاده في حالة حرب، بالتوازي مع طلبه مساعدة أوروبا في مواجهة هذا الخطر.


فرنسا اليوم يمكن أن تكون التالية بعد أميركا في استدعاء المادة الخامسة من معاهدة حلف «الأطلسي»

فرنسا اليوم يمكن أن تكون التالية بعد الولايات المتحدة في استدعاء المادة الخامسة من معاهدة حلف "شمال الأطلسي"، وباريس حالياً يراها البعض نيويورك عام 2001، وبالتالي يمكن للسيناريوات أن تجنح إلى كل ما هو غير مستحب، حتى بالنسبة إلى بعض الدول الغربية التي ترى في التدخل العسكري الرسمي في سوريا تهديداً لأمنها القومي. فرغم أن "الولايات المتحدة وفت مسبقاً بمسؤولياتها في سياق عمليات الحلف الأطلسي، في حال طلبت فرنسا التدخل وفقاً للمادة الخامسة، ولكن الدول الأخرى التي اتخذت المقاعد الخلفية، مثل ألمانيا، يمكن أن تقدم دعماً إضافياً إلى الجهود في سوريا، ولكن من غير المرجّح أن تصعّد في استخدامها للقوة"، يقول المحلل العسكري في مركز "ستراتفور" عمر العمراني لشبكة "سي ان بي سي" الأميركية، مضيفاً أنها "مسألة تتعلق في النهاية بالسياسة الداخلية أكثر من كونها مسألة عسكرية".
بريطانيا وضعها ليس مختلفاً كثيراً. قد يستفيد رئيس حكومتها ديفيد كاميرون من فرصة طلب فرنسا تدخل "الناتو"، ليستخدمه كعذر طالما انتظره لشنّ حرب في سوريا، ولكن أيضاً هناك عوائق أمامه في هذا المجال. بول مايسون يقول في صحيفة "ذا غارديان" إن "الدائرة الأمنية البريطانية تشهد قبولاً ضمنياً لإمكان طلب فرنسا تدخل الناتو واللجوء إلى المادة الخامسة من معاهدة الحلف، التي تتطلب من بريطانيا تقديم الدعم العسكري لحليف تعرّض لهجوم". وفيما يشير الكاتب إلى أن "المخططين العسكريين البريطانيين يقومون، في الوقت الحالي، باستكشاف الخيارات المتاحة أمامهم في حال طلبت فرنسا المساعدة العسكرية"، إلا أنه يضيف في حال "صياغة الاستجابة البريطانية ــ مع أو بدون الناتو ــ فإن المشاكل (التي ستواجهها الحكومة) كبيرة، ذلك أن الناخبين لا يثقون بالعمل العسكري. وهم يخافون ــ بناءً على الدلائل من العراق وأفغانستان ــ من أن تؤدي الحملات الحربية إلى الفوضى، وهو ما يفتح المجال أمام اقتتال طائفي، إضافة إلى الجهاد وقتل المدنيين".
أميركياً، تكثر الإيحاءات على المستوى الرسمي والإعلامي والتحليلي؛ فقد دعا عدد قليل من المسؤولين إلى انتشار عسكري كبير، ومنهم السيناتور ديان فينستاين وليندسي غراهام (مرشح جمهوري للرئاسة الأميركية)، الذي اقترح أن يتم إنشاء تحالف للتدخل في سوريا، بناءً على إمكان طلب فرنسي رسمي للمساعدة، وفق معاهدة "تحالف شمال الأطلسي"، وبناءً على أحكام الدفاع المشترك.
رغم ذلك، تنقل صحيفة "وول ستريت جورنال" عن مسؤولين أميركيين وفرنسيين قولهم إن البلدين يعارضان تدخل "الناتو" في الحرب السورية، بحجة أن "التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة حالياً هو أفضل لمواصلة الحرب". كذلك، فإن مسؤولاً فرنسياً أفاد الصحيفة بأن فرنسا "تعلم تماماً أن إعلاناً للحرب بناءً على المادة الخامسة أصبح يشكل مادة سياسية في واشنطن، وبالتالي هناك خوف من أن يستخدم من قبل الصقور للضغط على الحكومة الأميركية لتوسيع الحرب بطريقة غير مقبولة شعبياً في أوروبا".
في مقابل ذلك، كتب القائد العام السابق لقوات "حلف الأطلسي" في أوروبا، جيمس ستافريديس، مقالاً في مجلة "فورين بوليسي"، شرح فيه كيفية تنظيم تدخل الحلف الأطلسي في سوريا، إذا ما طلبت فرنسا ذلك، فـ"من حق باريس أن تتوقع من الناتو لعب دور مهم في سياق الإعداد لردّ عسكري على الهجمات"، قال ستافريديس، مشيراً إلى تأسيس "الناتو" "بناءً على مقدمة أساسية منصوص عليها في البند الخامس من المعاهدة، تنص على أن أيّ اعتداء مسلّح على إحدى الدول الأعضاء، يعتبر اعتداءً مسلحاً على بقية الدول، ويجب المبادرة بمباشرة حق الدفاع الشرعي، الفردي والجماعي، وفقاً للمادة 51 من ميثاق هيئة الأمم المتحدة".
من هنا، يذكر ستافريديس أنه إذا ما أرادت فرنسا أن تصبح الدولة الثانية بعد أميركا في إطار استدعاء حلف الأطلسي، فإن الخطوة الأولى التي يجب عليها القيام بها هي اللجوء إلى التشاور وفقاً للمادة الرابعة (التي تنص على إقرار مبدأ التشاور في ما بين الأطراف الموقّعة على الميثاق، في حال حدوث تهديد لسلامة أراضي إحداها، أو تهديد استقلالها السياسي، أو أمنها).
كاتب المقال ذكر مثالاً قريباً على حصول ذلك، وهو في عام 2014، عندما طلبت تركيا اجتماعاً وفقاً للمادة الرابعة، بعد هجمات "داعش" فيها. وفقاً لستافريديس، فإن من المتوقع أن يخلص الاجتماع إلى اعتبار هجمات باريس ــ نظراً إلى حجمها ونطاقها ــ خاضعة للبند الخامس.
عن مهمة "الناتو" في سوريا، يشير الكاتب إلى أن هدفها الأساسي يجب أن يكون دحر "داعش" في سوريا وتدمير البنى التحتية التي أنشأها هناك، مضيفاً أن مثل هذه المهمة "سيكون لها منفعة أخرى، وهي إظهار أن "حلف الأطلسي" يريد فعلاً التصرف بشكل حاسم عندما يتعرض لتهديد".
يتوسع الكاتب في شرح المهمة التي يجب أن يقوم بها الحلف. أولاً، ووفقاً لمعاهدة "حلف شمال الأطلسي"، يجب أن يتم اللجوء إلى مجلس الأمن. فبحسب القانون الدولي، سيكون مثالياً أن يتبنّى مجلس الأمن الرد العسكري، "رغم أنه يمكن للناتو أن يتصرف بغض النظر عن هذا التبنّي"، يضيف ستافريديس.
ثانياً، يجب أن يخصص واحدة من قياداته الكبرى للتخطيط والقيام بأي ردّ عملياتي. وفي هذا الإطار، يشير الكاتب إلى أن "قيادة قوات التحالف المشتركة في بروسوم في هولندا ملتزمة بشكل كامل في أفغانستان"، لذا يرى أن "المهمة ستقع في الغالب على قيادة أخرى في نابولي الإيطالية، التي قادت التدخل في ليبيا، والتي تتمتع بخبرة تخطيطية وعملياتية مهمة، كما أنها تتمتع بصلات عميقة مع شركاء التحالف في المنطقة مثل الإمارات والأردن وقطر وغيرها". علاوة على ذلك، يشير الكاتب إلى أن على "المخططين في الحلف الأطلسي أن يهتموا ليس فقط بدمج أعضاء التحالف، ولكن أيضاً بشركائه العديدين، بما فيهم السويد وفنلندا وغيرهما من الدول الفاعلة".
أما النقطة الثالثة، فهي "إعداد القوات الخاصة التابعة للناتو للقيام بدور مركزي في العمليات العسكرية"، ولكن هنا لم يغب عن بال الكاتب الذي ارتأى التخطيط الكامل لعمليات "الناتو" أنه "يجب على مقرّ العمليات الخاصة في بلجيكا أن يأخذ زمام المبادرة في تنظيم عملية تبادل المعلومات الاستخبارية بين الدول الأعضاء، كما يجب أن يُعدّ قوات التحالف المشتركة لنشرها على الأرض في سوريا، من أجل تدريب وإعداد المقاتلين في وجه التنظيم، إضافة إلى جمع المعلومات وشنّ غارات، والعمل بمثابة راصدين لحلف شمال الأطلسي وطائرات التحالف".
العراق كان له مكان في استراتيجية القائد الأطلسي السابق، فقد رأى أن على "الناتو" أن يُعدّ مهمات تدريبية، على المدى البعيد، تعمل مع القوات المؤلفة من البشمركة والإيزيديين التي تحارب في شمالي العراق، وأيضاً مع القوات العراقية في بغداد. يكمل ستافريديس في تكتيكاته ولا يهمل روسيا من كل ذلك. وفي حين يقول إنه "يجب أن تنضوي الحملة الجوية التي تقودها الولايات المتحدة في العراق وسوريا تحت قيادة الناتو"، إلا أنه يضيف أنه "يجب أن يشدد الناتو على أن يبني تحالفاً مفتوحاً، يمكن أن يشمل ليس فقط قوات الحلفاء التقليديين، ولكن أيضاً القوات التابعة للخصوم التقليديين، مثل روسيا".