باريس ــ هزّت جريمة الإسكندرية الشارع الفرنسي بقوة لأسباب عديدة، ففترة الأعياد ضاعفت من ثقل العملية الإرهابية، إلى جانب أن هذا الاعتداء جاء في سياق «تهديدات من القاعدة» نشرت قبل أيام واستهدفت بالاسم عدداً من الكنائس القبطية في فرنسا وألمانيا. وقاد هذا القضاء الفرنسي إلى فتح تحقيق بشأن هذه التهديدات، بعدما تقدم القس جرجس لوقا، القيّم على أعمال كنيسة «القديسة مريم والقديس مرقس» في شاتوناي مالابري (ضواحي غرب باريس)، بشكوى بسبب هذه التهديدات التي بثت على شبكة المواقع السلفية وورد فيها اسم هذه الكنيسة، التي تعدّ كبرى كنائس الأقباط في فرنسا الذين يقدر عددهم بـ ٢٥٠ ألفاً، حسب تصريحات القس.

إلا أنها ليست المرة الأولى التي يتحرك فيها أقباط فرنسا للاحتجاج على ما يصيب أبناء رعيّتهم في «بلدهم الأصلي» مصر. فقد صادف الميلاد الشرقي أول من أمس (الخميس) مع ذكرى مؤلمة لاعتداء نجع حمادي بمحافظة قنا في الصعيد، والذي حصل قبل سنة تماماً وذهب ضحيته ٧ قتلى وعدد من الجرحى، بعدما أطلق ثلاثة أشخاص من سيارة وابلاً من الرصاص على مجموعات من الأقباط كانت تخرج من المطرانية عشية العيد. وقبل عام، نزل المئات من الأقباط في تظاهرة أمام وزارة الخارجية الفرنسية للتنديد بهده المجزرة. يومها تساءل عدد من المراقبين لماذا تسير التظاهرة إلى مركز الدبلوماسية الفرنسية، لا إلى ساحة حقوق الإنسان في تروكاديرو؟ الإجابة جاءت عبر الهتافات التي ارتفعت وتوجهت نحو الرئيس حسني مبارك بسؤال «يا مبارك قول الحق إنت معهم ولّا لأ» ومطالبته بحماية الأقباط.
وواكب الطاقم الحكومي أول من أمس التحركات القبطية في باريس، وذلك عبر انتقال عدد وافر من الشخصيات إلى كنيسة شاتوناي مالابري لحضور قداس الميلاد الشرقي، إلى درجة أن المصلين فوجئوا بهذا العدد الكبير من الشخصيات التي تطأ للمرة الأولى عتبة الكنيسة، وفي مقدمهم وزير الداخلية بريس هورتوفو، إضافة إلى ممثلين لمختلف الطوائف والعديد من «أصدقاء الأقباط في فرنسا».
ورأى مراقب أن هذا «الاستعمال السياسي للمجزرة» يمكن أن يعطي نتائج عكسية، إذ إنه يظهر فرنسا وكأنها «أرض قتال»، ما يمكن أن ينعكس على الحركة السياحية، ويعطي «مربحية إعلامية» للتنظيمات الإرهابية. يضاف إلى ذلك أنه يظهر «التوتر الموجود في فرنسا بين الأقباط والمسلمين»، إذ إن القس لوقا صرح أمام كاميرات التلفزيون العالمية بأنه «يرحب بقبول تعازي الوفد المسلم الذي ترأسه رئيس المجلس الفرنسي للدين الإسلامي محمد موسوي». لكنه استطرد بأنه (موسوي) «غير مرحّب به داخل القداس» بعكس عدد آخر من الشخصيات الدينية. إلا أن مصدراً مقرباً من هيئة الكنيسة أفاد «الأخبار» بأن «الأمر قد سوّي» من دون الدخول في التفاصيل.
ويوم أمس، كان التجمع أمام كاتدرائية نوتردام في وسط باريس، وفي ذلك رمز على انتقال الملف من حيزه الدبلوماسي إلى حيز ديني محط. إلا أن الرئيس نيكولا ساركوزي أعاد البعد الدبلوماسي لمسألة مسيحيي الشرق خلال حفل استقبال تهاني رجال الدين في الإليزيه، بتصريح قوي عندما لوّح بإصبعه وقال «لا يمكننا القبول أو تسهيل خطة شريرة لتطهير الشرق الأوسط تطهيراً دينياً». وأضاف إن «المسيحيين في مصر وفي العراق هم في أوطانهم». وقد فسر المراقبون هذا بأنه دعوة أيضاً للسلطات المصرية للعمل على حماية أقباط مصر في ظل تصاعد التيارات السلفية، واتهامات جماعات قبطية ضاغطة في فرنسا بأن «عصر مبارك بات العصر الذهبي الأحمر»، في إشارة إلى الدم القبطي.
ويعترف مصدر مقرب من ملف مصر بأن «المسألة معقدة جداً»، إذ إلى جانب الرغبة بحماية مسيحيي الشرق فإن «مستقبل نظام مبارك» هو موضوع بحث قائم منذ سنوات، وخصوصاً في السنوات الأخيرة بعد تسريبات أميركية تتعلق بصحته. فمن جهة، لا تستطيع باريس البقاء مكتوفة اليدين، بينما «بذبح أقباط مصر»، وفي الوقت نفسه لا تستطيع تجاهل «الخلل الاستراتيجي» الذي يمكن أن يسبّبه «انهيار نظام مبارك بعنف» على المنطقة بأكملها. ولا يتردد المصدر في القول إن «الوضع اليوم في مصر مرتبك جداً» وإن جمود السلطات المصرية ورميها المسؤولية على أطراف خارجية أو جهات ضالة لا يساعد على «امتصاص نقمة الأقباط»، الذين لا يتردد بعضهم في «اتهام أجهزة مصرية بالتعامل مع فرق متطرفة» بهدف طي صفحة الانتخابات وتغيير وجهة سيل الانتقادات والتلويح بالخطر السلفي للغرب، وخصوصاً للولايات المتحدة «المهتمة جداً» بمصير الأقباط بسبب قوة اللوبي القبطي في واشنطن.
ويحذر المصدر من اللعب بالنار ومن أن ينقلب السحر على الساحر إذا لم «تتخذ إجراءات جذرية». ويشير إلى أن الوضع في مصر يختلف كثيراً عن العراق، إذ إن عدد الأقباط فيه أكبر بكثير ولا يمكن تطبيق «سياسة إعطاء تأشيرات» لامتصاص النقمة وطمأنة الرأي العام الغربي، كما حدث بعد كل اعتداء على مسيحيي العراق. كما أن هذه السياسة تواجه باتهامات «بإفراغ الشرق من مسيحييه». وأنهى المصدر بالقول إنه في حال عدم وأد الفتنة الآن فإن «ما يحدث في جنوب السودان يمكن أن يمد أفكاراً سوداء لعدد من الجهات التي لن تتردد باللعب في نار الانقسام».