خاص بالموقع - خرقت اشتباكات جديدة اندلعت بين القوات التايلاندية والكمبودية، أمس، اتفاق وقف إطلاق النار الذي توصل إليه الجانبان يوم السبت الماضي. اشتباكات أمس استمرت ساعات عدة، وأدت إلى جو من الهدوء غير المستقر. حصيلة القتلى حتى اليوم هي تايلانديّان وثلاثة كمبوديين.


لكن الخطورة الأكبر تكمن في إطلاق العنان للمشاعر القومية في بانكوك، وإثارة حماسة «القمصان الصفراء» الذين يطالبون بتنحّي الحكومة التايلاندية.
وبعيداً عن عودة الاشتباكات، فشل اتفاق وقف إطلاق النار في التخفيف من حدة التصريحات الشوفينية النارية لكلا الطرفين. أما السبب، فهو خلافٌ على ترسيم الحدود بين البلدين الآسيويين.
التغطية الإعلامية تضع معبد «برياه فيهيار» في الواجهة، وهو موقع أثري يعود إلى القرن الحادي عشر، وقد أُدرج على لائحة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونيسكو) عام ٢٠٠٨. إلا أن أسباب المواجهات المسلحة المتكررة منذ هذا التاريخ لا تقتصر على الكيلومترات الخمسة المربعة حيث يقع المعبد، بل تطال مناطق حدودية كبيرة تبلغ مساحتها ٢٧ ألف كيلومتر مربع.
يعود الخلاف إلى عام ١٩٠٤، حين وقع أول ترسيم للحدود بين كمبوديا التي كانت تحت الاحتلال الفرنسي (منذ عام ١٨٦٣)، ومملكة سيام (التسمية السابقة لتايلاند)، حيث تُركت مساحات شاسعة من دون تحديد دقيق، ما حتّم العودة إلى طاولة المفاوضات لتوقيع اتفاق جديد عام ١٩٠٧. وكانت النتيجة وجود خريطتين من دون حدود واضحة، وخصوصاً في مناطق الأدغال، من ضمنها منطقة المعبد الشهير.
بعد استقلال كمبوديا عام ١٩٥٤، اشتد النزاع على هذه المناطق، وتمحور حول المعبد البوذي القديم، ما حتّم اللجوء عام ١٩٦٢ إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي التي أصدرت حكماً وضعت بموجبه الموقع الأثري تحت السيادة الكمبودية، رغم أن الطرق التي تصل إليه تنطلق من تايلاند. وتجاهل القرار الدولي ترسيم الحدود كاملة أو تحديد المناطق المحيطة بالمعبد الذي أصيب بـ«أضرار كبيرة» بسبب التراشق المدفعي الأخير، بحسب أكثر من مصدر.
وكانت شرارة الاشتباكات قد اندلعت نتيجة إلقاء السلطات الكمبودية، نهاية العام الماضي، القبض على سبعة «متسللين» قدموا عبر الحدود من تايلاند. وذكرت مصادر في بنوم بنه أنهم كانوا «يجرون قياسات طوبوغرافية» في المناطق المتنازع عليها. وصدر حكم على اثنين منهما بالسجن بتهمة «التجسس». وقد تبيّن أن واحداً منهم على الأقل ينتمي إلى حركة «القمصان الصفراء» القومية الملكية التايلاندية، ما دفع بأعضاء هذه الحركة إلى الاعتصام حول مقر الحكومة في بانكوك للتنديد بكيفية «إدارة هذه الأزمة».
ويعترف عدد من الخبراء بأن جماعة «القمصان الصفراء» تسعى «إيديولوجياً» إلى إبقاء الوضع متوتراً مع كمبوديا بسبب مطالب تاريخية في عدد من المقاطعات التي سلخت عن مملكة سيام. ويقول مراقبون غربيون إن المساحة الشاسعة بين البلدين التي تركت من دون تحديد سيادتها تحوي الكثير من المواد الأولية والمعادن الثمينة، ليصبح معبد «برياه فيهيار» بمثابة شجرة تُخبّئ غابة الثروات هذه، وتتجاوز بكثير المردود السياحي البسيط نسبياً. كذلك، فإن تصنيف المعبد ضمن لائحة التراث العالمي «جمّد كل إمكانية لشق الطرقات والوصول إليه من طرف الحدود الكمبودية»، فيما الوصول إليه متيسّر من طرف الحدود التايلاندية.
ومن المتوقع أن تتدخل القوى الإقليمية، وخصوصاً «منظمة آسيان»، لتبريد الجبهة، في ظل إمكان أن يسهم تسخين الجبهة في فتح جبهات أخرى في مناطق الحدود، إضافة إلى وجود عدد من النزعات الانفصالية في المنطقة.