كان يوماً قاتماً. انهيارٌ سياسي ونفسي بجميع المقاييس. البعض انتظر هذه اللحظة، مأخوذاً بالرغبة في اكتشاف العالم الآخر ما وراء الحدود. ذلك يفسّر الحشد الجماهيري لتذوق الهمبرغر لدى افتتاح «ماكدونالدز» في موسكو. آخرون خافوا هذا الخروج من حضن اعتادوه.

عشرون عاماً مرت على انهيار الاتحاد السوفياتي. عشرون عاماً، على مرحلة جديدة بدأت تخطها وريثة الاتحاد السوفياتي، روسيا الاتحادية. فترة قصيرة ـــــ طويلة، عاشت روسيا نصفها الأول في انهيار تام، إلى أن بدأت تلملم آثار هذا الانهيار في النصف الثاني. «هيرو» روسيا، فلاديمير بوتين، الذي انتقاه الرئيس السابق بوريس يلتسين ليكون رئيساً في أواخر عام 1999، بدأ يرسم خريطة البلد الذي أراده أن ينهض تدريجياً، وها هو ينحج في تحقيق التطابق بين صورته الإعلامية «الشرسة» وروسيا.
المقارنة بين زمنين مختلفين وايديولوجيات متضاربة ليست سهلة. لحظة تتكدّس فيها مشاعر الحنين والرفض والكره والأمان... روزا مثلاً، المواطنة الروسية التي عاشت التجربتين، تحن إلى الخدمات الاجتماعية، والتي فقدتها في زمن العولمة اليوم.
صورة الاتحاد السوفياتي لا تزال قابعة في نفوس بعض الروس، الذين لم يتمكنوا بعد من تغيير ملامحهم القاسية، والابتسام مثلاً. هذا ما يعبر عنه الروس أنفسهم، بعدما اختبروا الحياة في مكان آخر، وبات عليهم أن يتخلصوا تدريجياً من تجهّم اكتسبوه بالوراثة.
بوتين قال يوماً إن «اختفاء الاتحاد السوفياتي هو أكبر كارثة جيو ـــــ سياسية في القرن العشرين». لم يستسلم، بل كان يخطط لاحقاً لـ «جعل روسيا دولة في القرن الواحد والعشرين». الكارثة قوبلت بمشروع دولة، نجحت في خلق دورٍ لها كقوة عظمى على الساحة الدولية. أدرك بوتين أن الاتحاد السوفياني ولّى إلى غير رجعة، واستعادته أشبه بأحلام يقظة، تدمّر ما بقي من واقع، لذا وضع نصب عينيه روسيا الاتحادية، لا غير.
لم ينكر بوتين يوماً وضع روسيا المنهار، حتى إنه اعترف بحقيقة أنها في تأخر مأساوي، مقارناً إياها بالدول الأقل تقدماً في أوروبا، كالبرتغال مثلاً. وحين بدأ يقودها على المسار الجديد، أكد دورها المهيمن، قائلاً إنها «مع ذلك لا تدير ظهرها لمن يريد المساهمة من خلال بنيان الدولة، وهو ما يستلزم إصلاح الدولة، أو المساهمة في الحياة الاقتصادية، ومن أجل هذا يجب دعوة المستثمرين الأجانب والأوليغارشيين، وأيضاً مجموع المجتمع الروسي». كذلك رسم الموقع الجيوبوليتيكي لبلاده انطلاقاً من أنه «يجب على روسيا أن تكون في أوروبا، وأن تكون غربية، لكن عليها أن تأخذ بعين الاعتبار إرثها التاريخي والأخلاقي الخاص بها».
السنوات العشر الأخيرة كانت البداية الجديدة. استفادت روسيا من ارتفاع سعر النفط.، استعادت نفوذها. وكان التحول الأبرز في حرب جورجيا، التي فرضت روسيا من خلالها واقعاً جديداً في محيطها ومناطق نفوذها الموروثة.
حربٌ لم تهدف إلى الاستعراض العسكري، وخصوصاً أن موسكو تدرك تفوق واشنطن في هذا المجال، كانت ببساطة رداً على اعتداء على مناطق النفوذ الروسي. وخسارة هذه الفسحة تعني نهاية روسيا. فخاضت حرب الأيام الخمسة، مدركةً أنّه ما من شيء يمكن أن تخسره. وكانت المعادلة الرابحة: خرق زحف حلف شمالي الأطلسي لمناطق نفوذ الاتحاد السوفياتي السابق والروسي اللاحق، وإعادة رسم خريطتها من جديد. وضعت روسيا حداً للثورات الملونة التي شهدتها كل من جورجيا وأوكرانيا بسلاسة أشبه بنسيم ربيعي. عادت كييف إلى مرضعتها، فيما تحولت تبليسي إلى نكرة على الساحة العالمية.
الإنجازات الروسية لا تقتصر على إعادة إحياء العلاقات القديمة، بقدر ما يمكن وصفها بإعادة الإمساك بزمام الأمور. وإذا كانت الإمبراطورية تفوق قدرات الروس في المدى المنظور، وهي لا تظهر أصلاً ضمن الأجندات الخارجية، فإنّ امتلاك النفوذ خارج قاعة مجلس الأمن (الفيتو)، هو هدفٌ تتمسك به هذه الدولة.
استغرقت واشنطن عشر سنوات للاستجابة للانفتاح الروسي على الغرب، الذي أبداه بوتين حين تولى رئاسة البلاد. انتظرت واشنطن وصول باراك أوباما لإعادة تشغيل مفتاح العلاقات بين البلدين، وتوقيع ستارت. انفتاح ترافق مع حاجة أميركية إلى روسيا في عدد من الملفات، منها إيران وأفغانستان وكوريا الشمالية.
التحولات كثيرة، والانتقاء لا يلغي البقية، لكنه يظلّل الانطلاقة الجديدة. عشرون عاماً ليست كافية ربما للتصالح مع الذات، إلّا أنها بداية حقيقية. وتقول الكاتبة الفرنسية هيلين كارير دينكوس في كتابها «روسيا بين عالمين» إنه منذ آلاف السنين تبحث روسيا عن روسيا من أجل الالتقاء بمصيرها والانتهاء من تاريخ من المصائب. وكان اللقاء عام 1991، تاريخ انهيار الاتحاد السوفياتي، وكما يقول فيلم المخرج الألماني وولفغانغ بيكر، «وداعاً لينين».



اجتثاث الستالينيّة

كان لافتاً في 2011 استغلال البراغماتية لأقصى درجاتها، حين كتب الثنائي مدفيديف ـــــ بوتين فصلاً جديداً في تاريخ الاتحاد السوفياتي، التبرؤ من الستالينية، من خلال موافقة البرلمان الروسي على أن الزعيم السوفياتي جوزف ستالين أمر شخصياً بتنفيذ مجزرة «كاتين»، التي قُتل فيها آلاف الضباط البولنديين خلال الحرب العالمية الثانية، تلت ذلك زيارة مدفيديف إلى بولندا، وإنهاء علاقة عداوة دامت سنوات.
وأطلق الرئيس الروسي دميتري مدفيديف حملة «لاجتثاث آثار الستالينية» من خلال تذكير الروس بالجرائم التي ارتُكبت خلال تلك الحقبة. وتتعلق الحملة بالكشف عن جميع الوثائق السوفياتية السرية، وملفات ملايين القضايا التي جمعتها الأجهزة الخاصة عن مواطنين عاديين. وستشمل أيضاً البحث عن رفات أشخاص قضوا في معسكرات الاعتقال خلال حكم ستالين، وإقامة أنصاب جديدة لمن أعدمهم النظام الستاليني.
وسبق أن انتقد مدفيديف في أيار الماضي الحقبة السوفياتية، ووصفها بالديكتاتورية التي قمعت حقوق الإنسان.