باريس ــ وضعت باريس كل ما يمكن من أبّهة وحفاوة لاستقبال رئيس الوزراء الفلسطيني، سلام فياض، وأعدّت له برنامجاً حافلاً بدأه أمس بلقاء نظيره فرانسوا فييون الذي أولم له في قصر ماتينيون، بعد مؤتمر صحافي أجابا خلاله عن ٤ أسئلة تمحورت حول مصر وانعكاسات ثورتها على الوضعين العام والفلسطيني خصوصاً.

وعما إذا كان ما يحصل في تونس ومصر يمكن أن يؤثر على الملف الفلسطيني وموقف الدبلوماسية الفرنسية، أجاب فييون إن «مبادئ الدبلوماسية الفرنسية هي عدم التدخل بشؤون الغير» مع الحفاظ على أسس ثابتة تتعلق بحقوق الإنسان والديموقراطية. وأضاف بلهجة متهكّمة بأنه لو كان على فرنسا أن تتعامل مع الدول على أسس تطبيق الديموقراطية لـ«توقفت عن التواصل مع نصف دول العالم ومعظم الدول العربية». وكان فييون قد قدم مداخلة دعا فيها إلى نبذ العنف وإجراء تغيير بسرعة في مصر، قبل أن يشدد على أن «رياح الحرية تساهم في تقدم مسيرة السلام والمبادئ الديموقراطية».
من جهته، أكّد فياض أنه «لا تعارض بين رياح التغيير وضرورة السعي إلى بناء ما يطمح إليه الشعب الفلسطيني». وأضاف «على العكس، ما يجري في المنطقة هو تعبير عن رفض لحالة من الإحباط التي تساهم في فشل العملية السياسية»، وهذا الفشل ليس في مصلحة «الاستقرار والأمن في المنطقة».
وبالنسبة إلى أهداف الزيارة المعلنة أي مؤتمر المانحين المزمع عقده، سألت «الأخبار» ما إذا كان ضخّ المعونات الدولية الكثيفة يعدّ تسهيلاً للاحتلال، فشدد فييون على «الطابع السياسي لمؤتمر المانحين». وأشار إلى «التوافق على أن هذا المؤتمر لا يمكن أن يحصل إلا إذا توافرت الشروط اللازمة ليحمل الطابع السياسي المطلوب» للوصول إلى الهدف الذي توافق عليه المجتمع الدولي «دولة فلسطينية قبل نهاية هذا العام».
ورأى المسؤول الفرنسي أن العمل على تعزيز الوضع الفلسطيني على الصعيد الاقتصادي هو «عمل تأسيسي» لمشروع الدولة الفلسطينية. وكشف في هذا السياق عن العمل مع «الشريك الأميركي ليحمل المؤتمر هذه الصفات السياسية».
بدوره، أكد فياض هذا التوجه، وقال إن «المحافظة على الجدول الزمني» هي للوصول إلى هذا المفهوم الذي تعمل عليه اللجنة الرباعية، وهو الهدف الذي تحدث عنه الرئيس الأميركي، بحلول أيلول». ومن هنا «أهمية اللقاء الذي تعدّ له فرنسا والاتحاد الأوروبي»، وذلك لـ«الخروج من موقع المموّل وللقيام بدور فاعل».
وفي هذا السياق، يقول خبير مقرّب من الملف إن «العقبات السياسية ووقف المفاوضات»، هي من الأسباب التي تمنع تحديد تاريخ ثابت للمؤتمر»، مستبعداً أن يتوصل المجتمعون حول طاولة عشاء وزيرة الخارجية إليو ــ ماري مساءً إلى الاتفاق على تاريخ معين، وإن كان البعض يتحدث عن منتصف شهر أيار المقبل. لكن المصدر نفسه شدد على أن المقصود من الوصول إلى «دولة قبل نهاية العام» ليس إلا عملية تواصلية في غياب أي تقدم في مسار المفاوضات، وأن جلّ ما يمكن الوصول إليه هو «إعلان اعتراف بدولة فلسطين» من قبل الاتحاد الأوروبي وهي الورقة البديلة، ما يمكن أن يمثّل «عاملاً ضاغطاً على إسرائيل فقط لا غير من دون أي تقدم على الأرض». ويعترف الخبير بأن الوضع اليوم في المنطقة لا يساعد على تقدم المفاوضات، رغم أن «ما يحدث على الأرض في الدول المحيطة» يجب أن يدفع إسرائيل الى تسهيل الوصول الى حل والتراجع عن تصلبها.
ومن المقرّر أن يلتقي فياض الرئيس الفرنسي، نيكولا ساركوزي، قبل أن يشارك في مأدبة عشاء، لن يحضرها وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط أو رئيس الرباعية الدولية طوني بلير كما كان مفترضاً، وسوف تقتصر على وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي كاثرين آشتون، ووزير خارجية النروج يوناس يوناس غاهرر ستويري، ومساعد الممثل الخاص لـ «الرباعية» غاري غرابو.
وكان المتحدث باسم الخارجية الفرنسية برنار فاليرو قد ذكر «بأن سلام فيّاض تابع الإصلاحات التي تعهّد بتطبيقها في باريس في ٢٠٠٧ وخصوصاً في مجالي الأمن والشفافية المالية»، وهو ما اعتبره مصدر دبلوماسي «أنه سمح بإظهار أن الفلسطينيين ليسوا فاسدين، مهملين أو غير أكفاء». وهو ما سمح حسب المصدر نفسه «بالقول اليوم ومن دون أن نبدو سخفاء إن الدولة الفلسطينية قد تعلن في أي وقت» في حلول أيلول، وإن كانت المساحة التي «يعمل عليها فياض لا تتجاوز الـ ٢٠ في المئة» من الأراضي التي يمكن أن تعود إلى السلطة في حال الوصول إلى اتفاق.
ويسيطر خوف كبير على دوائر القرار الأوروبية جراء تأثير الثورة المصرية على عملية السلام برمتها.
ويشرح أحد الخبراء بأن «حصار غزة لن يكون كما كان سابقاً مهما كان النظام المقبل»، ويدرك الأوروبيون ضرورة «الإسراع بحل مسألة غزة والتقدّم بالمفاوضات» قبل أن تعود الأضواء وتسلّط على مسألة الحصار. وقد علمت «الأخبار» من مصادر موثوقة أن الأوروبيين يتخوّفون من عملية عسكرية إسرائيلية لاحتلال ممر فيلادلفيا، ما يمكن أن يقلب التوازن الحالي «المقبول عملياً» ويدفع ببعض قطاعات الجيش المصري إلى تخفيف مراقبته لسيناء بشكل يجعل من الحدود المصرية الإسرائيلية «منطقة ساخنة». وتفيد بعض التسريبات بأن اللجنة الرباعية ستسعى إلى محاولة إعادة المراقبين الأوروبيين إلى الممرات الحدودية في غزة «حتى لو تطلب ذلك تجاوز مبدأ عدم التواصل مع حماس»، وأن بعض القوى الفلسطينية المقربة من السلطة توافق على هذه المقاربة البراغماتية» بعد «اختفاء الضغوط المصرية».