يروي العليمون بشؤون إيران وشجونها ما حصل خلال الأيام القليلة الماضية على النحو الآتي: «يوم الاثنين، خرج أنصار المعارضة على شكل مجموعة من الكتل البشرية التي تجمّعت في أكثر من مكان في طهران. الكبرى منها كانت في منطقة توحيد، ولم يتجاوز عديدها 400 شخص. أما في المجموع، فقد تراوحت أعداد المتظاهرين بين أربعة وخمسة آلاف متظاهر.


صدف أن هذا اليوم كان يوم امتحانات للطلاب، الذين ما إن خرجوا من مدارسهم وجامعاتهم، حتى انتظموا في تظاهرات عفوية تردد شعارات مؤيدة للسيد (علي) خامنئي. خطأ المعارضة كان إطلاق أنصارها الرصاص عشوائياً على المارة، ما أدى إلى استشهاد ثلاثة وإصابة تسعة بجروح. من بين الشهداء فتاة وعنصر من الباسيج من أهل السنة (صانعي جله) عائلته معروفة في كردستان أنها من العائلات المتدينة. حجة نزول المعارضة إلى الشارع كانت تأييد ثورتي مصر وتونس. لكنه شعار لم يرفع على الأرض. ولا أي هتاف أو لافتة حول هذا الموضوع. الهتافات التي أطلقت كانت فقط ضد خامنئي، وهو ما دفع بطلاب الجامعات للنزول إلى الشارع بهتافات تأييد للولي الفقيه».
في اليوم التالي، على ما تضيف المصادر المتابعة بدقة لتطورات المشهد الإيراني، «حصل ما حصل في البرلمان. بدأ النواب بالمطالبة عبر الهتافات بمحاكمة مير حسين موسوي ومهدي كروبي ومحمد خاتمي. ثم اجتمعوا وعادوا للمطالبة بإعدام هؤلاء، مع هتافات منددة بمواقف أكبر هاشمي رفسنجاني، وأصدروا بياناً يؤكد ضرورة محاكمة رؤوس الفتنة. أما أمس (الأربعاء)، فقد جرى تشييع جله في مسجد طهران، حيث حضر نحو 60 ألف شخص. المسجد كان ممتلئاً ومعه الشوارع المحيطة. كان المشهد غريباً: الخطيب يهتف بالموت لموسوي وكروبي، فيرد الناس، ومعظمهم من الباسيج، بالهتاف بالموت لرفسنجاني. هي المرة الأولى التي يردد فيها أنصار النظام شعارات مناهضة لرفسنجاني بهذه الحدة، وبينها أن رفسنجاني هو مبارك إيران الذي يجب إسقاطه. في خلال التشييع، خرج أحد أقارب الشهيد ليشكر الناس على حضورهم، فكان جواب البعض أنهم لم يأتوا فقط لتقديم واجب العزاء، بل جاؤوا استجابة لدعوة أوباما ومير موسوي بالنزول إلى الشارع مع تمنيات لهما بأن ينزلا هما أيضاً. موسوي وكروبي أصدرا بياناً يحضّ الناس على النزول إلى الشارع رغم منع التظاهر، فكان أن استجاب للدعوة أنصار النظام».
ومع انتهاء التشييع، الذي حصلت خلاله «اشتباكات مع بعض مثيري الفتنة قرب كلية الآداب حيث كان يدرس جاله»، خرج المدعي العام لإيران محسن إيجائي ليؤكد أنه «يجب محاكمة بعض قادة مثيري الفتنة مثل موسوي وكروبي ... بتهمة: المفسدين في الأرض»، التي ينزل بحق مرتكبيها عقوبة الإعدام، فيما كان الطلاب المؤيدون للرئيس محمود أحمدي نجاد يعتصمون في ثلاث من جامعات العاصمة، ويعلنون رفضهم لفك هذا الاعتصام قبل محاكمة موسوي وكروبي وخاتمي.
المطالبات بمحاكمة قادة المعارضة امتدت أمس إلى قم، حيث وصف رجل الدين أحمد خاتمي، موسوي وكروبي بأنهما «أعداء الله». وقال «لا بد من اعتقال موسوي كي يمكن القبض على كروبي. هذه شخصيات وضيعة واعتقالهم ليس بالعمل الصعب».
وكان الرئيس باراك أوباما قد أكد أول من أمس أن «ما صحّ على مصر ينبغي أن يصح على إيران»، معرباً عن أمله وتوقعه بأن «يحافظ الشعب الإيراني على الشجاعة للتعبير عن توقه إلى حرية أكبر وحكومة أكثر تمثيلاً، مع إدراكنا أن الولايات المتحدة ليس بوسعها أن تفرض ما يجري داخل إيران»، في ترداد لتصريحات وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون قبلها بيوم.
وتقول المصادر السالفة الذكر «أغبياء هم هؤلاء الأميركيون، لا يعلمون أن إعلانهم التأييد لأي شخصية إيرانية هو الوصفة المثالية لحرقها. ألم يدركوا بعد أن الإيراني عنصري حيال إيران. بمجرد إدلاء كلينتون وأوباما بهذا الكلام، خسر موسوي الكثير من أنصاره، وبات بالنسبة إليهم عميلاً أميركياً».
رفسنجاني واللعب على الحبلين
وتقول مصادر، كانت حتى فترة مضت مقربة جداً من رفسنجاني، إن هذا الأخير «يلعب على الحبلين. هو يريد من ناحية الاحتفاظ بالحماية التي تؤمنها له عباءة خامنئي. هو يدرك أن ما يبقيه على قيد الحياة هو حماية المرشد له، بدليل أن تظاهرات أنصار النظام وصلت إلى بيته أكثر من مرة وكان الحرس الثوري هو الذي يحمي المنزل ويحول دون اقتحام الناس له. وفي الوقت نفسه، هو يريد الاحتفاظ ببعض القنوات المفتوحة التي قد تساعده يوماً ما على تغيير النظام واستعادة وضعه وبعض الجمهور الذي يرى في رفسنجاني حصاناً رابحاً في مواجهة الوضع القائم».
ودان مجلس خبراء القيادة، الذي يرأسه رفسنجاني، أمس «قادة الفتنة»، مضيفاً في بيان «بات واضحاً أن المسألة هي ثورة وثورة مضادة، وأن تحديد الموقف من الثورة المضادة هو واجب ديني وسياسي وثوري».
يشار إلى أن دعوات كثيرة صدرت خلال الأشهر الماضية داخل هذا المجلس تطالب بإقالة رفسنجاني، وعزله من الحياة السياسية.

النظام: الثورة باقية

مصادر قريبة من أروقة صناعة القرار في طهران تستدل على بعض المؤشرات لتأكيد ارتياح النظام، بينها «ضخامة التظاهرة التي خرجت في ذكرى انتصار الثورة»، و«حقيقة أن أكثر من نصفها كان من غير المؤيدين التقليديين للنظام، أي أصحاب اللحى ومرتديات التشادور. كان واضحاً أن نحو 60 في المئة من المشاركين فيها من غير المتزمين وغير المتزمات اللواتي لم يضعن حتى أي منديل لتغطية رأسهن. حتى إن الكثير منهم جاء من أحياء في شمل طهران، معروفة بتأييدها التقليدي للشاهنشاهية». وتضيف المصادر نفسها إن «ما جرى في البرلمان الثلاثاء كان بدوره بالغ الدلالة. الحضور 290 نائباً. فقط أربعة نواب من الإصلاحيين، هم محمد رضا كادبش وفيروس سازدار وأنوشيروان محسني ومصطفى كواكبيان، امتنعوا عن الهتاف مطالبين بمحاكمة موسوي وكروبي وخاتمي وإعدامهم، علماً بأن من بين الحضور كان هناك 40 نائباً من المحسوبين على موسوي، وهذا موثق بالصوت والصورة». وتوضح «أي أن 36 نائباً من أنصار موسوي تخلّوا عنه، يتقدمهم محمد رضا خباز، الذي كان مسؤولاً عن قطاع شمال طهران في الحملة الانتخابية لموسوي. خباز هذ ألقى كلمة في البرلمان، أكد في خلالها أن الأخضر ذهب إلى أدراج التاريخ وأن من تظاهروا الاثنين كانوا من منافقي خلق والشاهنشاهيين. كما استشهد بمقولة للإمام الخميني عن أن من يريد علو شأن إيران وتطورها عليه أن يكون إلى جانب الولي الفقيه، متسائلاً: لماذا أنتم الآن مع الأميركي والإسرائيلي؟». وتابع «لكن عندما تمّت صياغة البيان المُطالب بمحاكمة هؤلاء، حصلت خلافات حوله، فحصل على تأييد 223 نائباً».




خامنئي: بريطانيا سبب الفرقة

اتهم المرشد الأعلى لجمهورية إيران الإسلامية آية الله علي خامنئي بريطانيا بأنها «العامل الأساسي للتفرقة بين المسلمين»، وذلك لدى استقباله الرئيس التركي عبد الله غول الذي اختتم الثلاثاء زيارته لإيران.
وقال خامنئي إن «الأميركيين بصدد مصادرة الحركة العظيمة للشعب المصري»، مشيراً إلى أنه «كلما اقتربت تركيا أكثر من الأمة الإسلامية الكبرى، كان ذلك لمصلحتها ولمصلحة العالم الإسلامي».
وكان خامنئي قد وافق على اقتراح رئيس السلطة القضائية الإيرانية آية الله صادق آملي لاريجاني بالعفو وتخفيف العقوبة عن 661 سجيناً.
مصادر وثيقة الصلة بما يجري تؤكد أن «هذه عادة يقوم بها المرشد في كل مناسبة. يخفف الأحكام عن نحو 600 إلى 900 سجين، ما يؤدي إلى الإفراج عنهم. العفو الأخير جاء في مناسبة ذكرى انتصار الثورة، ومعظم السجناء الذين طالهم هم من المحكومين الجنائيين، لا السياسيين».
(ا ف ب)