كان «تعزيز الرد الأوروبي» على التهديد «الجهادي»، ومعالجة الثغَر الأمنية التي كشفتها الهجمات المذكورة محور اجتماع بروكسل. وأقر رئيس الوزراء الفرنسي، مانويل فالس، بأنه لا جواب لدى السلطات الأمنية في بلاده حول كيفية تمكن مدبر هجمات باريس، البلجيكي المغربي الأصل، عبد الحميد أباعود (الذي قُتل في مداهمة للشرطة يوم الأربعاء الماضي)، من العودة من سوريا إلى أوروبا، والتنسيق مع 9 أشخاص على الأقل لتنفيذ الهجمات، من دون أن يتم رصده.


وإذا كانت أجهزة الأمن الأوروبية تعتبر أن السؤال هو كيف تمكن أباعود من «العودة» إلى أوروبا، فالأولى التساؤل حول دور تلك الأجهزة، أو حول قيامها بـ«غض الطرف» على الأقل، عن تجنيد الشخص المذكور على أراضيها، وسفره أو تسفيره إلى سوريا «للجهاد».
وبحسب مصادر أوروبية، أيد أمس وزراء داخلية الدول الـ28 في الاتحاد طلب فرنسا مراجعة قوانين اتفاقية «شنغن» (حول حرية التنقل بين الدول الأوروبية) على وجه السرعة، بحيث تسمح بفرض «تدابير مراقبة منهجية لرعايا أوروبيين»، في حين تخصص إجراءات المراقبة المنهجية المشددة حالياً لرعايا الدول من خارج الاتحاد الأوروبي. وجاء في مسودة بيان الاجتماع أن «الدول الأعضاء تتكفل بتطبيق (إجراءات) التفتيش المنهجية والضرورية، بشكل منسق، على الحدود الخارجية، بما في ذلك على أفراد يتمتعون بالحق في حرية الحركة». وقال مسؤولون إنه سيتم في الوقت الحالي التحقق من جوازات السفر فقط، على أن يتم التحقق من المعلومات الشخصية في قواعد البيانات (حين جهوزها).

المفوض الأوروبي للشؤون الداخلية اقترح إقامة وكالة استخبارات أوروبية

وكان رئيس الوزراء الفرنسي، مانويل فالس، قد حذّر من أن بلاده قد تعيد النظر في اتفاقية «شنغن» في حال «عدم تحمل دول الاتحاد مسؤولياتها» بضبط الحدود البينية. وقال فالس لقناة تلفزيونية محلية يوم أول من أمس إن «التهديدات لا تزال موجودة، ولا نعلم ما إذا كانت لا تزال الجماعات الإرهابية الأخرى، المرتبطة بهجمات الجمعة نشطة أو لا، ولا نعرف كيف خرج الإرهابي، مدبر الهجمات، من سوريا وجاء إلى أوروبا»، رغم صدور مذكرة ملاحقة دولية بحقه من جانب بلجيكا. وقال فالس إن بعض «الإرهابيين» استغلوا أزمة اللاجئين و«تسللوا» إلى أوروبا، على العكس من حقيقة أن العديد منهم مولود على الأراضي الأوروبية ويحمل جنسية دولها، ولا سيما فرنسا وبلجيكا، وأن غالبية هؤلاء يقطنون في أحياء بائسة تعاني التهميش والتمييز والحرمان.
من جانبه، قال وزير الداخلية الألماني، توماس دي مايتسيره، «نحن هنا (في بروكسل) لنظهر لزملائنا الفرنسيين والشعب الفرنسي أننا نقف إلى جانبهم؛ ونحن مصممون على أن نقوم برد واضح وقاس»، مشيراً إلى أهمية تفعيل تبادل المعلومات بين أجهزة الأمن الأوروبية، وهو ما أكده نظيره الإيطالي. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى نتائج استطلاع للرأي، بين انقسام الرأي العام الألماني حول ما إذا كان يتعين على القوات المسلحة للبلاد أن تشارك بشكل مباشر في العمليات القتالية ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) في العراق وسوريا، حيث قال نحو 52% إنهم يعارضون الأمر، في حين عبّر 41% عن دعمهم له. وتساهم ألمانيا في تدريب المقاتلين الأكراد في العراق، لكنها لم تنضم إلى الولايات المتحدة وفرنسا في غاراتهما على العراق وسوريا.
وشهد اجتماع بروكسل مقترحات أوروبية عدة، كان أبرزها اقتراح المفوض الأوروبي للشؤون الداخلية، ديمتريس أفراموبولوس، إقامة وكالة استخبارات أوروبية، كي يكون التعاون بين الدول الأوروبية «مستنداً إلى الثقة والفعالية». إلا أنه لا يمكن تشكيل مثل هذه الوكالة من دون تعديل المعاهدات الأوروبية، فالاستخبارات من صلاحيات السلطات الوطنية لكل بلد عضو في الاتحاد. أما رئيس وزراء المجر، فيكتور أوربان، فاعتبر أن «التحديات» التي واجهها الاتحاد الأوروبي في السنوات الأخيرة تشير إلى أن الوقت حان لمراجعة المعايير المؤسسة للاتحاد، وتعديل المعاهدات الأساسية، مشيراً إلى موجة اللجوء والهجرة، وأيضاً «الإرهاب». وبالإضافة إلى تأييد أوربان تعديل المعاهدات تلك، بهدف تشديد إجراءات السيطرة على الحدود الخارجية للاتحاد، تساءل أوربان عن جدوى السياسة النقدية المشتركة (العملة الموحدة والمصرف المركزي الأوروبي)، في ظل غياب سياسة مالية مشتركة (تحكم إيرادات الحكومات وإنفاقها). كما ناقشت حكومة هولندا مشروع إقامة «منطقة شينغن المصغرة»، تشمل النمسا وألمانيا وبلجيكا ولوكسمبورغ وهولندا، في مسعى للسيطرة على توافد أعداد كبيرة من المهاجرين واللاجئين، وإنشاء مخيمات مؤقتة للمهاجرين خارج تلك الحدود.
وعلى المستوى الأمني، أشار فالس إلى أن فرق الأمن الفرنسية داهمت قرابة 600 منزل عقب هجمات باريس، وجرى وضع 157 شخصاً تحت الإقامة الجبرية، محذّراً من أن التهديد «لا يزال قائماً، وسيظل كذلك لفترة طويلة». وعلى صعيد التحقيق في الهجمات المذكورة، لا يزال البحث مستمراً عن صلاح عبد السلام، الذي يشتبه في انتمائه الى المجموعة التي هاجمت المطاعم والمقاهي في 13 من الشهر الجاري؛ وتشتبه السلطات بأن شريكين له ساعداه في الهرب إلى بلجيكا. وأكدت نيابة باريس أمس أن 3 أشخاص قُتلوا جراء مداهمة قوات الأمن، يوم الأربعاء الماضي، شقة في الضاحية الشمالية لباريس، من بينهم امرأة يجري العمل للتأكد من هويتها.
وفي بلجيكا، أوقفت السلطات 9 أشخاص بعد ظهر يوم الخميس الماضي، من بينهم سبعة مقربين من بلال حدفي، أحد الانتحاريين. كما أعلنت قوات الأمن السويدية، في اليوم نفسه، اعتقال مطلوب عراقي «مرّ بسوريا»، يدعى مختار مثنى مجيد، ويُشتبه في أنه كان يحضّر لتنفيذ هجوم في البلاد.
(الأخبار، أ ف ب، رويترز، الأناضول)